نساء رائدات في إِدارة المكتبات (1)

ماري فُوْيْ

هنري زغيب*

في الغالب والطبيعي اليوم أَن ندخل إِلى مكتبةٍ ونجد على مدخلها مكتبَ مسؤُولة الاستعلامات والمبيعات، سائلةً زوارها عن الكتب التي يبتغون شراءَها. وقد تكون في أَجنحة المكتبة صبايا يساعدْنَهم على زيارة المكتبة. غير أَنَّ المكتبات، التجارية والعامة، لم تبدأْ هكذا منذ مطالعها. فأُولى المكتبات العامة تأَسستْ سنة 1833، وكان معظمُ موظَّفيها ذُكُورًا. لم يكن حضور النساء متاحًا إِلَّا لخدمة الأَطفال زوَّار المكتبة. غير أَن النساء لم يخضَعْنَ بسهولةٍ لهذا الحصْر، فتمكَّنَت رائداتٌ منهن أَن يكسرن الحصْر، ويتولَّيْن مسؤُوليات إِدارية كانت تقتصر على الذكور، ويوسِّعنَ العملَ فيها وازدهارَها.

في هذا المقال خمسٌ من تلك السيِّدات اللواتي كسَرْنَ الحصار الذكوري.

ماري فُوْيْ (Foy) (1862-1962)  

كانت في الثامنة عشرة (1880) حين قدَّمَت طلَب التوظُّف في مكتبة لوس أنجلس العامة. وإِذ قبِلَت بلدية المدينة طلبها، كانت بذلك تكرِّسُها أَول امرأَة تتولَّى إِدارة مكتبة عامة. طبعًا لم تكن المكتبة يومها مؤَسسة عامة بمفهومنا اليوم. كانت شقَّةً من ثلاث غُرَف، في الطبقة الثانية من مبنى يخص البلدية. ولم يكن متاحًا للمرأَة أَن تحمل بطاقةً خاصة بالمكتبة، ولا أَن تدخل كي تستعير كتابًا. كان ذلك، منذ 1876، يتم ببطاقة زوجها، ثم تدخل غرفة محاذية خاصة للنساء، بانتظار أَن يؤْتى لها بالكتاب التي طلبَتْهُ. بقي هذا الأَمر سائدًا حتى تولَّت ماري الإِدارة، فأَنشأَتْ نظام الفهرسة، وبدأَت تستقبل النساء بدون تحفُّظ. وبقيَت في الإِدارة أَربع سنوات حين تسلَّمت المهمة بعدها سيدة أُخرى: تيسَّا كيلْسُو.

إِليزابيت بوتْهام سوهْلِر (1874- 1926)                 

آنَّا إليوت تيكْنو (1823-1896)

هاتان السيدتان خصَّصتا جزءًا واسعًا من وقتهما وخبرتهما للعمل على إِنماء المكتبات العامة. فسنة 1890 تم تعيينُهما في مجلس إِدارة مكتبة ماساشوستس العامة، وكانتا أَول امرأَتين في مجلس بهذه المهمة. تناوبتا على العمل فيها متكاملَتَي البرنامج. كانت إِليزابيت تدعو إِلى أَن تكون في كل مدينة أَو بلدة مكتبةٌ عامة، وإِلى الاستثمار فيها، وفتْحها لسكان البلدة أَو المدينة لتثقيفهم. وهي حقَّقت ذلك، على مراحل، طوال 36 سنة من وظيفتها المكتبية. تعاونت مع الجمعية النسائية التربوية في بوسطن، فأَنشأَت مكتبات جوالة في المدن والمناطق. وفي إِحدى الجولات التقَت بالسيدة آنَّا إِليوت تيكْنو الْكانت هي الأُخرى ناشطةً في فتح الآفاق التربوية أَمام النساء. ثم قامت إِليزابيت بتأْسيس (وإِدارة) جمعية خاصة بتشجيع الدراسة في البيوت ومتابعتها بالمراسلة فكانت بذلك أَول مَن يؤَسس نظام الدراسة بالمراسلة. هكذا ساعدت عشرات النساء، على مختلف مستويات ثقافتهن، في بلوغ طموحهنَّ التربوي. ولاحقًا أَسست لتلك الجمعية مكتبة عامة تضم آلاف الكتب.

تريزا إِلْمِنْدُورف

تريزا إِلْمِنْدورف (1855-1932)

سيدة رائدة حققت أَكثر من بادرةٍ كانت بها الأولى من نوعها في مجال المكتبات. كان موقعها في مكتبة مِلْوُوكي العامة دافعًا لتصبح سنة 1880 على موقع متقدِّم في حقل إِدارة المكتبات، وفي تأْسيس عدد من المكتبات العامة في المناطق الشرقية من الولايات الأَميركية. وواصلت حتى نجحَت في تحقيق ذلك لدى ولاية ويسْكُونْسِن سنة 1891. هذا النشاط بَوَّأَها أَن تكون أَول امرأَة تترأَّس “جمعية المكتبات الأَميركية” (1911 و1912).

فرجينيا فْلُورنْس

فرجينيا بْروكتور فلورنس (1897-1991)

عُرفَت بعنادها ومثابرتها، حتى بلغت أَن تكون أَول امرأَة أَميركية من أُصول أَفريقية تنال شهادة جامعية في إِدارة المكتبات. كانت فقدت والدَيها سنة 1913، فعاشت لدى عمتها الْكانت تدير صالونًا للتزيين النسائي. دخلت الجامعة تدرس الأَدب الإنكليزي. لم توفق في إِيجاد وظيفة، فساعدت عمتها في الصالون، إِلى أَن تزوجت رجلًا محبًّا عالم المكتبات، فساعدها على العودة إِلى الجامعة لتَدرس إِدارة المكتبات. وبذلك توظَّفت سنة 1922 في مكتبة بيتْسْبورغ العامة، دون السماح لها بلقاء المسؤُولين عن المكتبة. ولدى تخرُّجها، توظَّفت في مكتبة نيويورك العامة سنة 1927. وأَمضت بقية حياتها في عالم المكتبات العامة. وعند تقاعدها انصرفت وزوجها إِلى العمل في الدفاع عن حقوق الإِنسان.

كلارا جونْز

كلارا سْتانتُون جونز (1913-2012)

هي الأُخرى من الرائدات في حقل المكتبات العامة. كانت أَول امرأَة أَميركية من أُصول أَفريقية تتبوَّأُ إَدارة مكتبة عامة كبرى. ولدَت في نيو أُورلينز ونشأَت بعيدة كليًّا عن عالم المكتبات، حتى تسنى لها أَن تتوظَّف في مكتبة مدينتها. ثم انتقلت إِلى مكتبة ديترويت العامة سنة 1944، وتولَّت إِدارتها سنة 1970 ما سبب رفضًا من بعض الموظفين فيها، بل استقالة بعضهم احتجاجًا. وسنة 1976 كانت أَول سيدة من أُصول أَفريقية تتولى رئاسة جمعية المكتبات الأَميركية حتى تقاعدها سنة 1978.

هكذا تلك النساء الستّ تخطَّين المحظورات الذكورية في عصرهنَّ، وأَدرنَ مكتبات عامة كما نعرفها اليوم، بمعنى إِمكان التردد إِلى المكتبة والقيام بأَبحاث فيها، وإِمكان أَن تتبوَّأَ المرأَة إِدارة المكتبة أُسوة بالرجال، وأَن تكون هذه الإِدارة بعدهنَّ إِلهامًا لجيل كامل من النساء.

الحلقة المقبلة: نساء أُخْريات رائدات.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى