غرينلاند والتحالف الغربي: أزمةٌ في قلبِ البيت الأطلسي

الدكتور ناصيف حتّي*

ألقت أزمة غرينلاند، وهي في المناسبة أكبر جزيرة في العالم والواقعة بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، بظلالها الثقيلة على التصدُّع الذي انفجر أخيرًا داخل ما يُعرف بـ”البيت الأطلسي”، بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة أخرى. فقد تزامَنَ تفجُّرُ هذا الخلاف مع مبادرةٍ أطلقتها واشنطن لطرح مجموعةٍ من المقترحات والأفكار الرامية إلى تسوية الصراع المفتوح بين أوكرانيا وروسيا الاتحادية، في خطوةٍ أثارت امتعاضَ الحلفاء الأوروبيين بدل أن تُطَمئنهم.

ورأى الشركاء الغربيون لواشنطن أنَّ هذه المبادرة تُشكّلُ خروجًا عن منطق التوافق والتضامن الذي يُفتَرَضُ أن يحكم الموقف الأطلسي المشترك في مواجهة التدخُّل الروسي داخل مجالٍ استراتيجي حيوي للحلف في “القارة القديمة”. وعلى الرُغم من الزخم السياسي والإعلامي الذي رافق الطرحَ الأميركي، فإنَّ المبادرة لم تُفضِ حتى الآن إلى فتحِ مسار تسوية جدّي وفاعل، بقدر ما عمّقت الشكوك الأوروبية في نيّات واشنطن وحدود التزامها بالخطوط العريضة للإجماع الغربي.

جاءت أزمة غرينلاند لتُهدّد تماسُك التحالف الغربي بعدما انفجرت داخل “البيت الواحد” الأطلسي. فقد أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح ملف الجزيرة انطلاقًا من قناعة مفادها أنَّ الولايات المتحدة ارتكبت، في مرحلة سابقة، ما يشبه “التخلّي الاستراتيجي” عن غرينلاند، رغم ما تتمتع به من أهمية بالغة على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية. ويُذكِّر هذا السجال بمحاولة أميركية قديمة لشراء الجزيرة من الدنمارك عام 1946، في عهد الرئيس هاري ترومان، وهي محاولة لم يُكتَب لها النجاح، قبل أن يتكرّس الوجود الأميركي لاحقًا عبر اتفاقٍ دفاعي وُقّع عام 1951، سمح لواشنطن بإقامة قواعد عسكرية ومنحها هامشًا واسعًا من “حرية الحركة” العسكرية على أراضي الجزيرة.

وتُعدُّ الأزمة حول غرينلاند في “البيت الأطلسي الغربي” مثالًا آخر عن النهج الأحادي الحاد الذي ميَّزَ سياسة الرئيس الأميركي، في تجاهُلٍ واضح للقوانين والقواعد والاتفاقيات والأعراف الدولية. عملية خطف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو واقتلاعه من السلطة عشية هذه الأزمة تُشكّل أيضًا مثالًا فاقعًا حول “العقيدة السياسية الدولية” لترامب القائمة على فرض الوقائع بالقوة السياسية والاقتصادية بدل الاحتكام إلى منطق التوافق والشرعية الدولية.

يراهن ترامب على اليمبن المُتشدّد في أوروبا لإضعاف التوافق الأوروبي بشأن أوكرانيا. وقد يحاول توظيفه لاحقًا في مسارِ تطوُّر الأزمة التي افتعلها مع الدنمارك ومع الاتحاد الاوروبي ولو اختلفت طبيعة الأزمة.

يحصل ذلك في وقت تعيشُ أوروبا في ظروفٍ شديدة الصعوبة بسبب الأوضاع الاقتصادية المأزومة ولو بدرجاتٍ مختلفة بين دولة وأُخرى، وبسبب شلل وتعثُّر عملية البناء الأوروبي على كافة المستويات من المؤسّسي، إلى الأمني العسكري، إلى السياسي التعاوني والاقتصادي التكاملي.

نشهدُ مُواجهةً سياسية متصاعدة بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، الذي يحاولُ أن يستجمعَ ما بقي له من قوة لدعم موقف الدنمارك، ولو بدرجاتٍ مختلفة بين أعضائه، في قضيةٍ تتخطّى مصلحة هذا الطرف الأخير لتطال مستقبل القارة الأوروبية وتحديدًا الاتحاد الأوروبي كقطبٍ دولي فاعل ومؤثر على الصعيد الدولي وعلى صعيد العلاقات التحالفية الأوروبية-الأميركية .

وتجاوز التصعيد الأميركي حدود الخلاف السياسي ليأخذ طابعًا اقتصاديًا عقابيًا مباشرًا، مع التهديدات التي وجّهتها واشنطن إلى العواصم الأوروبية بشنِّ حربٍ تجارية متصاعدة ومفتوحة. فقد لوّح ترامب بالبدء بفرضِ رسومٍ جمركية بنسبة 10 في المئة اعتبارًا من الأول من شباط (فبراير) على البضائع الآتية من الدول الأوروبية التي أرسلت، أو قد تُرسل، قوة عسكرية —ولو رمزية— لدعم الدنمارك في أزمة غرينلاند، على أن تُرفع هذه الرسوم تدريجًا إلى 20 في المئة اعتبارًا من الأول من حزيران (يونيو).

ويُنظَرُ إلى هذا المسار بوصفه بمثابة إعلان حرب اقتصادية داخل “البيت الغربي الأطلسي” نفسه، بين دول يُفتَرَض أن تحكم علاقاتها شراكة استراتيجية طويلة الأمد. وهي شراكةٌ تحتمل بطبيعتها تمايزات في المصالح والمقاربات، لكنها تقوم، في جوهرها، على سقفٍ من المشترك الاستراتيجي يُفتَرَض أن يقيها الانزلاق إلى منطق العقوبات والابتزاز المتبادل.

لكن السياسة الأميركية الراهنة من أوكرانيا إلى غرينلاند جاءت لتطيح بهذه المسلّمات الاستراتيجية التي نظَّمت وحكمت العلاقات في إطار التحالف الغربي رُغمَ أنه لا بُدَّ من الاعتراف أنَّ انتهاءَ “الشرق الاستراتيجي” الذي كانت تمثّله موسكو وحلفاؤها مع نهاية الحرب الباردة قد أضعف الحلف الغربي “المنتصر” مع اختفاء أو سقوط العدو الاستراتيجي المشترك. فالحافز الأساسي للتحالف لم يَعُد موجودًا .

لكن الاختلاف في “العقائد الاستراتيجية” في الغرب مع الوقت، وكذلك تقاسُم الأعباء، كما يظهر مع العقيدة الاستراتيجية التي صدرت في واشنطن أخيرًا، تدلُّ على أنَّ التحدّيات والصدامات والاختلافات بين الأولويات ستطبع العلاقات في ما بقي بالفعل وليس بالاسم والعنوان فقط من “حلف غربي”.

  • الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، ديبلوماسي متقاعد ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى