حلُّ الدولتين في اليمن: مخرجٌ عمليٌّ لا إيديولوجيّ
خالد اليماني*
تجتمع الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين تحت شعار “استعادة الثقة وإدارة التحوُّل: أممٌ متحدة تلبّي تطلُّعات الجميع”. ويُعد اليمن اختبارًا حقيقيًا لهذا الشعار؛ ففي نيويورك، خلال الأسبوع الماضي، تجسّدت الأزمة اليمنية في ثلاثة مشاهد: داخل قاعة الأمم المتحدة، وخارجها، وعلى الشاشة.
داخل القاعة، ترأس عبد الله العليمي باوزير، عضو مجلس القيادة الرئاسي والقيادي في حزب الإصلاح، وفد اليمن. ودعا المجتمع الدولي إلى دعم جهود مكافحة الإرهاب والتهريب، والمساعدة على تجفيف مصادر تمويل الحوثيين وتسليحهم، وهي مطالب لا يختلف عليها اثنان.
لكن المفارقة تكمن في هوية المتحدث. فالعليمي باوزير يمثّل حزب الإصلاح في مجلس القيادة الرئاسي، الذي أُعلن تشكيله في الرياض في نيسان (أبريل) 2022، وأعادت السعودية تشكيله في كانون الثاني (يناير) 2026، في سياق تحركها لتهميش المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويُنظَرُ إلى حزب الإصلاح على نطاقٍ واسع باعتباره قريبًا من جماعة “الإخوان المسلمين”، في وقتٍ صنّفت واشنطن بعض فروع الجماعة منظمات إرهابية. وفي المقابل، تجد القوى الجنوبية التي قاتلت تنظيم “القاعدة” والحوثيين صعوبة في إيصال صوتها السياسي إلى المحافل الدولية، بما يكشف جانبًا من الاختلال الذي يحكم المعادلة اليمنية الراهنة.
وخارج مقر الأمم المتحدة، وعلى مسافة قصيرة من القاعة، نظّم يمنيون جنوبيون مقيمون في الولايات المتحدة وقفة احتجاجية ندّدوا خلالها بما وصفوه بالوصاية السعودية على جنوب اليمن، وطالبوا بحق الجنوبيين في تقرير المصير واستعادة دولتهم.
في الداخل، جدد العليمي باوزير التمسك بالوحدة اليمنية، وهي وحدة ترتبط في ذاكرة قطاعات واسعة من الجنوبيين بحرب صيف 1994، عندما اجتاحت القوات الشمالية الجنوب، في حربٍ شارك فيها حزب الإصلاح سياسيًا وعسكريًا ورافقتها فتاوى دينية ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية الجنوبية.
وجاءت الوقفة في نيويورك بعد نحو تسعة أشهر من قصف سعودي استهدف قوات جنوبية كانت، وفق روايتها، تُلاحق شبكات للتهريب والإرهاب، أعقبه إعلان الرياض في 9 كانون الثاني (يناير) 2026 حل المجلس الانتقالي الجنوبي. لكن ذلك لم ينهِ القضية الجنوبية، التي عادت إلى الشارع عبر تجمعات في عدن والمكلا، ووصل صداها الآن إلى أمام مقر الأمم المتحدة.
في يوم الوقفة، قال المبعوث الأميركي السابق إلى اليمن تيم ليندركينغ إن عودة اليمن إلى دولتين تظل احتمالًا “مُمكنًا”، مشيرًا إلى وجود سابقة لذلك. وأكد أنَّ مستقبل البلاد شأنٌ يقرّره اليمنيون أنفسهم على طاولة المفاوضات، لا أمر تفرضه أطراف خارجية.
ورأى ليندركينغ أنَّ الوصول إلى مثل هذه المحادثات يبدو صعبًا في الوقت الراهن، في ظلِّ الأجواء العسكرية السائدة، ومواصلة الحوثيين تعزيز قدراتهم واستغلال الانقسامات بين خصومهم.
وهكذا ظهرت في نيويورك ثلاثة أوجه لأزمة واحدة: وفدٌ رسمي يتمسّك بالوحدة ومواجهة الحوثيين، وجنوبيون يتظاهرون مطالبين بتقرير المصير، وديبلوماسي أميركي سابق يُعيدُ طرح احتمال الدولتين بوصفه أحد السيناريوهات الممكنة لمستقبل اليمن.
يتعامل الخطاب الرسمي مع الوحدة باعتبارها الحالة الطبيعية لليمن، غير أنَّ التاريخ يشير إلى خلاف ذلك. فقد حُكِمَ الشمال والجنوب بصورةٍ منفصلة طوال القرن العشرين، وشكّلا بين عامي 1967 و1990 دولتين مستقلتين ذات سيادة، لكلٍّ منهما مقعدها الخاص في الأمم المتحدة. وكانت وحدة 22 أيار (مايو) 1990 اتفاقًا بين دولتين، قبل أن تُحوِّلُ حرب عام 1994 تلك الشراكة إلى عملية ضم بالقوة.
ولا ينفي ذلك ثقل المملكة العربية السعودية أو مصلحتها في أمن حدودها. لكن عقدًا من الوصاية السعودية على الملف اليمني أفضى إلى نتائج واضحة. ففي الشمال، تحوّل الحوثيون من حركة تمرُّد محلية إلى قوة إقليمية تهدد البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وفي الجنوب، أدى استبعاد قوات “المجلس الانتقالي الجنوبي”، التي قاتلت الحوثيين وتنظيم “القاعدة”، إلى إفساح المجال عمليًا أمام حزب “الإصلاح”. وهذا الرهان السعودي يعرّض الأمن السعودي والملاحة الدولية للخطر على حد سواء.
وإذا كان مستقبل اليمن قرارًا يمنيًا، كما عبّر عن ذلك ليندركينغ، فيجب أن يتَّخذ اليمنيون أنفسهم هذا القرار، لا أن تفرضه السلطات السعودية في الرياض.
لتحقيق ذلك، ينبغي أولًا أن تقود واشنطن العملية السياسية من خلال “اللجنة الرباعية الدولية”، مع اضطلاع الرياض وأبوظبي بدور الضامن والشريك. فالولايات المتحدة لا تستطيع أن توكل مصالحها في باب المندب إلى أطراف أخرى، كما أنها تتمتع بمكانة تتيح لها الدعوة إلى الحوار وضمانه من دون أن تملي مستقبل اليمن. أما الغياب الأميركي، فيخلق فراغًا يسارع الحوثيون وإيران إلى ملئه.
ثانيًا، ينبغي نقل الحوار من تحت مظلة الإشراف السعودي المباشر، ليس بدافع العداء للرياض، بل لأنَّ الطرف المنخرط عسكريًا في الصراع لا يمكنه أن يكون حكمًا فيه في الوقت ذاته. ويمكن أن تشمل المحادثات الحوثيين أيضًا، لا بهدف إضفاء الشرعية عليهم، بل لإلزامهم بترتيبات أمنية وحدودية تخضع لرقابة دولية.
ثالثًا، ينبغي التعامل مع خيار “الدولتين” بوصفه حلًّا عمليًا للخروج من الأزمة، لا خيارًا إيديولوجيًا. ويمكن أن تكون حدود عام 1990 أساسًا للتفاوض، مع ترتيبات لتقاسم الموارد، وضمان حرية الملاحة، وإقامة علاقات حسن جوار بين دولتين ذات سيادة، بما يكفل أمن الحدود السعودية عبر المعاهدات والاتفاقيات، لا عبر الوصاية.
تدعو الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى “استعادة الثقة”. وفي اليمن، لن تُبنى الثقة عبر خطاب يلقيه مجلس وُلِدَ في الرياض وأُعيد تشكيله وفقًا لرغبة الجهة الراعية له، ولا من خلال تجاهل مطالب الجنوبيين باسم وحدة جوفاء.
وما لم يعد القرار إلى أصحابه، وتتحمّل واشنطن المسؤولية التي تفرضها مصالحها الخاصة، فسيظل الحوثيون الطرف الوحيد الذي يحقق النجاح، نظرًا إلى امتلاكهم أهدافًا واضحة وسياسة قائمة على التوافق، بصرف النظر عن سوء تقدير تلك السياسة أو دورها في زعزعة الاستقرار.
- خالد اليماني هو وزير خارجية اليمن في الفترة من 2018 إلى 2019، ويشغل حاليًا منصب زميل أول غير مقيم في “المجلس الأطلسي” (Atlantic Council).



