… ولا لاجئَ لبنانيًّا واحدًا في العالم
هنري زغيب*
في افتتاح أَول ندوةٍ لسنة 2026 عن التراث لدى الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU، إِذ تحوَّل فيها “مركز التراث اللبناني” إِلى “أَكاديْميا فيليب سالم للتراث اللبناني”، خاطب الدكتور سالم الحضورَ بكلمةٍ جاء فيها أَنَّ “التراث يعني الهوية”، وأَنَّ تسمية “الأَكاديمْيا” باسْمه مسؤُوليةٌ كُبرى تَعهَدُ بها الجامعة إِليه، لإِيمانه أَنَّ “نقْلَ تراث لبنان إِلى أَبناء الجيل الجديد دعوةٌ عُلْيا لانتمائهم إِلى لبنان بدون خجَل أَو تَحفُّظ”. ولَفَتَ إِلى أَنَّ “خمسين سنةً متتاليةً في لبنان من الحروب الفاجعة والأَزمات المأْساوية على أَرضه، لم تؤَثِّر في عناد شعبه وتمرُّدِه على الصعاب، ولا على تشبُّث أَهله بأَرضهم تاريخًا وتراثًا وحضارة” (…) و”ما جرى في لبنان سحابة نصف قرن، لو جرى في نيويورك لَما بقيَ فيها مواطنٌ واحد”. وبين أَبلغ ما قاله الدكتور سالِم، وهو اللبنانيُّ الكبير بإِيمانه وانتمائه اللبناني: “أَنا أَحملُ جوازَ سفَرٍ أَميركيًّا، لكنَّ هويتي لبنانية: لا يمكن أَن تكونَ إِلَّا لبنانية، ولن يلْغيها جوازُ السفر”.
ومن مقاربةٍ ساطعةٍ لإِيمان فيليب سالم بلبنان وكرامة شعبه، قولُه إِن “لبنان خلال سنوات الحرب، برغم أَعبائه الاقتصادية، استقبَلَ لاجئين من كل جوار: فلسطينيين وسوريين وعراقيين وغيرهم، واحتضنَهم جميعًا على أَرضه. لكننا لم نسمع عن لبنانيٍّ واحدٍ في العالَم كان لاجئًا في خيمةٍ، أَو يستجدي قُوْتَه من إِعاشة ضئيلة تُقَطِّرُها له منظمة خيرية إِنسانية تابعة للأُمم المتحدة”.
ما أَبلغَ هذا الكلامَ التبشيريَّ بلبنان اللبناني من علَمٍ عالَميٍّ بات اسمُهُ اليوم ملْءَ الأَوساط العلْمية الدولية، وعلى خطوة من جائزة نوبل للطب، يعيشُ منذ 57 سنة في الولايات المتحدة، ويحقِّق فيها إِنجازاتٍ مُوَثَّقَةً في أَبحاث الشفاء من السرطان. وكان يمكن أَن ينغمسَ انتماءً وهويةً في أَميركا العظمى، لكنَّه ما انفكَّ منذ 57 سنة يُشيحُ عن هذا “المجد”، فيُعلنُ وفاءَهُ لأَميركا التي أَتاحت له أَوسعَ الفُرَص، ويُبْقِي ولاءَه للُبنان وحده أَوَّلًا وأَخيرًا وبَيْن بَيْن، ويَضعُ على مكتبه في هيوستن (تكساس) قَصعةً فيها حفنةٌ من تراب ضيعته بْطرَّام، وقصفةُ زيتون من منطقته الكورة (شمالي لبنان).
هو هذا معنى الانتماء في أَقصى تَكَرُّسه، وهو هذا معنى الهوية التي ليست مجرَّدَ أَرزة منقوشة على بطاقة الهوية وجواز السَفَر، بل هي إِيمانٌ بإِخلاصٍ عمَليٍّ يتجسَّدُ فعْلًا لا قولًا، ومبادَرةً لا تنظيرًا، وجُهدًا ميدانيًّا يُحقِّق للإِيمان غايته القُصوى. لذا تَوَجَّه فيليب سالم إِلى الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU بـهِبةٍ نبيلةٍ جعلَت رئيس الجامعة الدكتور شوقي عبدالله يُوافق بكلِّ وفاءٍ على نقْل التسمية من “مركز التراث اللبناني” (تأَسس منذ 2002) إِلى “أَكاديمْيَا فيليب سالم للتراث اللبناني”، لا شكرانًا على الهبَة، بل إِيمانًا برسالة فيليب سالم اللبنانية الأَسمى، ومنه إِلى أَبناء أَجيال لبنانية سيجدُون في هذه الـ”أَكاديمْيَا” كُنُوزًا وينابيعَ من تراث لبنانهم العظيم الخالد، فيَشعرون بغبطة الانتماء إِليه. ولو هُم غادروه إِلى مدى متوسط أَو قصير، فسوف يبقى في وجدانهم لبنانُ مرجعَهم الأَول، ويعودون إِليه حاملين خبرتهم وتجربتهم وطموحهم أَن يبنُوه نموذجيًّا، حين يَثِقُون بأَنْ قامت فيه سُلْطة صالحة تَعمَل لتوطيد دولة صالحة لا تُهجِّرُ أَبناءَها لتُبْقي على دينوصورات سياسيين فيها يعملون لتوريث نسْلهم بعدَهم حين يُحمَلُون إِلى المقابر.
هذه هي الحقيقة اللبنانية الخالدة بشعبِ لبنان العنيد المتمرِّد هرْقِليًّا على قدَره، المتمسِّكِ بكامل أَرضه المباركة حتى آخر شبْرٍ من ترابها المقدَّس، واللافتِ كلَّ العالَم أَنه يُحصي يوميًّا آلافَ المشرَّدين في شوارع المدُن والعواصم، واللاجئين في الخيام منتظرين فُتاتَ الإِعاشات والإِعانات، لكنه، ولا في أَيِّ بلدٍ من الدنيا، لن يُحصي لبنانيًّا واحدًا مُشرَّدًا تائهًا على رصيف شارع، ولا لبنانيًّا بائسًا لاجئًا داخل خيمةٍ غريبةٍ في بلدٍ غريب.
فيليب سالم: قبلة على جبينكَ اللبنانيِّ العالي.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.com أو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).



