ليسوا أَسيادَكُم بل خُدَّامُكُم
هنري زغيب*
قرأْتُ في الصُحُف هذا الأُسبوع خبرًا موجزًا جاء فيه: “يتحدَّث مصدر سياسي أَنَّ المجلس النيابي، قبل الشروع بالتمديد لنفسه سنتَين جديدتَين، يتَّجه إِلى إِكمال ولايته الحالية فتُصبح ولايةً كاملةً ممدَّدةً، لأَن الظروف التي حتَّمت التمديد قبل سنتين لا تزال موجودة، ما يَحُول دون الاتفاق على قانونٍ للانتخاب، وتاليًا دون إِجراء انتخابات نيابية”.
نعم؟؟ هكذا بكل بساطة؟ من دُون استفْتاء؟ وبدُون العودة إِلى القاعدة الشعبية التي جاءَت بهم؟
أَعرف أَنَّ هذا الأَمر (الاستفْتاء والعودة إِلى القاعدة كما في كل نظامٍ ديموقراطي) لم يكُن يومًا عندنا، ولن يكونَ في نظامنا “التَفَاهُوقْراطيّ” و”الفَسَادُوقْراطيّ”، وشبه “الأُوتوقراطي” بحكْم الأَمر الطائفي الواقع.. وأَعرف أَنَّ كلامي لن يغيِّر في قرارٍ اتَّخذه مجلس نيابي “استحسَن” أَن يزيدَ راتب النواب (اسمه الـمُلَطَّف: “مخصَّصات” في قاموسهم)، ويُمَدِّدَ ولايته سنتَيْن، وها هو “يستحسن” من جديد تمديدًا آخَر لسنتَيْن أُخْرَيَيْن.
معقول؟؟ طبعًا معقول، في نظام يفتح الباب عريضًا لسيطرة الأَنانية والشخصانية والزبائنية وغياب المحاسبة.
فيا أَهالينا في كل منطقة من لبنان:
أَقول “المحاسبة” ولا أُجَهِّل مَن يقوم بها ولا أَتَّكل على مَن سَيقوم يومًا بها… أَقولُها وأَعرف مَن… أَقولُها وأَدُلُّ عليكُم… على كل ناخب منكُم وناخبة.. أَنتم المحاسبة وأَنتم مَن ستقومون بها.. أَنتم الخوف الذي يهدِّدُ الفاسدين من السياسيين كي لا يعودوا مجدَّدًا إِلى التَرَبُّع هانئين على أَكتافكُم أَربع سنوات (قابلة طبعًا للتمديد).. أُنقُلوا موطئَ الخوف منكُم إِليهم.. إِجعلوهُم هُم يَخافون منكُم ولا تَظلُّوا رازحين تحت خوفكُم منهم.. كُفُّوا عن التعامُل معهم على أَنهم أَسيادكُم، وتَعاطَوا معهم على أَنهم خُدَّامكُم لدى الدولة.. في أَميركا هؤُلاء يُدْعَون “خُدَّامَ الشعب” (Public servants) فاجعلُوهم فعلًا هكذا: إِجعلُوهم في خدمتكُم ولا تتركُوهُم يجعلونَكُم في خدمتهم.. إِجعلُوهم في خدمة الدولة ولا تتركُوهم يَجعلون الدولة كلَّها في خدمتهم.. إِخلَعُوهم عن أَكتافكُم ولا تُعيدُوهُم عُمْيانيًّا ببَّغائيًّا أَغناميًّا إِلى أَكتافكُم من جديد، يتلَطَّون خلف حصاناتهم وأَلقابهم كي يتحكَّموا بكُم ويجعلوكُم تَنْحَنُون أَمامهم فيعاملونكُم بفَوقيَّة متعجرفة.. أَنتم السلاح الذي يخيفُهم وسلاحكُم حادٌّ وقاطع: صندوقة الانتخابات. كفُّوا عن تحقيق المقولة الساخرة أَنَّ “اللبناني يَلْعن السياسيين يوم السبت، ويذهب يوم الأَحد فينتخبهم من جديد، ثم يعود الإِثنين إِلى اللعنة عليهم كلَّ يوم لأَربع سنوات”.
الدولة الراقية تنهض بكل مواطن راقٍ، فلا تجعلوا صندوقة الاقتراع مدخلًا دائمًا يَعبُر منه الفاسدون من جديد إِلى السيطرة على الدولة وعليكم.. ولستُ أُعمِّم.. أَعرف أَنَّ بين سياسيينا قلَّةً قليلةً نادرةً مخْلصةً نقيةً، فاجعلُوا هذه القلَّة تزداد كي لا يصل إِلى ساحة النجمة إِلَّا مُخْلصون أَنقياء يستاهلون أَن يتكلَّموا باسمكُم، ويحكُموا باسمكُم، ويعملُوا على جعل الدولة نقيةً من الفاسدين.. هكذا يمكننا أَن نَنسج لبنان الآتي صالحًا يستحقُّه جيلُنا الجديد، فيعودُ إِليه أَبناؤُنا من الـمَهَاجر، وينهضُ به المقيمون فيه بمواهبهم ومهاراتهم واندفاعهم السليم النقي إِلى بناء دولة سليمة نقية.. وبذلك تُنقذون لبنان من نزْفِهِ دمًا موبُوءًا في شرايينه.
يوتوپيا ما أَقول؟ لا… أَبدًا… مش صحيح… خُذُوا مثَالًا لكم جزيرة سنغافورة: جاءَها إِلى الحُكْم سياسيون صالحون، نقلُوا دولتهم من نفايات الفساد إِلى كفايات الجدارة، وأَشرق لديهم فجرُ بلادٍ باتت اليوم نموذجًا للحُكْم الرشيد والحوكمة العادلة: بِجَعل السياسيّ في خدمة شعبه ودولته، خاضعًا للمحاسبة والعقوبة الصارمة.
هذه “العُقوبة الصارمة” هي اليوم في يدكُم أَنتم، في كفِّكُم أَنتم، على أَطراف أَصابعكُم فيما تُنْزِلُون الأَسماء الصالحة في صندوقة الاقتراع.. فمارسوا هذه “العقوبة” يومَ الانتخاب أَيَّان يأْتي.. بانتظار هذا اليوم: كُفُّوا عن أَن تكُونوا سلبيين حياديين مستسلمين للواقع.. كونوا إِيجابيين وابدأُوا منذ اليوم بالكَفِّ عن التعامُل مع سياسيين فاسدين بالمنطق الخانع: “اليدُ الأَعجَزُ عن كسْرها، أُقَبِّلُها وأَدعو عليها بالكسر”. فإِنما السياسيون الفاسدون لم يقُمْ مَن يحاسبُهم فأَوصلوا الدولة إِلى الخراب.
إِزالةُ الخراب تبدأُ برفْش واحد… فاحملوا أَنتُم هذا الرفْش، وخُذُوه معكم يوم الانتخاب.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).



