هذه الموناليزا… ما سرُّها التاريخي (2 من 2)

أُسطورة الموناليزا في الكتُب

في الحلقة الأُولى من هذا المقال، سردتُ أَهمية اللوحة وخصائصها وظروف رسْمها. في هذه الحلقة أَختمُ بظروف سرقتها وكيف عادت إِلى مكانها في اللوفر. وما زالت تتسع شهرتُها يومًا بعد يوم حيال تدفُّق الملايين كل عام لمشاهدتها، ولو عن مسافة، معلَّقةً في هَيبَةٍ على جدار اللوڤر.

فما الذي جرى؟ وكيف تمت سرقتها؟

بيكاسو “الحرامي”

في مطلع القرن العشرين، لم تكن لوحة الـ”موناليزا” معروفةً وشهيرةً وذاتَ جذْبٍ ثقافيٍّ وسياحيٍّ واسع كما باتت لاحقًا. واللافت أَن شهرتها اندلعت من… حادثة سرقة. فما إِلَّا  سنة 1911، حين فُقِدت من “اللوفر” وانتشر الخبر، حتى ذاع اسمها واسم رسامها. ومن يزور المتحف اليوم، لا يمكن أَن يأْتي بأَيِّ حركة “مشبوهة” لأَنه محاصَرٌ بعدد كبير من كاميرات المراقبة وحراس الأَمن.

ما زاد من وقْع الفضيحة، عند اختفاء اللوحة، أَن الشكوك توجَّهت إِلى بيكاسو. وحين زادت الهواجس والظنون تم توقيفُه على ذمة التحقيق. ذلك أَنه، حين انتقل من مدريد إِلى باريس في مطلع 1900، عقد صداقة مع الشاعر غِيُّوم أَبولينير الذي كان له مساعد يدعى جيري بييريه. وإِذ كان هذا الأَخير يعرف أَن لبيكاسو شغفًا خاصًا بالمنحوتات الإِيبيرية من القرنين الثالث والرابع، وكان في اللوفر عدد منها، صمَّم على سرقة اثنتين صغيرتين. وكان إِخراج الأَعمال من المتحف سهلًا لضعف الحراسة والانتباه. وبالفعل استلْهم منها بيكاسو لاحقًا وجهَ إحدى الصبايا في لوحته الشهيرة “آنسات أفينيون” (1907). في ما بعد، ونظرًا لسهولة العملية، أَراد جيري أَن يسرق أَعمالًا أُخرى. وحين أَدرك أَبولينير ذلك، طرده من خدمته. وصادف ذاك الطرد يومَ فُقِدَت الـ”موناليزا” (21 آب/أغسطس 1911). وحين انتشر في الصُحُف خبرُ السرفة، خاف بيكاسو أَن يتوسعَ التحقيق فينكشفَ أَمر حيازته تينَك المنحوتتين المسروقتين. والحاصل أَن السارق، ربما انتقامًا من أَبولينير لأَنه طرده، أَو ربما طمعًا بمبلغ مالي مكافأَةً له على الوشاية، اتصل بـ”جريدة باريس” ودلَّ على مكان المنحوتتين المسروقتين، فسارع أَبولينير إِلى إهداء رئيس التحرير تينَك المنحوتتين اتقاء الفضيحةَ وإِطفاءً الخبر. لكنه لم ينجُ، لأَن رجال التحري علموا بالأَمر فأَطبقوا على رئيس التحرير واستجْوَبوه. وتمَّ توقيف أَبولينير وبيكاسو معًا، ثم أُطلق سراحهما بعد أَربعة أيام لاكتشاف أَن لوحة الـ”موناليزا” ليست لديهما.

بيكاسو وأَبولينير سُـجِنا بسببها

“الحرامي” الحقيقي

ما إِلَّا بعد سنتَين حتى اكتُشف السارق الحقيقي، وكان إِيطاليًّا يدعى فنشِنْزُو بيروجيا، جاء إِلى باريس سنة 1908 واشتغل عاملًا في اللوفر. وليلة السرقة  لبِسَ ثياب الموظفين ودخل خلسةً واختبـأَ في زاوية مظْلمة حتى ينصرف الموظفون. عندها نزع الإِطار عن اللوحة (قياسُها: 77 x 53 سنتم) وأَخرجها مطويةً تحت ثوبه. وفي تشرين الثاني/نوفمبر كتب إِلى تاجر لوحات فلورنسي عارضًا عليه اللوحة بمبلغ 500 أَلف لير. وافق التاجر، واستمهل اللص يومين كي يدرس اللوحة إِن كانت أَصلية، لكنه اتصل برجال الشرطة فاعتقلوا السارق، وتولت الدولة الإِيطالية إِعادة اللوحة إلى مكانها في اللوفر.

الابتسامة الـمُغْوِيَة

تلقَّف النقاد الفرنسيون اللوحة على أَنها، كما الوقائع الثابتة، بدأَ ليوناردو يرسمها سنة 1503 بتكليف من تاجر الحرير فرنشسكو دِل جيوكوندو لرسم زوجته الثالثة ليزا غيرارديني. واتخذَها النقاد الفرنجة نموذج تقنية الرسم في عصر النهضة الإِيطالية نحو منتصف القرن التاسع عشر. وأَجمع النقاد على تقدير حب تاجر الحرير زوجتَه حتى شاء أَن يخلدها في تلك اللوحة. وذهب البعض إِلى اتهام ليوناردو بوقوعه في حب ليزا من خلال تأَنيه في رسم ابتسامتها وعينيها. ورجح بعض مؤَرخي الفن أَنه وضع نسختين من تلك اللوحة فاحتفظ بإِحداهما وسلَّم الأُخرى. وفي ظن البعض أَنه لم يضع إِلَّا نسخة واحدة ولم يسلِّمها بل احتفظ بها، وكان ينام وهي أَمامه في غرفته. ونقلها معه إِلى باريس حين استدعاه ملك فرنسا فرنسْوَى الأَول سنة 1516، فاشتراها وبقيَت في فرنسا.

ويقال إَن نابوليون بونابارت احتفط باللوحة في غرفة نومه (قصر التويلُري) طيلة أَربع سنوات، ويقال في السياق ذاته إِنّ نابوليون كان يحبُّ امرأَة إِيطالية تدعى تيريزا غْوادانيي، من أُسرة ليزا غيرارديني. لكنْ في الوقائع التاريخية أَنَّ اللوحة، حين اندلعت الثورة الفرنسية، نُقِلت إلى اللوفر، وبعد احتفاظ نابوليون بها أَربع سنوات أُعيدت نهائيًّا إِلى اللوفر.

خبر فقدانها من اللوفر

انتحرَ بسببها

سنة 1852 صدر في جريدة “نيويورك بوست” مقالٌ كشف أَن عددًا من الفنانين والقادة كانوا مولَّهين باللوحة إِلى حدِّ الهوس. وفي المقال أَن الرسام لوك ماسبيرو نموذج من وقوع الفنانين في هوى اللوحة. ففي تلك السنة قفز من نافذة الطبقة الرابعة في الفندق الباريسي تاركًا ورقة كتب عليها: “أَمضيتُ سنواتٍ أُحاول يائسًا أَن أَقوى على سحر ابتسامتها لكنني فشلْتُ وفضلتُ الانتحار”.

وفعلًا: ما حقَّقه لوناردو في هذه اللوحة لم يحقِّقه أَيُّ رسام في زمانه. فهو استعمل تقنية الــ”سْفوماتو” فوشّح وجه الموناليزا بالظلال الشفافة حتى لتخفى على العين المجردة التي نادرًا ما تلتقط الحجاب الشفاف على وجه السيدة. ذلك أَن ليوناردو رسم عددًا من الطبقات المائية الشفافة على شعرها ومنديل رأْسها.

السارق الحقيقي يوم توقيفه

أَشهر لوحة في العالم

كل هذا يجعل قيمة اللوحة ماديًّا أَعلى من أَيِّ تَخَيُّل. فعن موسوعة “غينيس” أَن رسم التأْمين عليها بلغ نحو 100 مليون دولار سنة 1962، ما بات يعادل سنة 2018 مبلغ 650 مليونًا. ولكن… لأَن الحكومة الفرنسية لا تبيعها، باتت خارج كل تقدير.

وستبقى الموناليزا، لأَجيال مقبلة بعد، ساحرةَ الإِبداع ولُغْز عصرها وكل عصر، لتكون فعلًا أَشهر لوحة في العالَم.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني. وهو مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com  أو متابعته على موقعه الإلكتروني: www.henrizoghaib.com أو عبر تويتر: @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى