“أرضُ الصومال” في قلبِ لُعبةِ الأُمم: لماذا اختارت إسرائيل البحر الأحمر؟ (1 من 2)

لم يَكُن اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال” مجرّد اختراقٍ ديبلوماسي لكيانٍ غير مُعتَرف به دوليًا، بل خطوة محسوبة في إطار إعادة تموضُعٍ استراتيجي على الضفة الجنوبية للبحر الأحمر. فالقرار يفتح ملفًا يتجاوز هرجيسا ومقديشو، ليطال توازنات باب المندب، وشبكات النفوذ الإقليمي، وصراع المحاور في القرن الأفريقي.

رئيس “أرض الصومال” عبد الرحمن عبدالله يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر: تأكيد الإعتراف بزيارة رسمية.

الدكتور سعود المولى*

في خطوةٍ لافتة تحمل أبعادًا سياسية وإقليمية عميقة، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًا ب”أرض الصومال” (صوماليلاند)، الإقليم الانفصالي في شمال الصومال الذي يتمتع باستقلال فعلي منذ العام 1991. وجاء الإعلان عن هذا الاعتراف في 26 كانون الأول (ديسمبر) 2025، ليفتح سريعًا البابَ أمامَ مسارٍ مُتسارع من التقارُب السياسي والديبلوماسي بين الطرفين. وشمل ذلك الاتفاق على إقامة علاقات ديبلوماسية كاملة، وتبادُل التمثيل الديبلوماسي، إلى جانب انضمام “أرض الصومال” إلى اتفاقيات أبراهام. وفي تأكيدٍ عملي على هذا التحوٌّل، زار وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عاصمة الإقليم هرجيسا في 6 كانون الثاني (يناير) 2026، حيث التقى رئيس “أرض الصومال”، عبد الرحمن عبد الله (إيرو)، مُعلنًا تثبيت الاعتراف، وكاشفًا أنَّ الأخيرَ قَبِلَ دعوة رسمية من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة الدولة العبرية. كما عبّرت تل أبيب عن نيّتها توسيع مجالات التعاون مع صوماليلاند، خصوصًا في قطاعات الزراعة والاقتصاد والصحة والتكنولوجيا.

في المقابل، أثار هذا التطوُّر ردودَ فعلٍ غاضبة في مقديشو، إذ سارعت الحكومة الفيدرالية الصومالية إلى إدانة الاعتراف، مُعتبرةً إياه انتهاكًا مباشرًا لسيادة الدولة ووحدة أراضيها، في ظلِّ تأكيدها الدائم أنَّ “أرض الصومال” (صوماليلاند) لا تزال إحدى الولايات السبع المُكَوِّنة للفيدرالية الصومالية. ووصف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الخطوة الإسرائيلية بأنها غير قانونية وفقًا للقانون الدولي، مُحَذِّرًا من تداعياتها على استقرار القرن الأفريقي، ولا سيما ما قد تتيحه من بيئةٍ خصبة لتنامي نفوذ الجماعات السلفية الجهادية، وعلى رأسها حركة “الشباب”. من جانبه، أعلن وزير الخارجية عبد السلام عبدي علي أنَّ الصومال ستردُّ عبر القنوات الديبلوماسية، مطالبًا إسرائيل بالتراجُع عن قرارها. وفي إطارِ حَشدِ موقفٍ داخلي مُوَحَّد، عقد محمود اجتماعًا تشاوريًا في 27 كانون الأول (ديسمبر) مع قياداتٍ سياسية وشخصيات معارضة، من بينها الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، أعقبه اجتماعٌ آخر في اليوم التالي مع رئيس الوزراء ورؤساء الولايات المتحالفة معه سياسيًا، انتهى ببيانٍ مشترك يُدينُ الاعتراف ويؤكّد التمسُّك بوحدة البلاد.

ردود فعل دولية

ولم يقتصر الجدل على الساحة الصومالية، إذ قوبلت خطوة الاعتراف بموجة استنكار دولية واسعة شملت أطرافًا إقليمية ودولية مؤثرة. فقد عبّرت غالبية دول حوض البحر الأحمر، ونحو اثنتي عشرة دولة أفريقية، إلى جانب الصين والاتحاد الأوروبي وإيران وروسيا، عن رفضها الصريح أو الضمني للخطوة الإسرائيلية. وفي هذا السياق، صدرت بيانات عن كلٍّ من الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، أكدت جميعها دعمها لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، واعتبرت الاعتراف بصوماليلاند مساسًا بمبادئ القانون الدولي.

كما أصدرت إحدى وعشرون دولة بيانات إدانة، سواء بشكل جماعي أو منفرد، من بينها مصر وإيران وقطر والمملكة العربية السعودية والسودان وتركيا، في مؤشّرِ إلى اتساع دائرة الرفض الإقليمي والدولي. وفي نيويورك، أعلنت روسيا معارضتها العلنية للاعتراف خلال اجتماع طارئ لـمجلس الأمن الدولي عُقد في 29 كانون الأول (ديسمبر) لبحث تداعيات الخطوة الإسرائيلية.

أما الصين، فقد ذهبت أبعد من ذلك، إذ أدانت الاعتراف بشدة، في موقف ينسجم مع سياستها الصارمة الرافضة لأيِّ نزعات انفصالية، لا سيما في ما يتصل بقضية تايوان. وكثّفت بكين اتصالاتها الديبلوماسية مع حكومة مقديشو لإظهار دعمها السياسي، حيث أجرى السفير الصيني لدى الصومال اتصالًا مع وزير الخارجية الصومالي عبد السلام عبدي علي في 26 كانون الأول (ديسمبر)، مؤكدًا معارضة بلاده “الشديدة” للاعتراف. كما شدد السفير الصيني لدى الأمم المتحدة، خلال اجتماع مجلس الأمن الطارئ، على دعم بلاده لوحدة الأراضي الصومالية. وفي السياق نفسه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إنَّ “أيَّ دولة لا ينبغي لها أن تدعم أو تشجّع النزعات الانفصالية في دول أخرى لتحقيق مكاسب أنانية”. وجاءت هذه المواقف مدعومة بزيارة لافتة لوزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى الصومال قبل أيام، في أول زيارة من نوعها لوزير خارجية صيني منذ سقوط نظام سياد بري عام 1991، بما حملته من رسائل سياسية واضحة بشأن تمسُّك بكين بوحدة الدولة الصومالية.

الحسابات الإسرائيلية

في الحسابات الإسرائيلية الأوسع، لا يبدو الاعتراف بـ”أرض الصومال” خطوة رمزية أو ديبلوماسية معزولة، بل جُزءًا من رؤية جيوسياسية تهدف إلى توسيع الحضور الإسرائيلي على الضفة الجنوبية للبحر الأحمر وتعزيز عمقها الاستراتيجي في واحدة من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فمن المرجّح أن تنظرَ تل أبيب إلى هذه الشراكة الناشئة بوصفها رافعةً مزدوجة: لتعزيز قدرتها على مراقبة وتأمين خطوط الملاحة، ولفتح هوامش مناورة سياسية وأمنية تتجاوز الإطار الثنائي مع هرجيسا.

منذ العام 2024، تحدّثت تقارير غربية وإقليمية متقاطعة عن أنَّ مفاوضات الاعتراف تضمّنت بندًا غير مُعلَن يمنح إسرائيل موطئ قدم عسكريًا أو استخباراتيًا على ساحل “أرض الصومال” المطلّ على البحر الأحمر، رُغمَ النفي المتكرر من مسؤولي الإقليم. ورُغمَ غياب أيِّ إعلانٍ رسمي، فإنَّ مجرّد تداول هذه الفرضية يَعكِسُ حجمَ الرهانات الاستراتيجية المرتبطة بالاعتراف، ويُغذّي مخاوف إقليمية من إعادة تشكيل موازين القوى على مقربة من مضيق باب المندب.

وجود قاعدة إسرائيلية مُحتملة في “أرض الصومال” من شأنه أن يمنح الدولة العبرية قدرةً مُوسّعة على مراقبة التهديدات الآتية من جنوب البحر الأحمر، ولا سيما في محيط باب المندب، الذي تمرُّ عبره نسبةً كبيرة من التجارة العالمية. وتكتسبُ هذه النقطة حساسيةً خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، إذ يمرُّ نحو ربع تجارتها البحرية عبر ميناء إيلات على خليج العقبة، ما يجعل أمن هذا الممر الحيوي مسألةً تتجاوز البُعدَ التجاري إلى صميم الأمن القومي.

في هذا السياق، لا تنحصر التهديدات في الهجمات الحوثية المدعومة من إيران انطلاقًا من اليمن، بل تشملُ أيضًا مسارات تهريب السلاح الإيراني عبر البحر الأحمر باتجاه المشرق العربي واليمن. ومن ثمّ، فإنَّ أيَّ تموضُعٍ إسرائيلي على الساحل الصومالي الشمالي يمكن قراءته بوصفه حلقة إضافية في شبكة احتواء إقليمية أوسع تستهدف النفوذ الإيراني وخطوط إمداده.

إلى جانب البُعد العسكري والأمني، أُضيفَ إلى ملف الاعتراف عنصرٌ سياسي شديد الحساسية، تَمثّلَ في تقارير أفادت بأنَّ مسؤولين إسرائيليين وأميركيين ناقشوا، خلال العام 2025، فكرة إعادة توطين فلسطينيين نازحين قسرًا من قطاع غزة في “أرض الصومال”، بوصفها جُزءًا من مُقايضاتٍ ديبلوماسية أوسع. وفي آب (أغسطس) 2025، نقلت شبكة “سي أن أن” عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن “أرض الصومال” كانت واحدة من خمس دول تُجرى معها محادثات لاستقبال فلسطينيين نازحين مقابل “تعويضات مالية ودولية كبيرة”.

هذه التقارير فجّرت موجة استنكار إقليمي، ودفعت السلطة الفلسطينية والحكومة الفيدرالية الصومالية إلى تكرار الاتهامات بعد إعلان الاعتراف الإسرائيلي رسميًا. ورُغمَ النفي المتزامن من تل أبيب ومن سلطات “أرض الصومال”، فإنَّ إدراج هذا الملف في سياق المفاوضات عزّز الانطباع بأنَّ الاعتراف لم يكن نتاج تقارب ديبلوماسي تقليدي، بل نتيجة حزمة تفاهمات معقّدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والديموغرافيا والسياسة الإقليمية.

في المحصّلة، لا يمكن فصل الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” عن إعادةِ تموضُعٍ أوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث يتقاطع هذا القرار مع تقاربٍ متنامٍ بين تل أبيب وكلٍّ من إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة. فهذه الدول الثلاث تشترك في مصالح أمنية وتجارية متزايدة في الممرات البحرية وفي موانئ القرن الأفريقي، ما يجعل من “أرض الصومال” حلقة جغرافية وسياسية واعدة في شبكة تحالفات إقليمية آخذة في التبلور، ولكنها في الوقت نفسه مرشَّحة لإشعال توترات جديدة في منطقة تعيش أصلًا على حافة الاستقطاب والصراع.

في خلفية هذا التحوّل الديبلوماسي، برز الدور الإماراتي بوصفه أحد أكثر العناصر إثارة للجدل في مسار الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال”. فقد نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن أبوظبي لعبت دورًا مسهّلًا في تقريب وجهات النظر بين تل أبيب وهرجيسا، وساهمت عمليًا في تهيئة الظروف السياسية واللوجستية التي أفضت إلى إعلان الاعتراف. غير أن هذا الدور غير المعلن اصطدم بموقف إماراتي رسمي مناقض في العلن، إذ سارعت أبوظبي إلى إدانة الخطوة الإسرائيلية، وأكدت دعمها الصريح لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، في بيان مشترك مع الاتحاد الأفريقي صدر في السادس من كانون الثاني (يناير).

هذا التباين بين القنوات الخلفية والمواقف العلنية يعكس نمطًا مألوفًا في السياسة الإقليمية للإمارات، حيث يُدار بعض الملفات الحسّاسة بمنطق براغماتي هادئ بعيدًا من الأضواء، فيما يُحافَظ في الوقت ذاته على خطاب رسمي منسجم مع الإجماع العربي والأفريقي في القضايا السيادية. وفي حالة “أرض الصومال”، يبدو أن أبوظبي تحاول الموازنة بين مصالحها المتنامية في موانئ القرن الأفريقي، وشراكتها الأمنية المتصاعدة مع إسرائيل، من جهة، وبين حرصها على عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع مقديشو أو مع المزاج الأفريقي العام الرافض لأيِّ اعتراف بالكيانات الانفصالية، من جهة أخرى.

إثيوبيا تدخل على الخط

في الامتداد الأوسع لهذا المسار، ظهرت تقارير إعلامية إسرائيلية وأخرى محسوبة على دوائر قريبة من أنقرة تحدّثت عن مناقشات غير مؤكدة بين إسرائيل والإمارات بشأن إنشاء قواعد عسكرية مشتركة، أو قواعد مموّلة بصورة مشتركة، في جزيرة سقطرى اليمنية –الواقعة استراتيجيًا بين الساحل الجنوبي لليمن والساحل الشمالي للصومال– وكذلك في “أرض الصومال”، بهدف دعم الجهود الرامية إلى مواجهة الحوثيين وتأمين الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن. ورُغمَ غيابِ أيِّ إعلانٍ رسمي يؤكد هذه الخطط، فإن مجرّد تداولها يعكس مستوى التنسيق الأمني المتقدّم بين تل أبيب وأبوظبي، واتساع نطاق اهتمامهما العسكري بالضفة الأفريقية للبحر الأحمر.

هذا البُعدُ الأمني يتقاطع مع حضورٍ اقتصادي إماراتي راسخ في “أرض الصومال”. فقد تحوّلت أبوظبي خلال السنوات الماضية إلى المستثمر الأجنبي الأبرز في الإقليم، عبر إنشاء منطقة تجارة حرّة، وضخّ نحو 400 مليون دولار من قبل مجموعة موانئ دبي العالمية لتحديث وتشغيل ميناء بربرة، بما جعله أحد أهم المرافئ الصاعدة على ساحل خليج عدن. وبهذا المعنى، لا تبدو “أرض الصومال” مجرّد ساحة نفوذ أمني محتملة، بل عقدة لوجستية وتجارية تتزايد قيمتها في حسابات القوى الإقليمية الباحثة عن موطئ قدم مستقر في القرن الأفريقي.

في هذا السياق نفسه، برزت إثيوبيا بوصفها الشريك الثالث غير المعلن في هذا المثلث الإسرائيلي–الإماراتي–الإثيوبي. فخلال السنوات الأخيرة، أبدت أديس أبابا اهتمامًا متزايدًا بالاعتراف بـ”أرض الصومال”، في إطار سعيها المزمن إلى كسر عزلتها البحرية والحصول على منفذ دائم إلى البحر. وكانت الإمارات قد لعبت دور الوسيط في صفقة العام 2018 التي تمنح إثيوبيا منفذًا تجاريًا عبر ميناء بربرة، قبل أن تنهار الصفقة لاحقًا بفعل القيود المالية الحادة التي واجهتها أديس أبابا خلال حرب تيغراي عام 2022.

ورُغم ذلك، لم يتراجع الاستثمار الإماراتي في إثيوبيا، بل تضاعف، إذ ضخّت أبوظبي مليارات الدولارات في الاقتصاد الإثيوبي، ووسّعت التعاون الدفاعي منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018. وشمل ذلك، بحسب تقارير غربية، شحنات حيوية من الطائرات المسيّرة الصينية الصنع دعمت الجيش الإثيوبي خلال حرب تيغراي. وفي موازاة ذلك، عزّزت إسرائيل تعاونها الدفاعي مع إثيوبيا منذ العام 2020، وقدّمت خبرات تقنية وأمنية في إطار مظلة استثمارات إماراتية أوسع.

ضمن هذا الإطار، يُنظر إلى استثمارات الإمارات –وربما إسرائيل الآن– في “أرض الصومال” بوصفها جُزءًا من إعادة تموضع إقليمي أوسع، يهدف جزئيًا إلى تقليص الاعتماد على القواعد في إريتريا، الخصم اللدود لإثيوبيا، وتعويضها بموطئ قدم أكثر انسجامًا مع المصالح الإثيوبية. ويعزّز هذا التقدير اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الإثيوبي جيديون هيسبون بوزير الدولة الإماراتي شخبوط بن نهيان آل نهيان في السادس من كانون الثاني (يناير)، والذي انتهى ببيان مشترك أكد “الشراكة الشاملة والاستراتيجية” بين البلدين.

غير أنَّ ملف “أرض الصومال” ظل نقطة احتكاك ديبلوماسي حادة في علاقات إثيوبيا مع مقديشو. فقد كانت أديس أبابا من أوائل العواصم التي سعت إلى الاعتراف بـ”صوماليلاند” عام 2024، حين وقّعت مذكرة تفاهم تمنحها حق الوصول إلى السواحل مقابل الاعتراف بالإقليم. وأشعلت هذه الخطوة أزمة ديبلوماسية حادة، أضعفت جهود مكافحة الإرهاب الإقليمية، قبل أن تتدخّل تركيا في أواخر 2024 للتوسط في اتفاق بين إثيوبيا والحكومة الصومالية، قضى ضمنيًا على المذكرة السابقة ومنح إثيوبيا منفذًا بحريًا عبر جنوب الصومال.

دور تركي يغتنم الفرصة

لكن هذا المسار لم يُغلق الملف نهائيًا. فإثيوبيا و”أرض الصومال” لم تتراجعا رسميًا عن مذكرة التفاهم، وتشير تقارير إلى أنَّ الاتفاق الذي رعته تركيا مع مقديشو تعثّر لاحقًا بسبب مشكلات تتعلّق بالجدوى الاقتصادية والعملية. وقد تحدث آبي أحمد مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في 28 كانون الأول (ديسمبر)، من دون أن يعلّق علنًا على وضع “أرض الصومال”، ما أبقى الغموض مسيطرًا على النوايا الإثيوبية الفعلية.

في المحصّلة، يعمّق الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” الانقسام الجيوسياسي المتصاعد في فضاء البحر الأحمر، بين محور إماراتي–إسرائيلي–إثيوبي آخذ في التشكُّل، ومحور مضاد تقوده مصر والسعودية وتركيا. وقد ازدادت أهمية هذا الاستقطاب مع تنامي الشراكة التركية–الصومالية، التي تعززت منذ 2024 ردًا على محاولات تكريس الاعتراف بـ”صوماليلاند”.

ففي شباط (فبراير) 2024، وقّعت أنقرة ومقديشو اتفاقيات دفاعية واقتصادية واسعة، رأت فيها دوائر غربية خطوة استباقية لمواجهة التفاهم الإثيوبي–الصوماليلاندي، وسط شكوك صومالية بتواطؤ إماراتي غير معلن، رغم نفي المسؤولين في مقديشو حينها أي صلة مباشرة بين الملفين. وبموجب هذه الاتفاقيات، وافقت تركيا على نشر عدد غير محدد من القوات في الصومال لحماية المياه الإقليمية، وإعادة بناء البحرية الصومالية المتهالكة.

وقدّمت أنقرة هذا الانتشار بوصفه جُزءًا من رؤيةٍ أوسع لتعزيز نفوذها الجيوسياسي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، من خلال مكافحة القرصنة والصيد غير القانوني، ومعالجة قضايا أمنية متعددة الأطراف. ولم يتوقف الطموح التركي عند هذا الحد، إذ وقّعت اتفاقًا منفصلًا لبناء ميناء فضائي في الصومال لاختبار الصواريخ ضمن برامجها الباليستية والفضائية، وبدأت أعمال البناء فعليًا في أواخر العام 2025.

بهذا المعنى، لم يعد ملف “أرض الصومال” نزاعًا محليًا على الاعتراف والسيادة، بل تحوّل إلى عقدة جيوسياسية إقليمية تتقاطع عندها مشاريع النفوذ العسكري، وممرات التجارة والطاقة، وطموحات الدول الصاعدة في البحر الأحمر، في منطقة باتت واحدة من أكثر ساحات العالم ازدحامًا بالتنافس الاستراتيجي.

التنافس الإماراتي التركي

في موازاة هذا المشهد المعقّد، يبرز التنافس الإماراتي–التركي بوصفه أحد المحرّكات البنيوية لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي. فمنذ أكثر من عقد، تخوض أبوظبي وأنقرة سباق نفوذ مفتوح في أفريقيا، اتخذ أشكالًا متضاربة في ملفات كبرى مثل الحرب الأهلية في ليبيا، ثم لاحقًا في السودان، قبل أن ينتقل بثقله الكامل إلى الساحة الصومالية. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل مقاربة كلٍّ من الإمارات وتركيا في الصومال عن صراعهما الأوسع على النفوذ الإقليمي، من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر وعمق القارة الأفريقية.

كانت الإمارات قد خفّضت انخراطها الأمني في الصومال عام 2017، حين خلصت إلى أنَّ الإدارة الصومالية السابقة تميل بشكلٍ مفرط إلى تركيا، وتغلق عمليًا الباب أمام أيِّ شراكة استراتيجية متوازنة مع أبوظبي. غير أنَّ هذا الفتور لم يدم طويلًا، إذ عادت الإمارات إلى الانخراط التدريجي في الملف الصومالي بعد التقارب الإماراتي–التركي عام 2022، ثم مع عودة الرئيس حسن شيخ محمود إلى الحكم لولاية ثانية عام 2023، في لحظةٍ بدت فيها مقديشو أكثر استعدادًا لإعادة فتح قنوات التوازن مع مختلف الشركاء الإقليميين.

لكن هذا المسار سرعان ما تعثّر. فالاتفاقيات الدفاعية والاقتصادية الواسعة التي وقّعتها الحكومة الصومالية مع تركيا في شباط (فبراير) 2024 أعادت خلط الأوراق، وعرقلت أيَّ تقارب ناشئ بين مقديشو وأبوظبي. ووفق تقديرات غربية، كان مسؤولون إماراتيون وصوماليون يناقشون بالفعل حزمة اتفاقيات شبيهة بتلك التي أُبرِمَت لاحقًا مع أنقرة، قبل أن تحسم الحكومة الصومالية خيارها لمصلحة تركيا، ما أعاد الصراع على النفوذ في الصومال إلى نقطة الصفر.

ضمن هذا السياق، تكتسب إسرائيل موقعًا إضافيًا في معادلة التنافس هذه. فتل أبيب تنظر إلى النفوذ التركي بوصفه عقبة رئيسة أمام توسيع عمقها الاستراتيجي، ليس فقط في القرن الأفريقي، بل عبر طيف جغرافي أوسع يمتد من سوريا إلى البحر الأحمر. وقد برز هذا التنافس الإسرائيلي–التركي بوضوح منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر العام 2024، حيث يسعى الطرفان إلى التأثير في إعادة تشكيل ميزان القوى في سوريا ما بعد الحرب. وعلى المستوى الأوسع، تهدّد شراكات تركيا في ليبيا والسودان والصومال باحتواء الجهد الإسرائيلي الرامي إلى بسط نفوذه على ممرات الشحن الحيوية: في شرق البحر الأبيض المتوسط عبر الساحة الليبية، وفي البحر الأحمر عبر الصومال، وفي المحيط الهندي عبر الامتداد الأفريقي الشرقي.

إلى جانب هذا المحور الثلاثي المتشابك، برزت مصر لاعبًا متقدّمًا في دعم الحكومة الصومالية، مدفوعةً بحساباتٍ تتجاوز الملف الصومالي بذاته إلى صراعها الاستراتيجي مع إثيوبيا في القرن الأفريقي. فمعارضة القاهرة الحادّة لسدّ النهضة الإثيوبي الكبير دفعتها إلى تعزيز علاقاتها مع دولٍ تُطوِّقُ المجال الحيوي الإثيوبي، وفي مقدّمها إريتريا والصومال والسودان، في محاولةٍ لبناء شبكة ردع جيوسياسي غير مباشرة في مواجهة أديس أبابا.

وفي هذا الإطار، وقّعت مصر اتفاقية تعاون دفاعي ثنائية مع الصومال في آب (أغسطس) 2024، مهّدت الطريق أمام مساهمة القاهرة بقواتٍ ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال “أوسوم” (AUSSOM) . ولم تمضِ فترة طويلة حتى أرسلت مصر نحو ألف جندي، إلى جانب ذخائر وأسلحة، في خطوة عكست انتقال العلاقة من التنسيق السياسي إلى الشراكة الأمنية الصلبة.

وتعزّز هذا التوجّه في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، حين عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود قمة ثلاثية في إريتريا، هدفت إلى تنسيق المواقف بشأن قضايا الأمن في القرن الأفريقي. وقد عُدّت هذه القمة بمثابة نواة لتحالف غير رسمي مناهض لإثيوبيا، يعكس انتقال التنافس الإقليمي في المنطقة من مستوى الضغوط الديبلوماسية إلى مستوى الاصطفافات شبه الصلبة.

وفي كانون الثاني (يناير) 2025، رفعت القاهرة ومقديشو مستوى علاقاتهما إلى “شراكة استراتيجية شاملة”، مع تركيزٍ واضح على الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية. وتستعد مصر، في هذا الإطار، لإرسال أكثر من ألف جندي إضافي إلى بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، إلى جانب القوات المنتشرة أصلًا في إطار العلاقات الثنائية، ما يرسّخ حضورها العسكري المباشر في واحدة من أكثر ساحات القرن الأفريقي حساسية.

بهذا المعنى، لم يعد الصومال مجرّد دولة هشة تبحث عن استقرار داخلي، بل تحوّل إلى مسرح تتقاطع فوقه خطوط الصدع بين محاور إقليمية متنافسة: محور إماراتي–إسرائيلي–إثيوبي، ومحور تركي–صومالي، ومحور مصري–إريتري–صومالي آخذ في التبلور. وفي قلب هذا الاشتباك الجيوسياسي، تكتسب “أرض الصومال” قيمة مضاعفة، بوصفها الورقة الأكثر قابلية للتوظيف في إعادة رسم خرائط النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تصعيد طويل الأمد في منطقة تُعاني أصلًا من هشاشة الدولة وتراكم الأزمات.

الحلقة المقبلة: “أرض الصومال” كساحة إعادة تموضع إقليمي.

  • الدكتور سعود المولى هو باحث، محلّل سياسي، مترجم، وأستاذ جامعي متقاعد. وهو زميل أول زائر في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في قطر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى