المغرب في مرحلة التحوُّل الاقتصادي: فُرَصُ الصعود وتحدّيات الاستدامة
كابي طبراني*
لم يعد السؤال الاقتصادي المطروح أمام المغرب مقتصرًا على قدرته على استقطاب الاستثمارات أو تطوير بنيته التحتية، بعدما أحرز تقدّمًا ملحوظًا في بناء قطاعات صناعية ولوجستية عزّزت ارتباطه بالأسواق الدولية. فالسؤال الأكثر أهمية اليوم يتعلّق بمدى قدرة الاقتصاد المغربي على تحويل هذه المقوّمات إلى نموٍّ أكثر إنتاجية وشمولًا، وإلى فرص عمل أوسع، ومكانة أكثر رسوخًا في سلاسل القيمة العالمية. ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ظلِّ التحوُّلات التي تعيد تشكيل الاقتصاد الدولي، من إعادة توزيع الأنشطة الصناعية إلى التنافس على الطاقة والتكنولوجيا والموارد الاستراتيجية. وفي هذا السياق، جاء خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان الجديد، يوم الجمعة الفائت، ليضع المرحلة المقبلة ضمن رؤية تربط الطموح الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية والمجالية، وتؤكد أهمية تطوير المؤسسات والقدرات الوطنية لمواكبة التحولات الجديدة.
لقد استطاع المغرب خلال السنوات الماضية تعزيز موقعه كمنصة صناعية ولوجستية تربط أوروبا بأفريقيا، مستفيدًا من موقعه الجغرافي واستثماراته في الموانئ والطرق والمناطق الصناعية. ويُشكّل ميناء طنجة المتوسط مثالًا بارزًا على هذا التوجه، بما أتاحه من ارتباط وثيق بشبكات التجارة الدولية، فيما يعكس تطور صناعات السيارات والطيران قدرة المملكة على استقطاب أنشطة إنتاجية متقدمة. غير أنَّ المرحلة المقبلة تطرح تحدّيًا نوعيًا يتمثل في زيادة القيمة المضافة المحلية، وتطوير المورِّدين الوطنيين، وتعزيز البحث والابتكار، خصوصًا مع التحوُّلات التي تشهدها صناعة السيارات نحو المركبات الكهربائية والبطاريات. فالمسألة لم تعد تتعلق بتوسيع الإنتاج والتصدير وحدهما، بل بتعميق مساهمة الاقتصاد الوطني في التكنولوجيا والمعرفة المرتبطتَين بهذه الصناعات. ومن هنا تكتسب دعوة الملك القطاع الخاص إلى أداء دور استراتيجي في التحوُّل التنموي دلالة خاصة، إذ إنَّ ترسيخ الموقع الصناعي للمغرب يتطلّب مقاولات وطنية قادرة على المبادرة والمنافسة والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية.
لكن نجاح التحوُّل الصناعي لا يُقاس فقط بحجم الصادرات أو عدد المصانع الجديدة، وإنما أيضًا بقدرته على توسيع فرص التشغيل وتحسين مستويات الدخل. وهنا تبرز إحدى القضايا المركزية في الاقتصاد المغربي: تعزيز الصلة بين نمو القطاعات الحديثة واحتياجات سوق العمل، ولا سيما بالنسبة إلى الشباب. فالتوسُّع الصناعي والتكنولوجي يرفع الطلب على المهارات، لكنه يتطلب في المقابل منظومة تعليم وتكوين قادرة على مواكبة هذا الطلب، وإتاحة فرص أوسع للإدماج الاقتصادي والاجتماعي. وليس من قبيل المصادفة أن يضع الخطاب الملكي قضايا الشباب والتعليم والتأهيل وتكافؤ الفرص في صدارة الأولويات؛ فالموارد البشرية أصبحت عنصرًا حاسمًا في تنافسية الاقتصادات، والاستثمار فيها لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية. وكلما اتسعت قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات الوطنية، تعزّزت فرص تحويل النمو إلى تقدُّم اجتماعي مستدام.
تتصل بهذه المسألة قضية التفاوتات المجالية، التي تكتسب أهمية خاصة في بلدٍ تتباين فيه الإمكانات الاقتصادية بين الجهات. فالمراكز الصناعية والحواضر الكبرى تتمتع بقدرة أكبر على جذب الاستثمارات والخدمات والمهارات، بينما تحتاج مناطق أخرى إلى سياسات تستثمر خصوصياتها ومواردها المحلية. ومن هنا، فإنَّ تأكيد الملك ضرورة تحقيق التوازن بين النمو والعدالة الاجتماعية والمجالية يلامس أحد الشروط الأساسية لاستدامة التحول الاقتصادي. فالجهوية المتقدمة، إذا اقترنت بنقلٍ فعلي للصلاحيات والموارد، يمكن أن تصبح أداة لتوسيع قاعدة التنمية، لا مجرد إصلاح إداري. وقد كان الخطاب واضحًا في الدعوة إلى تجاوز التأخير في تفعيل اللاتمركز الإداري وتوضيح الاختصاصات وتعزيز التنسيق بين الدولة والجهات، وهي مسائل ترتبط مباشرة بقدرة المؤسسات على تحويل الاستثمارات والبرامج إلى نتائج ملموسة.
وإلى جانب تحديات التشغيل والتوازن المجالي، يواجه المغرب رهانات تتصل بطبيعة موارده وموقعه في الاقتصاد العالمي. فندرة المياه وتزايد الضغوط المناخية تفرضان مراجعة مستمرة لخيارات الاستثمار والإنتاج، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على الموارد المائية. كما أنَّ تقلّبات أسواق الطاقة والغذاء تجعل تعزيز القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية جُزءًا من السياسة الاقتصادية، لا مجرّد إجراءٍ احترازي. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية ما ورد في الخطاب بشأن إطلاق استراتيجيات جديدة للأمن المائي والطاقي والغذائي، وتعزيز الاحتياطات الاستراتيجية. ويمكن للمغرب أن يستفيد من استثماراته في الطاقات المتجددة لتطوير قدراته الصناعية وتعزيز جاذبيته الاستثمارية، شريطة أن يتكامل هذا التوجه مع تحسين كفاءة استخدام الموارد وتطوير التكنولوجيا. وينطبق الأمر نفسه على الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، اللذين تزداد أهميتهما بوصفهما أداتَين لرفع الإنتاجية وتحديث الخدمات، لا مجرّد قطاعين إضافيين في النشاط الاقتصادي.
أما على الصعيد الخارجي، فإنَّ الموقع الجغرافي للمغرب وتنوُّع علاقاته يمنحانه فرصًا للاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتقارب الاقتصادي بين الأسواق الأوروبية والأفريقية، فضلًا عن توسيع التعاون الاستثماري مع الشركاء العرب، ولا سيما دول الخليج. وتكمن إحدى الفرص المهمة في قدرة المملكة على الجمع بين موقعها اللوجستي وقاعدتها الصناعية وشبكة علاقاتها الدولية، بما يعزز دورها حلقة وصل اقتصادية بين فضاءات متعددة. غير أنَّ ترسيخ هذا الدور يتطلّب شراكات تقوم على المصالح المتبادلة وتستوعب التعقيدات السياسية والقانونية المحيطة بها. وفي هذا السياق، تكتسب دعوة الملك إلى تطوير نموذج التعاون مع الشركاء الأوروبيين، ولا سيما إسبانيا في ملف الهجرة، دلالة تتجاوز هذا الملف تحديدًا، إذ تعكس توجُّهًا نحو شراكات أشمل تربط التنمية المشتركة بالتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
لقد قطع المغرب شوطًا مهمًّا في بناء المقوّمات الاقتصادية التي تؤهله لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي، غير أنَّ المرحلة المقبلة ستتحدد بقدرته على تعميق القيمة المضافة لصناعاته، وتوسيع فرص التشغيل، وتحقيق توازن أكبر بين جهاته. وفي هذا المعنى، لا تقتصر أهمية الخطاب الملكي على تحديد أولويات جديدة، بل تكمن في تأكيده أنَّ الطموح الاقتصادي يحتاج إلى مؤسسات أكثر فعالية، وموارد بشرية أكثر تأهيلًا، وشراكات أكثر توازنًا. فالتحدّي لم يعد مجرّد توسيع حضور المغرب في الاقتصاد العالمي، وإنما تحويل هذا الحضور إلى قوة تنموية مستدامة تنعكس على حياة المواطنين، وتُعزّز قدرة المملكة على مواجهة تحوّلات المستقبل.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



