الجامعة اللبنانية: من معركة الوجود إلى معركة الدور

بعد خمسة وسبعين عامًا على تأسيسها، لم تعد معركة الجامعة اللبنانية إثبات حقها في الوجود، بل تحديد دورها في مستقبل لبنان. فهل تبقى أسيرة أزمات الدولة، أم تصبح شريكًا في إنتاج الحلول وإعادة بنائها؟

رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران: هل نجح في مهمته منذ تولّيه الرئاسة عام 2021؟

الدكتور هيكل الراعي*

على أبوابِ عامٍ دراسيٍّ جديد، تجد الجامعة اللبنانية، بوصفها أكبر مؤسسة للتعليم العالي في لبنان، نفسها مرة أخرى في قلب أزمة تتجاوز في أبعادها حدود المطالب الأكاديمية والاجتماعية المباشرة. فالإضرابات والاعتصامات والتحرّكات المطلبية تأتي في سياقِ أزمةٍ اقتصادية ومالية غير مسبوقة، تتداخل معها أوضاع أمنية وسياسية شديدة الاضطراب. وفي موازاة ذلك، أدى الموقف الذي صدر عن المجلس الدستوري بشأن تجديد ولاية رئيس الجامعة الحالي، استنادًا إلى قانونٍ أقرّه مجلس النواب، إلى إعادة طرح مسألة العلاقة بين الجامعة والسلطة العامة، في حين تواجه الحكومة إشكالية تعيين أساتذة متفرِّغين لتلبية حاجات أكاديمية فعلية، في ظلِّ اعتبار التوازن الطائفي أحد المحددات التي تحكم عملية الاختيار.

ولا تكمن دلالة هذه الوقائع في احتمال تعطيل عام دراسي جديد فحسب، بل في كونها تعيد إلى الواجهة سؤالًا أعمق يتعلق بموقع الجامعة اللبنانية في الدولة والمجتمع: هل ستبقى الجامعة أسيرة إدارة أزماتها المتلاحقة، أم تستطيع الانتقال إلى موقع المؤسسة التي تساهم في إنتاج الحلول وصياغة المستقبل؟ وهل ستظل المطالب الجامعية محصورة في إطارها الأكاديمي والاجتماعي، أم أنَّ طبيعة الأزمة اللبنانية قد تدفعها إلى أن تصبح جُزءًا من حراكٍ اجتماعي أوسع؟

من مؤسسة هامشية إلى مؤسسة وطنية

عندما أُنشئت الجامعة اللبنانية عام 1951، لم تكن تُقدَّم بوصفها مشروعًا مؤسّسيًا يُرادُ له أن يقود التحوُّل المعرفي في لبنان، بل بدت، في نظر كثيرين، مؤسسة مُكمّلة لمنظومة تعليمٍ عالٍ كانت الجامعات الخاصة قد قطعت فيها شوطًا طويلًا. غير أنَّ اختزالَ نشأة الجامعة في بُعدها الإداري يحجب حقيقة أكثر عُمقًا: فقد جاءت ولادتها نتيجة حراك طلّابي وشعبي طالب بتكريس التعليم العالي باعتباره حقًّا عامًا، وبإنشاء مؤسسة وطنية تتيح الوصول إلى المعرفة خارج حدود الامتياز الاجتماعي والاقتصادي.

وعليه، لم يكن تأسيس الجامعة مجرّد توسُّع في البنية التعليمية للدولة، بل كان تعبيرًا عن مطلبٍ اجتماعي يتّصل بإعادة تعريف العلاقة بين التعليم والمجتمع. فالجامعة الوطنية، في معناها الأوسع، ليست مجرّد مؤسسة تمنح الشهادات، وإنما إحدى الأدوات التي تستطيع الدولة من خلالها بناء رأس مالها البشري وإنتاج نخبها العلمية والإدارية والمهنية.

نشأت الجامعة اللبنانية في بيئةٍ كانت فيها الجامعات الخاصة أكثر رسوخًا من حيث الموارد والإمكانات والتقاليد الأكاديمية. وهو ما جعل الدولة، منذ البداية، أقل قدرة أو رغبة في منح الجامعة الوطنية موقعًا مركزيًا في منظومة التعليم العالي. إلّا أنَّ مسار الجامعة اللاحق أظهر أنَّ المؤسّسة التي وُلدت في الهامش استطاعت أن تتحوّل تدريجيًا إلى مؤسسة مركزية في الحياة الاجتماعية اللبنانية، وأن تصبح أحد أهم مصادر إنتاج الكفاءات العلمية والمهنية، وأحد أبرز مسارات الحراك الاجتماعي.

وبعد نحو خمسة وسبعين عامًا على تأسيسها، تبدّلت طبيعة السؤال. لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الجامعة اللبنانية قادرة على إثبات وجودها، فقد أثبتت ذلك بالفعل، بل أصبح السؤال يتعلق بقدرتها على تجاوز منطق البقاء والصمود نحو منطق الدور والتأثير. أي: هل تستطيع الجامعة الانتقال من مؤسسة تدافع عن حقها في الاستمرار إلى مؤسسة تشارك في تحديد الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه لبنان في المستقبل؟

الجامعة بوصفها مشروعًا للمعرفة والوطن

من المتعارف عليه أنَّ الجامعة الحديثة لم تعد مجرّد وسيطٍ لنقل المعرفة المتراكمة من جيل إلى آخر، بل أصبحت إحدى المؤسسات الأساسية لإنتاج المعرفة وإعادة صياغتها وتوظيفها في فهم المجتمع وتطويره. ومن ثمَّ فإنَّ قيمة الجامعة لا تُقاس فقط بحجمها العددي أو باتساع بُنيتها التحتية أو بتعدُّد اختصاصاتها، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتكوين الإنسان القادر على التفكير المستقل، والمساهمة في معالجة المشكلات التي تواجه المجتمع.

وانطلاقاً من هذا الفهم، يمكن القول أنَّ الجامعة تقوم بثلاث وظائف أساسية مترابطة:

تتمثل الوظيفة الأولى في إنتاج المعرفة وترسيخ التفكير النقدي. فالجامعة فضاءٌ للسؤال قبل أن تكون فضاءً للإجابة، ومجال للبحث والنقد والمراجعة قبل أن تكون مكانًا لإعادة إنتاج المعارف الجاهزة. وحين تفقد الجامعة قدرتها على مساءلة المسلمات، تتحوّل المعرفة فيها من أداةٍ لاكتشاف الواقع إلى مجرد مادة للتلقين. أما الجامعة التي تؤدي وظيفتها كاملة، فهي التي تجعل من الشك العلمي والنقاش الحر والنقد المنهجي أدوات أساسية في إنتاج المعرفة.

أما الوظيفة الثانية فتتجسّد في إعداد الإنسان للحياة المهنية والاجتماعية. غير أنَّ هذه الوظيفة لم تعد تعني تزويد سوق العمل بخرّيجين يمتلكون معارف تقنية محددة فقط. فالتحوّلات التكنولوجية والرقمية المُتسارعة تجعل من الصعب تحديد المهارات التي ستظل مطلوبة بالصيغة نفسها بعد سنوات قليلة. لذلك باتت الجامعة مطالبة بتكوين قدرات أكثر استدامة، مثل التفكير النقدي، والبحث، وتحليل المشكلات، والتواصل، والعمل الجماعي، والقدرة على التعلُّم المستمر والتكيُُّف مع التحوّلات.

وتتمثل الوظيفة الثالثة في الدور الوطني والاجتماعي. فالجامعة ليست جزيرة منفصلة عن المجتمع، بل هي فضاء لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والثقافية والوطنية. وفي مجتمع شديد التنوّع مثل المجتمع اللبناني، يمكن للجامعة أن تؤدي دورًا يتجاوز التعليم، فتتحوّل إلى مساحةٍ للتفاعل بين البيئات والمناطق والانتماءات المختلفة، وإلى نموذج لمواطنة تستند إلى الكفاءة والمعرفة والعمل المؤسسي بدلًا من الروابط الأولية.

من هنا تصبح الاستقلالية الأكاديمية أكثر من مجرّد مطلب إداري. إنها شرط من شروط إنتاج المعرفة ذاتها. فالاستقلالية لا تعني أن تنفصل الجامعة عن قضايا المجتمع، وإنما تعني أن تكون قادرة على مقاربة تلك القضايا بحرية، ومن دون أن تتحوّل المعرفة إلى وظيفة من وظائف النفوذ السياسي أو الطائفي أو الزبائني.

وتشير الأدبيات الحديثة حول الحوكمة في التعليم العالي إلى أنَّ علاقة الجامعة بالسلطة والتمويل والحوكمة ترتبط بصورة وثيقة بقدرتها على ممارسة وظيفتها المعرفية والحفاظ على استقلاليتها الأكاديمية. وفي السياق العربي، طُرح نموذج “الحوكمة السياسية” لتفسير جانب من العلاقة بين الجامعات العامة والسلطة السياسية، بما ينعكس على الاستقلالية وجودة التعليم.

الجامعة اللبنانية بوصفها مرآة لإشكالية الدولة

تختزن تجربة الجامعة اللبنانية جانبًا أساسيًا من إشكالية الدولة اللبنانية نفسها. ففي الدول التي ارتبط فيها نشوء الجامعة الوطنية بمشروع بناء الدولة، كانت الجامعة جُزءًا من عملية إنتاج النُخَب العلمية والإدارية والفكرية التي تحتاج إليها الدولة الحديثة. أما في لبنان، فقد جاءت الجامعة متأخرة نسبيًا، بعدما كانت المؤسسات الجامعية الخاصة قد احتلت موقعًا أساسيًا في إنتاج النخب.

ولا يمكن تفسير هذا التأخُّر بعاملٍ زمني فقط، إذ إنه يعكس أيضًا غياب رؤية سياسية مستقرة لوظيفة الجامعة الوطنية. فقد نشأت الجامعة استجابة لضغط اجتماعي وطلابي، أكثر مما نشأت في إطار مشروع متكامل للدولة يحدد موقع المعرفة والبحث العلمي في عملية بناء المجتمع.

لهذا ظلت علاقتها بالدولة محكومة، في مراحل متعددة، بالتردّد بين الاعتراف بأهميتها الاجتماعية ومحاولات إخضاعها لموازين القوى السياسية. وكانت النتيجة أن توسعت الجامعة من حيث عدد الطلاب والكليات والاختصاصات، من دون أن يواكب ذلك دائمًا تطوُّر مؤسسي وعلمي يتناسب مع حجمها ودورها.

وقد ساهمت التحوّلات التي عرفها لبنان، ولا سيما خلال المرحلة الشهابية، في تعزيز موقع الجامعة. فمع توسُّع مؤسسات الدولة وازدياد الحاجة إلى الكفاءات المتخصصة، اكتسبت الجامعة وظيفة أكثر مركزية في إعداد الأطر العلمية والمهنية. وبذلك انتقلت تدريجيًا من مؤسسة مكمّلة إلى مؤسسة أساسية في البنية الاجتماعية للدولة.

وهنا تتضح المفارقة: فالدولة التي لم تمنح الجامعة منذ البداية موقعًا استراتيجيًا، وجدت نفسها لاحقًا تعتمد عليها في إنتاج جُزء كبير من رأسمالها البشري.

الجامعة والحراك الاجتماعي: نجاح حقيقي وحدود بنيوية

من أبرز إنجازات الجامعة اللبنانية أنها أسهمت في جعل التعليم العالي أكثر إتاحة أمام شرائح واسعة من المجتمع. فقد أتاحت لآلاف اللبنانيين المنحدرين من أُسَر متوسطة ومحدودة الدخل الوصول إلى المهن العليا والمسؤوليات العامة، وأسهمت بذلك في إعادة توزيع فرص الصعود الاجتماعي على نحوٍ لم يكن مُتاحًا بالدرجة نفسها في منظومة تعليمية يغلب عليها الطابع الخاص.

غير أنَّ هذا النجاح يطرح مفارقة أساسية: فقد نجحت الجامعة إلى حد كبير في إنتاج شروط الحراك الاجتماعي الفردي، لكنها لم تتمكن بالقدر نفسه من تحويل هذا الرأسمال البشري إلى قوة دفع مستدامة للاقتصاد الوطني.

إنَّ الجامعة تخرّج الأطباء والمهندسين والباحثين والأساتذة وغيرهم من أصحاب الاختصاص، لكن الاقتصاد اللبناني لا يوفر دائمًا البنية القادرة على استيعاب هذه الكفاءات والاستفادة منها. وهكذا يتحوّل جزء من نجاح الجامعة إلى عامل يغذّي الهجرة، إذ يجد الخريج في الخارج البيئة المهنية والاقتصادية التي لا يجدها بالضرورة في الداخل.

ولا يصح اختزال هذه المشكلة في الجامعة نفسها. فالاختلال بين التعليم والاقتصاد يعكس، في جوهره، غياب مشروع اقتصادي قادر على استثمار رأس المال البشري. غير أنَّ استمرار الفجوة بين ما تنتجه الجامعة وما يستطيع الاقتصاد استيعابه يُهدّد بتحويل التعليم العالي من رافعة للتنمية إلى آلية غير مباشرة لتصدير الكفاءات.

من هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: ما جدوى أن تنجح الدولة في إنتاج رأس المال البشري إذا كانت بنيتها الاقتصادية عاجزة عن الاحتفاظ به؟

بين ديموقراطية التعليم وتفكك المجال الجامعي

شكّلت الحرب اللبنانية اختبارًا وجوديًا للجامعة. ففي ظل الانقسامات السياسية والأمنية والجغرافية، أصبح مجرد استمرار التعليم تحديًا. وكان إنشاء الفروع في المناطق المختلفة استجابة عملية للحفاظ على الحق في التعليم، وإتاحة الوصول إلى الجامعة في ظروف لم يكن الانتقال خلالها إلى بيروت ممكنًا بالنسبة إلى أعدادٍ كبيرة من الطلاب.

وقد حقق هذا الانتشار نتائج اجتماعية مهمة. فقد أتاح التعليم العالي لفئات واسعة، ووسع الحضور الجغرافي للجامعة، وجعلها مؤسسة أكثر التصاقًا بالمجتمع المحلي في مختلف المناطق.

لكن للانتشار الجغرافي وجهًا آخر. فالجامعة لا تتكوّن من مبانٍ وقاعات ومناهج فحسب، وإنما من حياة جامعية مشتركة تتشكل داخلها علاقات تتجاوز الانتماءات المحلية. ومن هذه الزاوية، أدى تفريع الجامعة، وإن كان استجابة لحاجة تاريخية حقيقية، إلى إضعاف جزء من وظيفتها بوصفها فضاءً وطنيًا جامعًا.

لقد أصبحت الجامعة في بعض جوانبها تعكس الانقسامات الموجودة في المجتمع بدلًا من أن تكون مجالًا لإعادة تركيبها على أساس جديد. وهذه ليست مشكلة ناجمة عن وجود الفروع في حد ذاته، بل عن غياب سياسات قادرة على تعويض غياب المجال الجامعي المشترك.

لذلك فإنَّ الحفاظ على الوظيفة الوطنية للجامعة يتطلب إنشاء أشكال جديدة من الحياة المشتركة: برامج أكاديمية عابرة للفروع، ومشاريع بحثية مشتركة، ومختبرات ومراكز متخصصة، وأنشطة ثقافية ورياضية وتطوُّعية تجمع الطلاب والأساتذة من مختلف المناطق. فالوحدة المؤسسية لا ينبغي أن تبقى مجرد وحدة إدارية، بل ينبغي أن تتحوّل إلى وحدة معرفية واجتماعية ووطنية.

التعليم العالي أمام اقتصاد مأزوم

ارتبط توسع الجامعة اللبنانية تاريخيًا بمبدأ ديموقراطية التعليم، غير أنَّ العلاقة التقليدية بين الشهادة الجامعية والصعود الاجتماعي لم تعد تعمل بالفعالية نفسها. فالأزمة الاقتصادية، وتراجع فرص العمل، وتغيُّر طبيعة المهن، جعلت الشهادة شرطًا مهمًا، لكنه لم يعد شرطًا كافيًا لتحقيق الاستقرار المهني.

وهنا تظهر الحاجة إلى إعادة النظر في وظيفة الجامعة من دون الوقوع في خطأ اختزالها في حاجات السوق. فمن جهة، يتعيَّن على الجامعة أن تستجيب للتغيُّرات الاقتصادية والتكنولوجية، وأنَّ تطوُّر مناهجها بحيث تمنح الطالب مهارات قابلة للنقل والتكيف. ومن جهة أخرى، ينبغي ألّا تتحوّل إلى مؤسسة تتبع السوق بصورة آلية، لأنَّ السوق نفسه يتغيّر بسرعة تفوق قدرة البرامج الجامعية التقليدية على التكيف.

إنَّ التحدي الحقيقي يتمثل في بناء نموذج تعليمي يجمع بين المعرفة التخصصية والقدرات العامة التي تتيح للخريج إعادة بناء مهاراته باستمرار. فالتفكير النقدي، وتحليل البيانات، وإدارة المشاريع، والابتكار، وريادة الأعمال، والتعلُّم المستمر، ليست بدائل عن المعرفة التخصصية، بل أدوات تجعلها أكثر قابلية للاستخدام في عالمٍ متغير.

وهنا تتحدد وظيفة الجامعة على نحوٍ أكثر عمقًا: ليست مهمتها أن تتنبأ بكل الوظائف التي سيحتاج إليها الاقتصاد، بل أن تُهيئ الإنسان للعيش والعمل في عالم لا يمكن التنبؤ الكامل بمساره.

من نقل المعرفة إلى إنتاجها

لا تستطيع الجامعة الحديثة أن تحافظ على مكانتها إذا بقيت مؤسسة للتدريس فقط. فالجامعة التي لا تنتج المعرفة تصبح مستهلكة لها، والجامعة التي لا تساهم في حل مشكلات مجتمعها تفقد جزءًا أساسيًا من مبرّر وجودها.

ولبنان، في ظل أزماته المتراكمة، يحتاج بصورة خاصة إلى جامعة قادرة على إنتاج معرفة مرتبطة بالحاجات الوطنية. فالمياه والطاقة والبيئة والصحة العامة والزراعة والأمن الغذائي والإدارة العامة والاقتصاد الرقمي والهجرة والتحولات الديموغرافية والذكاء الاصطناعي كلها مجالات تحتاج إلى معرفة علمية محلية، لا إلى استيراد الحلول الجاهزة.

لكن التحدّي لا يكمن فقط في توفير الموارد للبحث العلمي، بل في تحويل المعرفة المنتجة إلى معرفة قابلة للاستخدام العام. فكثير من الأبحاث قد تظل محصورة في الإطار الأكاديمي، في حين تبقى الفجوة قائمة بين الجامعات ومؤسسات صنع القرار.

وهنا يمكن للجامعة اللبنانية أن تعيد تعريف دورها باعتبارها مؤسسة تنتج الخبرة العامة للدولة والمجتمع. ويمكن تحقيق ذلك عبر مراكز بحثية متخصصة، وشراكات مع الوزارات والبلديات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وآليات واضحة لتحويل نتائج البحث إلى سياسات ومشاريع وبرامج تنموية.

إنَّ الجامعة لا تصبح مؤسسة وطنية مؤثرة لمجرد أنها عامة، بل عندما تتحول المعرفة التي تنتجها إلى جزء من القدرة الوطنية على فهم المشكلات وصناعة القرار.

هجرة الكفاءات: من الاستنزاف إلى الشبكة العلمية

تمثل هجرة الكفاءات أحد أكثر التحديات إلحاحًا أمام الجامعة اللبنانية. فالأزمة الاقتصادية والمالية دفعت أعدادًا متزايدة من الأساتذة والباحثين والأطباء والمهندسين وسواهم إلى البحث عن فرص عمل خارج لبنان.

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تعني فقدان أفراد فحسب، بل فقدان جزء من القدرة المؤسسية على التعليم والبحث. فالجامعة تعتمد قبل أي شيء على رأسمالها البشري، وأيُّ استنزاف مستمرّ لهذا الرأس المال ينعكس مباشرة على قدرتها على أداء وظائفها.

غير أنَّ الاغتراب يمكن أن يُقرأ أيضًا من زاوية مختلفة. فلبنان يمتلك انتشارًا واسعًا لكفاءاته العلمية والمهنية في الخارج، ويمكن تحويل هذا الانتشار من علاقة تقوم على الخسارة إلى شبكة تقوم على التعاون. فالأساتذة والباحثون اللبنانيون في الخارج يستطيعون أن يشكلوا امتدادًا دوليًا للجامعة من خلال المشاريع البحثية المشتركة، والتدريس عن بُعد، والإشراف الأكاديمي، والتعاون مع المؤسسات التي يعملون فيها.

وبذلك لا يصبح المطلوب فقط إعادة الكفاءات إلى لبنان، وهو هدف بالغ الأهمية لكنه ليس دائمًا قابلًا للتحقق في الظروف الراهنة، بل بناء منظومة تجعل الكفاءات المنتشرة في العالم جزءًا من شبكة الجامعة العلمية، بحيث تتحوّل الهجرة من قطيعة إلى علاقة معرفية مستمرة.

التمويل والحوكمة: من إدارة الأزمة إلى بناء المؤسسة

عمّقت الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2019 المشكلات البنيوية التي تواجه الجامعة اللبنانية، سواء في ما يتعلق بالتمويل أو الموارد البشرية أو التجهيزات أو القدرة على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها. وفي الوقت نفسه، ازدادت الحاجة الاجتماعية إلى الجامعة نتيجة ارتفاع كلفة التعليم الخاص وتراجع القدرة الاقتصادية للأسر اللبنانية.

وهذه المفارقة تضع الجامعة أمام معادلة صعبة: الحاجة إليها تتزايد في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة الدولة على تمويلها.

لذلك لا يكفي الدفاع عن زيادة التمويل العام، على أهميته، بل ينبغي إعادة التفكير في نموذج التمويل نفسه. فالاعتماد شبه الكامل على الموازنة العامة يجعل الجامعة شديدة التأثر بالأزمات المالية للدولة، بينما لا يتلاءم تحويلها إلى مؤسسة ربحية مع طبيعتها الوطنية والاجتماعية. ومن ثم تبدو الحاجة قائمة إلى نموذج تمويل متعدد المصادر، يجمع بين الدعم الحكومي وتمويل البحث العلمي والشراكات الإنتاجية ومساهمات الخريجين وبرامج التعليم المستمر والابتكار، مع الحفاظ على الوظيفة العامة للجامعة.

لكن التمويل لا يمكن أن يؤدي وظيفته من دون إصلاح الحوكمة. فالجامعة تحتاج إلى معايير مؤسسية واضحة في التعيين والترقية والتقييم وإدارة الموارد، وإلى أنظمة أكثر شفافية للمساءلة واتخاذ القرار. وتزداد أهمية هذه المسألة في ضوء الأدبيات التي تربط جودة الحوكمة بقدرة مؤسسات التعليم العالي على تحقيق الفاعلية والمصداقية والشفافية والنزاهة.

وفي هذا السياق، تصبح الاستقلالية الأكاديمية جزءًا من الإصلاح المؤسسي لا شعارًا منفصلًا عنه. فالجامعة لا تستطيع بناء ثقافة علمية مستقرة إذا ظلت القرارات الأكاديمية الكبرى معرضة بصورة دائمة للتدخلات الخارجية.

الجامعة أمام الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي

يضيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي طبقة جديدة من التحديات إلى أزمة الجامعة اللبنانية. فالجامعات العالمية تعيد اليوم النظر في طرائق التعليم والبحث والتقييم، وفي طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة والعمل.

أما الجامعة اللبنانية فتواجه تحديًا مزدوجًا: عليها أن تدخل عصر الذكاء الاصطناعي في الوقت الذي لا تزال فيه تعالج مشكلات أكثر أساسية تتعلق بالتمويل والحوكمة والبنية التحتية والاستقرار الأكاديمي.

غير أنَّ هذا التناقض لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل التحوّل. فالتحوّلات التكنولوجية لا تنتظر المؤسسات المتأخرة، والتأخر في التكيّف يمكن أن ينتج تأخرًا إضافيًا يصعب تعويضه لاحقًا.

لذلك فإنَّ السؤال لا ينبغي أن يكون: هل ستستخدم الجامعة الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف ستعيد تعريف التعليم والبحث والإدارة في ظل وجوده؟

وهذا يتطلب سياسات واضحة تتصل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث، وحماية النزاهة الأكاديمية، وتطوير مهارات أعضاء الهيئة التعليمية والطلاب، وإعادة التفكير في مفهوم التقييم نفسه. فالذكاء الاصطناعي لا يُغيّر الأدوات فحسب، بل يفرض إعادة النظر في بعض التصوّرات التقليدية حول معنى التعلُّم وإنتاج المعرفة.

الجامعة اللبنانية والسلطة: تاريخ من التوجُّس لا من الرعاية

تكشف تجربة الجامعة اللبنانية حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أنَّ الأزمة المزمنة التي تعيشها هذه المؤسسة ليست ناجمة فقط عن نقص التمويل أو سوء الإدارة أو الظروف الاقتصادية، بل هي في جانب كبير منها نتيجة العلاقة الملتبسة التي أقامتها السلطة اللبنانية معها منذ نشأتها. فالجامعة الوطنية لم تولد من رحم مشروع سياسي يطمح إلى بناء دولة المعرفة، بل فُرضت على السلطة بفعل ضغط المجتمع والطلاب. لذلك بقيت، منذ تأسيسها، مؤسسة تحظى بالاعتراف القانوني أكثر مما تحظى بالاحتضان السياسي.

لقد تعاملت السلطة مع الجامعة اللبنانية بمنطقٍ مزدوج. فهي لم تستطع إلغاءها بعد أن أصبحت حاجة اجتماعية ووطنية، لكنها لم تقتنع يومًا بمنحها الموقع الذي تستحقه داخل النظام التعليمي اللبناني. والنتيجة أنَّ الجامعة تُركت تنمو عدديًا، فيما جرى الحد من نموها المؤسسي والعلمي. فكلما ازدادت أهميتها الاجتماعية، ازدادت محاولات إخضاعها لمنطق المحاصصة والتوازنات السياسية والطائفية.

ولا يبدو هذا السلوك عرضيًا أو مرتبطًا بمرحلة محددة، بل يعكس خوفًا بنيويًا لدى النظام السياسي من أيِّ مؤسسة وطنية تقوم على معيار الكفاءة. فالدولة الطائفية بطبيعتها تنظر بريبة إلى المؤسسات العابرة للانقسامات الأولية، لأنَّ نجاحها يُعزّز فكرة المواطنة ويضعف الحاجة إلى شبكات الولاء التقليدية. ومن هنا يمكن فهم سبب تعثُّر مشاريع تطوير الجامعة لعقود طويلة، وسبب بقائها رهينة الأزمات المالية والإدارية رغم أنها أكبر مؤسسة أكاديمية في البلاد.

ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تتحوّل الجامعة اللبنانية إلى العقل الاستراتيجي للدولة ومركز خبرتها العلمية، جرى التعامل معها في كثير من الأحيان بوصفها ساحة نفوذ إضافية. وأصبحت التعيينات والترقيات وعقود التفرُّغ والقرارات الكبرى تخضع، بدرجات متفاوتة، لحسابات لا علاقة لها دائمًا بالمقاييس الأكاديمية. وهكذا تحولت المحاصصة من أزمةٍ سياسية إلى معوِّق مباشر لإنتاج المعرفة.

والأخطر من ذلك أنَّ السلطة لم تكتفِ بإضعاف الجامعة كمؤسسة، بل ساهمت بصورةٍ غير مباشرة في تفريغها من طاقاتها البشرية. فحين يُترك الأستاذ الجامعي والباحث في ظروف مادية ومهنية غير مستقرة، وحين تُغلق أمامه آفاق التطوّر العلمي، يصبح الاغتراب خيارًا شبه إلزامي. وبذلك تخسر الجامعة والدولة معًا أفضل ما تنتجانه من كفاءات. فالسلطة التي تعجز عن الاحتفاظ بعقولها إنما تساهم عمليًا في تمويل تقدُّم المجتمعات الأخرى على حساب مجتمعها.

ومن المفارقات أنَّ الجامعة اللبنانية حققت معظم إنجازاتها الكبرى رغم السياسات الرسمية لا بسببها. فقد توسعت بفضل الطلب الاجتماعي على التعليم، وصمدت بفضل أساتذتها وطلابها، وحافظت على حضورها بفضل حاجات المجتمع لا بفضل رؤية الدولة. لذلك فإنَّ رواية نجاح الجامعة هي، إلى حدٍّ بعيد، رواية نجاح المجتمع اللبناني في الدفاع عن حقه في المعرفة، أكثر مما هي رواية نجاح السلطة في إدارة مؤسسة وطنية.

لذا فإنَّ السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمستقبل الجامعة، بل بمستقبل الدولة نفسها. فالدولة التي لا تضع الجامعة الوطنية في قلب مشروعها التنموي تكشف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أنها لا تعتبر المعرفة أولوية استراتيجية. أما السلطة التي تخضع المؤسسة الأكاديمية لمعادلات النفوذ، فإنها تعلن، ولو من دون قصد، أنَّ الكفاءة ليست القيمة العليا في بناء المجتمع.

لهذا السبب، فإنَّ معركة الجامعة اللبنانية اليوم ليست معركة موازنات أو أبنية أو تجهيزات فقط، بل هي معركة استقلال القرار الأكاديمي عن القرار السياسي. وهي معركة تثبيت مبدأ أنَّ الجامعة ليست إدارة تابعة للسلطة، بل سلطة معرفية مستقلة يفترض أن تساعد الدولة على فهم الواقع وصنع المستقبل.

لقد نجحت الجامعة اللبنانية في معركة الوجود. أما معركة المستقبل فستُحسم بمدى قدرة المجتمع اللبناني على فرض معادلة جديدة: جامعة تحاسبها معايير العلم والكفاءة، لا موازين قوى الطوائف والمحاصصات. وعندها فقط يمكن للجامعة أن تنتقل من موقع الضحية الدائمة لأزمات الدولة إلى موقع الشريك في إعادة بنائها.

  • الدكتور هيكل الراعي هو باحث وأستاذ جامعي لبناني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى