أَحمد فارس الشدياق مكشوفًا على صنَوبر بيروت
هنري زغيب*
تُواصِل الباحثةُ اللبنانية الدكتورة هالة البزري عمَلَها الرساليَّ الراقي، عَبْر دار النشر “صنوبر بيروت”، أَسَّسَتْها وتديرها، وتُعيد نَشْر مؤَلفاتٍ لروَّادٍ من عصر النهضة في لبنان، منها “رسول العُري” لفؤَاد حبيش، و”رحلة إِلى بلاد المجد المفقود” لمصطفى فرُّوخ، و”الرسوم” لالياس أَبو شبكة، وسواها وسواها.
جديدُ هالة البزري: إِنشاؤُها في منشوراتها سلسلةَ “مَنْسيَّات”، وهي كتيِّباتٌ ضئيلةُ الحجم قَطْعًا صغيرًا، ذاتُ عددٍ موحَّدٍ من الصفحات (دائمًا 64 صفحة)، تُذكِّر بحجم سلسلة “الروائع” الْكان أَصدرَها فؤَاد افرام البستاني في 57 جُزءًا. وأَحسنَتْ هالة البزري بتسميتِها السلسلةَ الجديدة “منسيَّات”، لأَنها فعلًا تُحيي إِلى النُور مؤَلفاتٍ غارقةً في عتمة النسيان، فتُعيد تنضيدَها إِلكترونيًا، مع نشْر غلافِها القديم، وبضْعِ صفحاتٍ من الطبعة الأُولى المفقودة، بإِخراجٍ أَنيقٍ حديثٍ نابض، ليَخرُجَ الكتاب من منشُورات “صنَوبَر بيروت” أَثَرًا تراثيًّا أَدبيًّا لائقًا بصاحبه، وأَمينًا للعصر الذي وُلد فيه الكتاب.
الجزءُ الأَول من سلسلة “المنسيات” صدر قبل أَشهُر، وكان نصَّ “بيروت” للمعلِّم بطرس البستاني، مستلًّا من مدخل حرف “الباء” ضمن المجلَّدِ الخامس في “دائرة المعارف”، عن الطبعة الأُولى الصادرة في 20 أَيلول/سبتمبر 1881 على مطبعة المعارف في بيروت.
الحديثُ اليوم: صُدُورُ الجُزءَين الثاني والثالث من سلسلة “المنسيَّات”، بعنوان “الشدياق في المكشوف”، يضُمَّان نصوصَ عدد خاص أَصدَره الشيخ فؤَاد حبيش في مجلته “المكشوف”، هو العدد 170، تاريخ 17 تشرين الأَول/أكتوبر 1938، وأَوكل تحريرَه إِلى مارون عبود، لمناسبة اليوبيل الذهبي الخمسيني لوفاة أَحمد فارس الشدياق سنة 1887.
وبظرفه الساخر الشهير، تناول أَبو محمد مارون عبود كتابةَ العدد كاملًا، كي يكون جاهزًا يوم الاحتفال بيوبيل الشدياق. وفي افتتاحيته، نقلًا عن “صوت الأَحرار”، أَنْ تَشكَّلت لجنة اليوبيل من محمد جميل بيهم ويوسف زخريا وكرم ملحم كرم ويوسف ابرهيم يزبك، وقابلَت رئيس الجمهورية إِميل إده فـ”استقبلها بحفاوة ووَعَدَها بالدعم”، وأَحالها إِلى وزير التربية حبيب أَبي شهلا فـ”شجَّعَها وَوَعَدَها بالدعم” للمهرجان ولترميم الطريق إِلى ضريح الشدياق في الحازمية. لكنَّ اللجنة لم تلقَ إِلَّا تشجيعًا كلاميًّا وَوُعودًا هوائية، وطار المهرجان، وفَهِمَ أَعضاءُ اللجنة أَنهم يَنفُخون في رماد. وكما طريق عين كفاع، بقي ضريحُ الشدياق بلا درب، شريطًا شائكًا يَصُون البطاطا والباذنجان وما حوله من مزروعات. ولم يَبْقَ من ورشة المهرجان سوى العدد الخاص في “المكشوف”.
ويمضي مارون عبود، ساخرًا هنا، جادًّا هناك، في كتابة مقالات العدد الخاص، وحده، منذ سيرة الشدياق، إِلى مصير ضريحه، إِلى تآليفه الكثيرة، إِلى أَقوال معاصريه فيه، فأَقوال مؤَرخي الأَدب. ويرى مارون عبود أَنْ “ليس في القرن التاسع عشر أَدبٌ حيٌّ، كما نفهم الأَدب اليوم، إِلَّا ما كتبَه الشدياق في “فارياقه” وفي مقالات “جوائبه”. وخصَّص مقاطع مفصَّلةً للشدياق كاتبًا، والشدياق شاعرًا، وموقفِه الطليعي من المرأَة، والشدياق الرحَّالة، ثم اللُغوي والمصنِّف، فالناقد، فالساخر، فالمترجم، فالمجدِّد. ويرى مارون عبود أَن الشدياق “أَبو الصحافة العربية” في جريدته “الجوائب”، وأَنه أَحيا اللغة العربية نصفَ قرنٍ كاملًا.
هكذا اختصر الجُزءَان من “المنسيات” عددًا خاصًا من “المكشوف” كان سيبقى منسيًا لولا همَّةُ هالة البزري في منشورات “صنوبر بيروت”. وهي تَعِدُنا بإِصداراتٍ مُقْبلةٍ تَنْتَشِلُها من النسيان، وتُصدرُها لائقةً بتلك النخبة المباركة من أَعلامنا المبدعين الذين حقَّقوا لنا إِشراقات النهضة الأَدبية اللبنانية.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: www.henrizoghaib.com أو عبر منصة (X): @HenriZoghaib