سياسات ترامب ضد هجرة المسلمين تُقوِّضُ أُسُسَ النفوذِ الأميركي في الشرق الأوسط
بين التفاخر بتقييد هجرة المسلمين وتراجع الثقة بالمظلّة الأمنية الأميركية، تواجه واشنطن مفارقة متزايدة: كيف تحافظ على تحالفاتها في الشرق الأوسط وهي تُضعف أسس القبول الشعبي التي يحتاج إليها نفوذها؟

مايكل يونغ*
في 30 أيلول (سبتمبر)، أعاد الحساب الرسمي للبيت الأبيض المخصّص للرد السريع على منصة “إكس” (تويتر سابقًا) نشر دراسة صادرة عن “معهد كاتو” (Cato Institute)، وهو مركز أبحاث يتبنّى الفكر الليبرالي، تُظهر أنَّ الهجرة القانونية من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الولايات المتحدة تراجعت بنسبة 96 في المئة منذ تولّي الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبه. وشملت الدراسة دولًا عربية، وأخرى تقع ضمن النطاق الجغرافي الأوسع للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فضلًا عن دول أعضاء في جامعة الدول العربية تقع في شرق أفريقيا، بينها الصومال والسودان وجيبوتي.
لم يكن إبراز البيت الأبيض لهذه الأرقام مجرّد نقلٍ لنتائج دراسة بحثية، بل بدا أقرب إلى إعلانِ إنجازٍ سياسي تتباهى به إدارة ترامب. فالتراجع الحاد في أعداد المهاجرين القانونيين من الدول ذات الأغلبية المسلمة يُقدَّم، في هذا السياق، بوصفه دليلًا على نجاح سياسة تستعيد منطق القرار المثير للجدل الذي أصدره ترامب عام 2017، وعُرف آنذاك باسم “حظر المسلمين”. غير أنَّ الفارق هذه المرة يتمثّل في أنَّ القيود لم تعد تستهدف المسافرين الآتين من تلك الدول فحسب، بل امتدّ أثرها إلى الهجرة القانونية نفسها.
واللافت في احتفاء الإدارة بهذا التراجع أنه يكشف ما هو أبعد من تشديد إجراءات الهجرة. فالتفاخر بالحدّ من دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، رُغمَ أنَّ معظم المعنيين ينتمي إلى دولٍ تربطها بواشنطن علاقات سياسية وثيقة، يوحي بأنَّ ترامب لا يزال يرى في المسلمين هدفًا ملائمًا لتعبئة قاعدته الشعبية. ويأتي ذلك في سياق خطاب سياسي تتعزّز فيه ملامح ما يمكن وصفه بنمطٍ خاص من “القومية العرقية”، مستفيدًا من انقسامات عميقة داخل المجتمع الأميركي بشأن المسلمين ووجودهم في البلاد.
وتُظهر استطلاعات الرأي حجم هذه الانقسامات. فبحسب استطلاع أجراه “مركز بيو للأبحاث” (Pew Research Center) في ربيع هذا العام، اعتبر 43 في المئة من البالغين الأميركيين أنَّ المسلمين أقل ولاءً للولايات المتحدة من سائر الأميركيين، في مقابل 4 في المئة فقط رأوا أنهم أكثر ولاءً. كذلك، رأى 42 في المئة أنَّ الأميركيين المسلمين يتركون أثرًا سلبيًا في البلاد، بينما اعتبر 17 في المئة فقط أنَّ أثرهم إيجابي. وتعكس هذه النتائج استمرار حضور الصور النمطية السلبية عن المسلمين في قطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي.
وفي هذا المناخ، صدر أخيرًا كتاب للصحافية روزينا علي، حظي بتقدير نقدي واسع، تتناول فيه ظاهرة “الإسلاموفوبيا” (رهاب الإسلام) في الولايات المتحدة من خلال تجارب أربع عائلات. وعلى الرغم من انتقادها الحاد للتمييز الذي تعرّض له المسلمون، ولا سيما منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، فإنها تنتهي إلى خلاصة أكثر توازنًا، لا تتجاهل استمرار الظاهرة ولا تغفل وجود مقاومة اجتماعية لها. وتكتب في خاتمة كتابها أنه، وإن كانت الإسلاموفوبيا لا تزال حاضرة في أميركا، فإنَّ “من الصحيح أيضًا أنَّ هناك رفضًا لتقبّلها”. وهي ملاحظة تكشف جانبًا آخر من المشهد الأميركي: فالمجتمع الذي لا تزال قطاعات منه تنظر إلى المسلمين بعين الريبة، يضمّ أيضًا قوى ترفض تحويل هذا التحيّز إلى أمر طبيعي أو مقبول.
لم يمرّ احتفاء البيت الأبيض بهذه الأرقام من دون ردود فعل سريعة ومعارضة، كان أبرزها ردّ ديفيد بيرز، الباحث في “معهد كاتو”، الذي استند البيت الأبيض إلى أبحاثه لإبراز حجم التراجع في الهجرة القانونية من الدول ذات الأغلبية المسلمة. فقد كتب بيرز ردًّا على منشور الإدارة: “شكرًا لاستشهادكم بعملي. إنكم تنتهكون القانون وتلحقون الضرر بالأميركيين، بينما تجعلون البلاد أقل أمنًا وحرية وازدهارًا”. ولم يكتفِ بهذا الانتقاد، بل أشار إلى أنَّ المهاجرين الآتين من دول ذات أغلبية مسلمة يتمتعون بمستويات تعليمية مرتفعة، ويشغلون وظائف تتطلب مهارات متقدّمة، فضلًا عن مساهمتهم، خلال العقود الثلاثة الماضية، في خفض العجز المالي للحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات والإدارات المحلية بما مجموعه 1.1 تريليون دولار.
من “الإسلاموفوبيا” إلى مستقبل النفوذ الأميركي
لكن هذه المواقف تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز الجدل الأميركي الداخلي بشأن الهجرة و”الإسلاموفوبيا”، ليمسّ مسألة أوسع وأكثر تعقيدًا: إلى أي مدى يستطيع النظام الجيوسياسي الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الحفاظ على تماسكه ومتانته؟ فقد يبدو للوهلة الأولى أنَّ مواقف الأميركيين من المسلمين داخل بلادهم لا علاقة مباشرة لها بمستقبل “السلام الأميركي” (Pax Americana) في المنطقة. فالتحالفات والترتيبات الأمنية تقوم أساسًا على حسابات المصالح الاستراتيجية، بينما ترتبط سياسات الهجرة بمفاهيم الهوية والتوافق الاجتماعي. ومن الناحية النظرية، ليس ثمة ما يفرض وجود ارتباط بين المجالين.
غير أن ما يبدو منفصلًا في النظرية غالبًا ما يكون مترابطًا في الواقع. ولعلّ التجربة الأطلسية تقدّم المثال الأوضح على ذلك. فقد استمدّ حلف شمال الأطلسي (الناتو) جانبًا أساسيًا من قوته من نجاح الولايات المتحدة في بناء تحالف مع دول أوروبا الغربية على قاعدة من القيم والمبادئ المشتركة، لا على المصالح الأمنية وحدها. وقد أثبتت هذه الروابط قدرتها على الصمود حتى في المراحل التي فقد فيها الحلف كثيرًا من زخمه، وبلغ التشكيك في فاعليته حدّ وصفه من جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه يعاني من “موت دماغي”. وعلى نحو مماثل، قام الاتحاد الأوروبي على منظومة من المبادئ المشتركة، كما تستند الشراكة الأمنية الثلاثية “أوكوس” (AUKUS)، التي تضمّ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوستراليا، إلى قدر كبير من التقارب السياسي والقيمي بين أطرافها.
الشرق الأوسط وتحالفات المصالح الهشّة
أما في الشرق الأوسط، فلم تتوافر يومًا قاعدة مماثلة للعلاقات الأمنية الأميركية مع دول المنطقة. فالاستثناء الأبرز ظلّ إسرائيل، التي ينظر إليها كثير من الأميركيين بوصفها دولة ذات مكانة خاصة، أو “استثنائية”، وفق الصورة التي تناولتها الكاتبة الراحلة إيمي كابلان حين وصفتها بأنها “مجتمع أخلاقي يجمع بين الناجين من معسكرات الاعتقال والمحاربين الأبطال… دولة هشّة وفي الوقت نفسه عصيّة على الانكسار، وضحية لا تُقهر”. وخارج هذا الاستثناء، ظلّ التماهي الأميركي مع قيم مجتمعات الشرق الأوسط ودولها محدودًا، تمامًا كما بقي التماهي الشعبي في المنطقة مع الولايات المتحدة ضعيفًا.
لهذا، لم تستند العلاقات الأمنية التي أقامتها واشنطن مع دول الشرق الأوسط، في جوهرها، إلى ما هو أبعد من منطق المصالح المتبادلة والصفقات القائمة على الأخذ والعطاء. وقد أتاح هذا المنطق استمرار تلك العلاقات ما دامت الأطراف المعنية ترى فيها منفعة مشتركة، لكنه جعلها في الوقت نفسه أكثر عرضة للاهتزاز عندما يعجز أحد الأطراف عن الوفاء بالتزاماته. وهنا تكمن المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم في المنطقة. فمع الضربة القوية التي تلقّتها صدقية المظلّة الأمنية الأميركية على خلفية الصراع مع إيران، بدأت دول عدة في الشرق الأوسط تبحث عن ترتيبات ومسارات بديلة لتعزيز أمنها، من بينها ما يُعرف بـ”اتفاقية الدفاع المشترك في مكة”.
مع ذلك، فإن تعثّر العلاقات القائمة على المصالح العملية لا يعني بالضرورة انهيارها، إذا كانت تستند أيضًا إلى رصيد من التعاطف الشعبي والروابط المعنوية. فحين تعرّضت مصر لهزيمة ساحقة أمام إسرائيل في حرب حزيران (يونيو) 1967، لم يؤدِّ ذلك إلى تراجع فوري في مكانتها لدى قطاعات واسعة من المجتمعات العربية. بل ظلّت مصر، ومعها زعيمها جمال عبد الناصر، يحتفظان برصيد عاطفي وسياسي كبير في الوجدان العربي. وقد منحها هذا التعاطف قدرة على الحفاظ على نفوذها الإقليمي لسنوات، مستندةً إلى “قوة ناعمة” أثبتت، في بعض جوانبها، فاعلية تفوق ما كانت تتيحه لها قدراتها العسكرية أو “قوتها الصلبة”.
“السلام الأميركي” وأزمة القبول الشعبي
غير أنَّ “السلام الأميركي” في الشرق الأوسط لا يتمتع برصيد مماثل من القبول الشعبي، وربما لم يتمتع به في أي مرحلة من مراحله. فبالنسبة إلى كثيرين في المنطقة، لا تؤدي اللغة المهينة التي تستخدمها أعداد كبيرة، ومثيرة للدهشة، من الشخصيات العامة الأميركية في الحديث عن المسلمين إلّا إلى تعزيز انطباعٍ مُتجذّر أصلًا، مفاده أنَّ الولايات المتحدة لا تكترث فعلًا لرفاهية الغالبية العظمى من سكان الشرق الأوسط. وقد جاءت الممارسات الأميركية تجاه ما يجري في قطاع غزة لتعمّق هذا الانطباع في أذهان قطاعات واسعة من شعوب المنطقة.
وهكذا، لا يعود الجدل بشأن نظرة الولايات المتحدة إلى المسلمين مجرّد قضية داخلية تتعلق بالهجرة والتمييز والهوية، بل يصبح عاملًا مؤثرًا في البيئة السياسية والشعبية التي تتحرك ضمنها القوة الأميركية في الشرق الأوسط. فالمظلّة الأمنية، مهما بلغت قدرتها العسكرية، قد تجد صعوبة متزايدة في الحفاظ على نفوذها عندما تتراجع الثقة بصدقيتها، ولا يكون وراءها رصيد من القبول الشعبي قادر على تعويض إخفاقاتها.
فعندما لا تعود العلاقة السياسية توفّر للمجتمعات العربية سوى قدر محدود من المنافع العملية، ويقترن ذلك بازدراء علني يطال هذه المجتمعات وقيمها وما تعتبره أساسيًا في هويتها، تتضاءل دوافعها للدفاع عن نظام إقليمي يقوم على مثل هذه العلاقة. وفي هذا السياق، يحمل تفاخر إدارة ترامب بتقييد دخول المهاجرين من الدول ذات الأغلبية المسلمة رسالة يصعب تجاهلها، مفادها: قد نكون حلفاء على مستوى المصالح، لكن ذلك لا يعني أننا نكنُّ لكم الود أو الاحترام. وهنا تتجلّى هشاشة الأسس التي يستند إليها “السلام الأميركي” (Pax Americana) في الشرق الأوسط؛ إذ يصعب على نظام إقليمي أن يحافظ على استمراريته حين يفتقر إلى القبول الشعبي، وتتراجع الثقة بجدواه، خصوصًا بعدما بدأت الوعود الأمنية والمكاسب العملية التي قامت عليها علاقات التحالف تُخيّب بدورها توقّعات دول المنطقة وشعوبها.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.