الطبقة الوسطى العربية تتآكل… فهل يتصدّع الاستقرار؟
تحت وطأة الغلاء وتراجع الأجور والأزمات المتلاحقة، تفقد الطبقة الوسطى العربية قدرتها الشرائية ودورها التاريخي كركيزة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ومع اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وهجرة الكفاءات، يبرز سؤال ملحّ: مَن يحمي الطبقة التي تحمي توازن المجتمعات؟

فالح بن حسين الهاجري*
شكّلت الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية، على مدى عقود طويلة، العمودَ الفقري للاستقرار، فمنها خرج المعلمون والأطباء والمهندسون والموظفون وأصحاب المشروعات التنموية الصغيرة، ومن مداخيلها نشأت الأسواق والمتاجر المحلية.
غير أنَّ هذه الطبقة تعرّضت خلال العقدين الأخيرين لأزمات متلاحقة، من أزمات داخلية في ظل ثورات “الربيع العربي” إلى انخفاض أسعار النفط، إلى جائحة كورونا، وكذلك موجة الغلاء التي أعقبت الحرب الروسية -الأوكرانية، وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية على غزة وما تركته من آثار على التجارة والسياحة في دول الجوار.
ولم تترك هذه الأزمات والتغيّرات السياسية والأمنية والاقتصادية للأسر متوسطة الدخل فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ كانت كل أزمة تبدأ قبل أن تنتهي آثار سابقتها. وقد أدركت دولة قطر مبكرًا خطورة هذه المسألة، فجعلت التنمية البشرية والاجتماعية ركيزتَين أساسيتين في “رؤية قطر الوطنية 2030″، واستضافت الدوحة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية التي اختُتمت باعتماد “إعلان الدوحة السياسي”، في تأكيدٍ على أنَّ العدالة الاجتماعية والعمل اللائق والحماية الاجتماعية لم تعد قضايا ثانوية في جدول أعمال التنمية.
الغلاء وضعف الأجور
يُعَدُّ التضخّم أشد ما يضرُّ بالطبقة الوسطى، لأنه يعمل بصمت، فيأخذ من قيمة الراتب من دون أن يُنقِصَ رقمه. فالموظف الذي يتقاضى الأجر نفسه يجد أنَّ ما كان يكفيه شهرَا كاملًا صار ينفد في منتصفه، وأنَّ مُدَّخراته فقدت جُزءًا كبيرًا من قيمتها. ففي مصر مثلًا بلغ التضخم في المدن مستوى قياسيًا عند 38 في المئة في أيلول (سبتمبر) 2023، ثم تراجع إلى نحو 14.6 في المئة في أيار (مايو) 2026. لكن تراجع التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى ما كانت عليه، وإنما يعني أنها ترتفع بسرعةٍ أقل، في حين بقيت الأجور متأخّرة عنها. ويزيد العبء أنَّ الأسرة باتت تدفع من دخلها الخاص ثمن خدمات كانت تحصل عليها سابقًا بجودة مقبولة، كالتعليم والعلاج الصحي.
يبقى لبنان المثال الأشد قسوة، فقد وصف البنك الدولي أزمته التي بدأت عام 2019 بأنها قد تكون من أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفقدت الليرة أكثر من 95 في المئة من قيمتها، وتبخّرت مدّخرات أعمار كاملة في غضون أشهر.
في هذا السياق، تؤكد نتائج “المؤشر العربي 2024-2025” حجم هذا الضغط، فربع المستجيبين فقط قالوا إنَّ دخلهم يسمح لهم بالادخار، بينما قال 41 في المئة إنَّ دخلهم يكفي الضروريات بالكاد. وهذه الفئة هي الأكثر هشاشة، فهي لا تستفيد عادة من برامج دعم الفقراء، ولا تملك مدّخرات تحميها من مرضٍ مفاجئ أو فقدان عمل.
الواقع أنَّ تراجع الطبقة الوسطى لم يبدأ في السنوات الأخيرة، فقد أشارت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في تقريرها الصادر منذ نحو 10 أعوام إلى انخفاض حصتها من سكّان مصر من 48 في المئة عام 2000 إلى 44 في المئة عام 2011. كما أظهر تحليلٌ نشره البنك الدولي في العقد الأخير، باستخدام منهجية مختلفة لقياس الطبقة الوسطى، أنَّ حصّتها في اليمن تراجعت إلى أقل من العُشر بنهاية العقد الأول من هذا القرن.
أي أنَّ العقد الأخير بدأ والطبقة الوسطى منهكة أصلًا. ومن ثم كشفت بيانات “الإسكوا” أيضًا عام 2022 أنَّ أغنى 10 في المئة من سكان المنطقة العربية يملكون أكثر من 80 في المئة من الثروة، وأنَّ ثروة النصف الأفقر تراجعت بمقدار الثلث. ولاحظت أنَّ معظم الإصلاحات الضريبية في المنطقة تُحمّل الفقراء والطبقة الوسطى عبئًا أكبر مما تُحمّله للأغنياء، لأنها تعتمد على ضرائب الاستهلاك التي يدفعها الجميع بالنسبة نفسها مهما اختلفت دخولهم.
قيمة الاستقرار الاجتماعي للنظام السياسي
لا تقتصر أهمية الطبقة الوسطى على دورها الاقتصادي، بل تتعداه إلى كونها إحدى الركائز الأساسية للاستقرار والتوازن الاجتماعي. وقد أدرك الفيلسوف اليوناني أرسطو هذه الحقيقة منذ قرون، عندما رأى في كتابه “السياسة” أنَّ المجتمع الأفضل تنظيمًا هو الذي يتمتع بطبقة وسطى قوية، لأنَّ أفرادها، بخلاف الفقراء، لا يطمعون في ممتلكات الآخرين، كما أنهم لا يملكون من الثروات ما يجعلهم موضع طمع. فهذه الطبقة تجمع بين الحرص على حماية ما حققته من مكاسب والتطلع إلى تحسين أوضاعها، ما يجعلها أكثر ميلًا إلى الإصلاح التدريجي والسلمي من المواجهة والصراع. أما حين يفقد أفرادها ممتلكاتهم وفرصهم في التقدُّم، فقد تتحوّل مشاعر الإحباط وانعدام الأمل إلى مصدرٍ للتوتر الاجتماعي.
وتلتقي هذه الفكرة مع ما طرحه الاقتصادي إسحاق ديوان في دراسته عن الدور المركزي للطبقة الوسطى في أحداث المنطقة عام 2011، إذ رأى أنَّ الطبقة الوسطى المتعلّمة كانت في قلب تلك الأحداث، بعد أن شعرت بأنَّ ثمار النمو لا تصل إليها، رغم أنَّ اقتصادات عدد من تلك الدول كانت تسجل نموًّا إيجابيًا. فالفرد لا يقيس الاقتصاد بأرقام الناتج المحلي، بل بما يصل إلى بيته، وبمدى شعوره بالعدالة. ويظهر ذلك في مؤشرات الثقة، فبحسب “المؤشر العربي” يرى 84 في المئة من المستجيبين أنَّ الفساد منتشر في بلدانهم. وإنَّ ضعف الثقة يجعل الإصلاح أصعب، فعندما يُطلب من المواطن أن يتحمّل رفع الدعم أو ضرائب جديدة، وهو لا يثق بعدالة توزيع الأعباء، يتحوّل الإصلاح نفسه إلى أزمة. لذلك فإنَّ حماية الطبقة الوسطى شرطٌ لنجاح أيِّ برنامج اقتصادي.
هجرة الكفاءات العلمية
تؤدي الطبقة الوسطى كذلك دورًا محوريًا في تحريك النشاط الاقتصادي، من خلال إنفاقها الاستهلاكي والطلب الذي تولّده على السلع والخدمات، فضلًا عن مساهمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في توفير فرص العمل. وعندما تتراجع قدرتها الشرائية، يتباطأ الطلب في الأسواق، وتزداد الضغوط على الأسر، ما يدفع كثيرين إلى البحث عن وظائف إضافية أو العمل في الاقتصاد غير الرسمي لتعويض تراجع دخولهم.
وتمتد تداعيات هذا التراجع إلى أنماط الحياة والخيارات المستقبلية للأفراد، إذ يضطر عدد متزايد من الشباب إلى تأجيل الزواج أو شراء مسكن بسبب ارتفاع التكاليف وضعف القدرة على الادخار. وفي الوقت نفسه، تتراجع قدرة التعليم على أداء دوره التقليدي بوصفه وسيلة للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي، بعدما أصبحت الشهادة الجامعية أقل ضمانًا للحصول على وظيفة مستقرة ودخل لائق.
ومن أكثر النتائج إثارة للقلق تصاعد الرغبة في الهجرة بين أصحاب الكفاءات المهنية والعلمية والحرفية، إلى جانب المثقفين والطلاب. فقد أظهرت استطلاعات “الباروميتر العربي” (Arab Barometer) لعامَي 2023 و2024 أنَّ نحو 46% من التونسيين و42% من الأردنيين يفكرون في الهجرة، مدفوعين أساسًا بأسباب اقتصادية. وكان الشباب وحملة الشهادات الجامعية من أكثر الفئات ميلًا إلى المغادرة.
وتُمثّل هذه الظاهرة خسارة مضاعفة للمجتمعات العربية، التي تستثمر موارد كبيرة في تعليم أبنائها وتأهيلهم، قبل أن تفقد جانبًا من هذه الطاقات لصالح اقتصادات أخرى. فالأطباء والمهندسون والمبرمجون وغيرهم من أصحاب المهارات الذين يغادرون بحثًا عن فرص أفضل، هم أنفسهم مَن تحتاج إليهم بلدانهم لتعزيز الإنتاجية ودفع النمو والمساهمة في التعافي الاقتصادي.
إحياء الطبقة الوسطى
تتمتع دول الخليج العربية بقدر أكبر من الاستقرار في هذا المجال، بفضل مواردها المالية وشبكات الرعاية الاجتماعية التي أسهمت في حماية مواطنيها من الارتفاعات الحادة في تكاليف المعيشة. ومن اللافت أنَّ استطلاعات “الباروميتر العربي” أظهرت أنَّ الكويتيين كانوا الأقل رغبة في الهجرة بين الجنسيات التي شملتها الاستطلاعات، في مؤشّر إلى مستوى أعلى نسبيًا من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
غير أنَّ هذا الوضع لا يعني غياب التحديات، إذ تواجه الطبقة الوسطى في دول الخليج ضغوطًا متزايدة، من بينها ارتفاع تكاليف السكن والتعليم الخاص، فضلًا عن استمرار الاعتماد الكبير على الوظائف الحكومية. وفي هذا السياق، جعلت استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة لدولة قطر (2024-2030) التنمية البشرية وزيادة مشاركة المواطنين في القطاع الخاص من أولوياتها الرئيسية، في إطار جهود تنويع الاقتصاد وتعزيز فرص العمل.
ولا يقتصر دور دول الخليج على حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي داخل حدودها، بل يمتد إلى بلدان عربية أخرى، من خلال استضافة ملايين العمال العرب الذين تشكّل تحويلاتهم المالية مصدر دخل أساسيًا لأسرهم في بلدانهم الأصلية. كما يمكن للاستثمارات الخليجية الموجّهة إلى مشاريع إنتاجية تُوفِّرُ فرص عمل مستدامة أن تسهم في دعم الطبقة الوسطى في تلك البلدان والحد من تراجعها.
لكن إعادة بناء الطبقة الوسطى وتعزيز قدرتها على الصمود تتطلبان مقاربة شاملة تقوم على خمسة مسارات أساسية، تتكامل فيها السياسات الاقتصادية والاجتماعية: يكمن المسار الأول في حماية القدرة الشرائية عبر ضبط التضخم ومراجعة الأجور والمعاشات بشكل دوري بما يتناسب مع تكاليف المعيشة. والمسار الثاني يتمحور حول العدالة الضريبية، بحيث يسهم كل شخص بقدر ما يملك. والمسار الثالث يدور حول توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات التي تقع بين الفقراء والميسورين، كأصحاب المهن الحرة والمشروعات الصغيرة، الذين يبقون غالبَا بلا تأمين صحي أو تقاعدي كاف. أما المسار الرابع، فيُركز على تحسين الخدمات العامة من حيث توفير التعليم الجيد والعلاج الميسر والسكن المناسب الذي يمكن أن تقدمه الدولة لهذه الطبقة من باب الدعم. والمسار الخامس هو الشفافية من جهة توفير بيانات دقيقة ومنتظمة عن الدخل والإنفاق، ومصارحة الناس بكلفة الإصلاحات ومَن يتحمّلها.
في المحصّلة، لا يقتصر تآكل الطبقة الوسطى في العالم العربي على تداعياته الاقتصادية، بل يمتد إلى الاستقرار الاجتماعي ومستوى الثقة بالمؤسسات. فهذه الطبقة ليست مجرّد شريحة من أصحاب الدخول المتوسطة، بل تمثل عنصر توازن في المجتمع ومحركًا أساسيًا للنشاط الاقتصادي. وهي رصيدٌ اجتماعي واقتصادي تراكَمَ على مدى أجيال، لكنه قد يتبدّد خلال سنوات قليلة تحت وطأة الأزمات المتلاحقة.
من هنا، فإنَّ الدول التي تجعل حماية الطبقة الوسطى وتعزيز قدرتها على الصمود أولوية في سياساتها ستكون أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات السنوات المقبلة والحد من تداعياتها. والأهم أنها ستكون أقدر على إعادة الثقة إلى فئةٍ واسعة من المواطنين، وتحويل قلقهم المتزايد بشأن حاضرهم ومستقبلهم إلى شعورٍ بالأمان وفرص حقيقية للتقدُّم.
- فالح بن حسين الهاجري هو رئيس تحرير صحيفة العرب القطرية.
- يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع ل”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية” (الدوحة).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.