الإمبراطورية التي تستأجر الجغرافيا: هل يفقدُ النفوذُ الأميركي امتيازَهُ الأكبر؟
كابي طبراني*
في كل مرة تُنفّذ فيها الولايات المتحدة عملية عسكرية على بُعد آلاف الكيلومترات من أراضيها، ينشغل العالم بعدد الطائرات المشاركة أو نوع الصواريخ المُستخدمة أو حجم القوة النارية التي جرى حشدها. لكن هذه المشاهد المألوفة تخفي حقيقةً أكثر أهمية: القوة الأميركية لا تبدأ من حاملات الطائرات ولا من القاذفات الاستراتيجية، بل تبدأ من موافقة دول أخرى على فتح أراضيها ومجالاتها الجوية وموانئها أمام الجيش الأميركي.
هذه هي القصة الحقيقية للهيمنة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فعلى امتداد ثمانية عقود، لم تكن الولايات المتحدة مجرّد الدولة الأقوى عسكريًا، بل كانت الدولة الوحيدة القادرة على تحويل الجغرافيا العالمية إلى امتداد لمجالها الاستراتيجي. من ألمانيا وبريطانيا واليابان إلى الخليج العربي والمحيط الهادئ، بنت واشنطن شبكة معقدة من القواعد العسكرية والتفاهمات الأمنية والتسهيلات اللوجستية التي جعلت أي أزمة إقليمية تقريبًا تقع ضمن مدى تدخّلها المباشر.
ولا يتعلّق الأمر ببضع قواعد كبرى متناثرة حول العالم. فوفقًا لتقديرات عدد من الباحثين المتخصصين في شؤون الانتشار العسكري، تمتلك الولايات المتحدة ما بين 750 و800 قاعدة ومنشأة وموقع عسكري خارج أراضيها، موزّعة على أكثر من 80 دولة وإقليمًا. ولا توجد قوة كبرى أخرى في التاريخ الحديث اقتربت حتى من هذا الحجم من الانتشار العسكري العالمي. وقد تبدو هذه الأرقام للوهلة الأولى مجرّد مؤشّر إلى حجم القوة الأميركية، لكنها في الواقع تكشف عن شيءٍ أكثر أهمّية: جوهر الهيمنة الأميركية ليس عدد الطائرات أو السفن أو الصواريخ التي تملكها واشنطن، بل حقيقة أنَّ عشرات الدول تسمح لها باستخدام أراضيها وموانئها ومجالاتها الجوية. فالقوة العسكرية الأميركية ليست مجرّد ترسانة، بل شبكة عالمية من حقِّ الوصول إلى الجغرافيا.
لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان هذا الامتياز الاستثنائي، الذي شكّل حجر الأساس للهيمنة الأميركية منذ عام 1945، لا يزال مضمونًا كما كان في السابق.
في الظاهر، تبدو الولايات المتحدة في ذروة قوّتها العسكرية. موازنة الدفاع الأميركية تتجاوز موازنات معظم القوى الكبرى الأخرى مجتمعة، وقواعدها تمتدُّ عبر القارات، وأساطيلها تجوب المحيطات بلا منافس حقيقي. ومع ذلك، فإنَّ القوة العسكرية ليست فقط ما تملكه الدولة من أسلحة، بل أيضًا ما يسمح الآخرون لها باستخدامه.
وهنا تحديدًا تكمن نقطة التحوُّل التي قد تُعيدُ تشكيل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
لقد اعتاد العالم منذ عقود على افتراضٍ بسيط: عندما تُقرّر واشنطن التدخّل في أزمة ما، فإنها ستجد دائمًا مطارات وموانئ وقواعد ومستودعات وقنوات إمداد تتيح لها الوصول إلى مسرح العمليات. لكن الحروب الحديثة بدأت تفرض معادلة مختلفة.
فالضربات المتبادلة التي شهدها الشرق الأوسط خلال الأعوام الأخيرة كشفت أنَّ الدول التي تستضيف القوات الأميركية لم تعد تقف خارج دائرة الخطر. فالقواعد العسكرية في الخليج لم تعد مجرّد أدواتٍ للردع، بل أصبحت أهدافًا محتملة أيضًا. والصواريخ الدقيقة والطائرات المُسيّرة منخفضة الكلفة غيّرت قواعد اللعبة التي سادت طوال العقود الماضية، حيث باتت تكلفة مهاجمة القواعد أقل بكثير من تكلفة الدفاع عنها.
وبالنسبة إلى دول الخليج العربي، فإنَّ هذه المعادلة تحمل أهمية خاصة.
فقطر تستضيف إحدى أهم القواعد العسكرية الأميركية خارج الولايات المتحدة، والبحرين تحتضن مقر الأسطول الخامس، فيما تُشكّل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ركائز أساسية للبنية الأمنية الإقليمية. وقد ساهمت هذه الشراكات لعقود طويلة في حماية تدفقات الطاقة وتأمين الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
لكن السؤال الذي بدأ يُطرَحُ في المنطقة لا يتعلّق فقط بحجم الحماية التي توفّرها هذه الشراكات، بل أيضًا بحجم المخاطر التي قد تترتّب عليها. فإذا أصبحت القواعد والمنشآت العسكرية أهدافًا مباشرة في أيِّ مواجهة إقليمية، فإنَّ حسابات الكلفة والعائد ستبدو مختلفة عما كانت عليه قبل عشرين عامًا.
وهذا التطوُّر لا يقتصرُ على الشرق الأوسط.
في آسيا، تعتمد الاستراتيجية الأميركية تجاه الصين على شبكةٍ مشابهة من القواعد والتسهيلات العسكرية لدى حلفائها. وفي أيِّ أزمةٍ مُحتملة حول تايوان، ستجد دولٌ مثل اليابان والفلبين وأوستراليا وكوريا الجنوبية نفسها أمام السؤال ذاته الذي يواجه حلفاء واشنطن في الخليج: هل ما زالت استضافة القوة الأميركية ميزة أمنية خالصة، أم أنها أصبحت تحمل معها مخاطر استراتيجية متزايدة؟
هنا تظهر المفارقة الكبرى.
فالنجاح الاستثنائي الذي حققته الولايات المتحدة في بناء شبكة عالمية من “الوصول العسكري” قد يكون هو نفسه مصدر التحدي المقبل لهيمنتها. إذ إنَّ هذه الشبكة تقوم في نهاية المطاف على قرارٍ سيادي تتخذه الدول المضيفة. وإذا بدأت تلك الدول في إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بهذا القرار، فإنَّ قدرة واشنطن على إسقاط قوتها عبر العالم قد تصبح أكثر تعقيدًا وأكثر كلفة.
ولعلَّ الجانبَ الأكثر أهمية في هذه القضية هو بُعدها الاقتصادي.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّل الأمن الذي وفّرته الولايات المتحدة أحد الأسس غير المرئية للاقتصاد العالمي. وقد استفادت واشنطن من هذه المعادلة بقدر ما استفاد منها حلفاؤها. فالدولار أصبح العملة العالمية الأولى في ظلِّ نظامٍ دولي تضمنه القوة الأميركية، فيما ازدهرت التجارة العالمية تحت حماية الممرات البحرية التي تؤمّنها الأساطيل الأميركية.
لكن الحفاظ على هذا النظام لم يكن مجانيًا.
فالحروب والتدخّلات العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة منذ مطلع القرن الحالي كلّفت الاقتصاد الأميركي تريليونات الدولارات، في وقتٍ يتصاعد فيه التنافس الاقتصادي والتكنولوجي مع الصين وتزداد فيه أعباء الدين العام والعجز المالي. ولذلك يتنامى داخل الولايات المتحدة نقاش جدي حول ما إذا كانت فوائد الانتشار العسكري العالمي لا تزال تُبرّر تكاليفه المتزايدة.
والواقع أنَّ السؤال لم يعد يتعلق فقط بقدرة واشنطن على تمويل هذه الشبكة، بل أيضًا بقدرتها على إقناع الآخرين بالاستمرار في استضافتها.
هذا لا يعني أنَّ الولايات المتحدة في طريقها إلى الانكفاء أو فقدان مكانتها كأقوى قوة عسكرية في العالم. فالفارق بينها وبين أيِّ منافس مُحتَمَل لا يزال كبيرًا. لكن التاريخ يعلّمنا أنَّ الهيمنة لا تتراجع عادة بسبب هزيمة عسكرية مباشرة، بل لأنَّ كلفة الحفاظ عليها تصبح أعلى من العائد الذي توفّره.
ولعلَّ هذا ما يجعل النقاش حول القواعد العسكرية الأميركية أكثر أهمية مما يبدو للوهلة الأولى. فالقضية ليست عدد الجنود أو الطائرات أو السفن المنتشرة حول العالم، بل طبيعة العقد غير المكتوب الذي سمح للولايات المتحدة بتحويل أراضي عشرات الدول إلى امتدادٍ لقدرتها الاستراتيجية.
طوال عقود، اعتقد العالم أنَّ سرَّ القوة الأميركية يكمن في حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية والتفوُّق التكنولوجي. لكن الحقيقة الأعمق أنَّ واشنطن بنت أقوى منظومة نفوذ في العصر الحديث لأنها حصلت على ما لم تحصل عليه أي قوة أخرى: موافقة عشرات الدول على تحويل جُزءٍ من جغرافيتها إلى امتدادٍ لنفوذها.
والسؤال الذي قد يحدد شكل النظام الدولي في العقود المقبلة ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى القوة الأعظم، بل ما إذا كانت الدول الأخرى ستبقى مستعدّة لمنحها الامتياز الذي قامت عليه تلك القوة منذ عام 1945: حق الوصول إلى العالم.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



