لبنان وإسرائيل… سبعة عقود من الاتفاقات وإدارة الصراع (5 من 5)

من اتفاقية الهدنة عام 1949 إلى تفاهمات وقف إطلاق النار الأخيرة، شهدت العلاقة بين لبنان وإسرائيل محطات قانونية وسياسية متباينة كثيرًا ما اختلطت في الوعي العام. في هذه الخماسية، تتتبع “أسواق العرب” هذه الوثائق، لتوضح كيف تطورت، وما الذي بقي منها، وما الذي تغيّر عبر أكثر من سبعة عقود.

الرئيس جوزيف عون بين الرئيسين نبيه بري ونواف سلام: نجاح أي اتفاق يبدأ بتوحيد الموقف الرسمي اللبناني، قبل أي ضمانات خارجية.

الحلقة الخامسة والأخيرة

من اتفاق واشنطن إلى الهدنة… هل يملك لبنان بديلًا؟

 

كابي طبراني*

على امتداد أكثر من سبعة عقود، لم تنقطع محاولات تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل، رُغمَ تعاقب الحروب وتبدُّل موازين القوى في المنطقة. فمن اتفاقية الهدنة عام 1949، إلى اتفاق 17 أيار (مايو) 1983، مرورًا بتفاهم نيسان (أبريل) 1996، والقرار 1701، واتفاق الإطار عام 2020، ثم اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، وصولًا إلى تفاهمات وقف إطلاق النار الأخيرة، بقي الهدف المعلن واحدًا: منع انفجار الجبهة الجنوبية وتحويلها من ساحة حرب مفتوحة إلى حدودٍ أكثر استقرارًا.

وفي هذا السياق، جاء اتفاق واشنطن الأخير بوصفه محاولة جديدة لمعالجة الملفات التي بقيت عالقة بعد الحرب الأخيرة. فهو ليس معاهدة سلام، ولا اتفاقًا للتطبيع، بل إطارٌ سياسي وأمني يهدف إلى استكمال تنفيذ القرار 1701، من خلال معالجة ملفات الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتسوية النقاط الحدودية العالقة ضمن رعاية أميركية ومشاركة دولية.

غير أنَّ أهمية الاتفاق لا تكمن في نصوصه وحدها، بل في توقيته أيضًا. فهو يأتي في مرحلةٍ يشهد فيها الجنوب تحوّلات غير مسبوقة، مع القرار بإنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، والبحث عن ترتيبات دولية جديدة لمواكبة تنفيذ القرار 1701، في وقتٍ تتمسك إسرائيل بترتيبات أمنية خاصة بها، بينما يسعى لبنان إلى الحفاظ على المظلة الدولية التي رافقت استقرار الجنوب طوال ما يقارب عقدين.

ورُغمَ هذه التعقيدات، يجد لبنان نفسه أمام فرصة قد لا تتكرر بسهولة. فهذه هي المرة الأولى منذ سنوات التي يتوافر فيها اهتمام أميركي مباشر وناشط بإعادة ترتيب الوضع على الحدود الجنوبية، ضمن مسارٍ يحظى برعاية دولية واسعة، ويترافق مع دعم واضح لمؤسسات الدولة اللبنانية. لكن هذه الفرصة لا تعني أنَّ الطريق أصبح مُعبَّدًا، إذ تبقى رهينة قدرة الأطراف على ترجمة التفاهمات إلى وقائع، وعلى التوفيق بين المطالب اللبنانية والاعتبارات الأمنية التي تطرحها إسرائيل.

ومن هنا، لا يقتصر السؤال على مضمون اتفاق واشنطن، بل يتجاوزه إلى سؤال أكثر عُمقًا: هل يملك لبنان اليوم بديلًا عمليًا يحقق الانسحاب الإسرائيلي، ويعيد السلطة الأمنية إلى الدولة، ويحافظ على الاستقرار، إذا تعثّر هذا المسار؟ أم أنَّ التحدّي الحقيقي، كما أثبتت التجارب السابقة، يبقى في كيفية تنفيذ الاتفاقات لا في توقيعها؟

هل يملك لبنان بديلًا عمليًا؟

إذا كان “اتفاق الإطار” الثلاثي الذي وُقِّعَ أخيرًا في واشنطن قد أثار انقسامًا سياسيًا داخل لبنان، فإنَّ الحكم عليه لا ينبغي أن يقتصرَ على مواقف المؤيدين أو المعارضين. فالقاعدة التي أظهرتها تجارب العقود السبعة الماضية هي أنَّ الاتفاقات الدولية لا تُقاس فقط بما تثيره من سجالات، بل أيضًا بما تتيحه من فرص، وبالبدائل الواقعية المتاحة إذا تعثّر تنفيذها.

ومن هذا المنطلق، يبرز السؤال الأساسي: إذا تعثّر اتفاق واشنطن، فما هو البديل الذي يملكه لبنان؟ وهل يستطيع، في ظل موازين القوى الراهنة، أن يحقق انسحابًا إسرائيليًا كاملًا، ويثبّت وقف إطلاق النار، ويُعيد إعمار الجنوب، من دون إطار تفاوضي يحظى برعاية وضمانات دولية؟

في الواقع، لا تختلف الأهداف التي يتحدّث عنها الاتفاق، في جوهرها، عن المطالب التي رفعتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة أمام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي: إنهاء الاحتلال، وتطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. ومن هذه الزاوية، لا يمثل الاتفاق خروجًا على الثوابت اللبنانية، بل محاولة لترجمتها إلى آليات تنفيذية.

غير أنَّ توافق الأهداف المُعلنة مع الموقف اللبناني لا يكفي وحده للحُكم على نجاح الاتفاق. فالعبرة ليست بالنصوص، بل بالكيفية التي ستُنفَّذ بها، وبطبيعة الضمانات الدولية التي سترافقها، وبمصير القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل الترتيبات الأمنية، وآليات الرقابة الدولية، وما إذا كانت إسرائيل ستلتزم انسحابًا كاملًا أم ستسعى إلى فرض وقائع أمنية جديدة على الأرض.

وهنا تبرز أهمية التجربة التاريخية. فمعظم الاتفاقات التي تناولتها هذه السلسلة لم تفشل لأنَّ أهدافها كانت خاطئة، بل لأنها اصطدمت بتبدُّلات موازين القوى، والانقسامات الداخلية، وضعف آليات التنفيذ، أو غياب الإرادة الدولية الكافية لفرض الالتزامات على جميع الأطراف.

ولذلك، فإنَّ السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل نقبل اتفاق واشنطن أم نرفضه؟ بل: هل يستطيع لبنان أن يوظّفَ هذا الإطار لتحقيق مصالحه الوطنية، وأن يتمسّك بمرجعياته القانونية، وفي الوقت نفسه يمنع تحوُّل الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى وقائع دائمة تنتقص من سيادته؟

فالاتفاقات، كما أثبتت التجربة اللبنانية، ليست غاية في ذاتها، وإنما أدوات لإدارة مراحل معينة من الصراع. أما نجاحها، فيبقى مرهونًا بقدرة الدولة اللبنانية على التفاوض من موقع موحَّد، وبوجود ضمانات دولية تكفل تنفيذ الالتزامات بصورة متوازنة بين جميع الأطراف.

من يضمن تنفيذ الاتفاق؟

تكشف تجربة أكثر من سبعة عقود أنَّ الاتفاقات بين لبنان وإسرائيل لم تكن تتعثر، في معظم الأحيان، بسبب نصوصها، بل بسبب غياب آليات تضمن تنفيذها بصورة متوازنة. فقد بقيت اتفاقية الهدنة قائمة قانونيًا، لكنها لم تمنع الحروب. وسقط اتفاق 17 أيار (مايو) 1983 قبل أن يدخل حيّز التنفيذ، فيما نجح القرار 1701 في وقف حرب تموز (يوليو) 2006، لكنه لم يحقق جميع أهدافه، سواء لجهة الانسحاب الإسرائيلي الكامل، أو سحب سلاح “حزب الله”، أو تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على كامل الجنوب، أو وضع حد للخروقات المتبادلة.

ومن هنا، لا تكمن أهمية اتفاق واشنطن في نصوصه وحدها، بل في قدرته على توفير آليات تنفيذ ورقابة تَحُول دون تكرار ما شهدته الاتفاقات السابقة. فنجاح أي تفاهم لن يقاس بما يعلنه من مبادئ، بل بقدرته على ضمان الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني مع سحب سلاح “حزب الله”، ومنع العودة إلى دوامة المواجهات.

غير أنَّ هذا التحدي يواجه اليوم واقعًا جديدًا لم يكن قائمًا عند صدور القرار 1701. فقد اتُّخذ القرار بإنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، بعد تمديد ولايتها للمرة الأخيرة حتى نهاية عام 2026، الأمر الذي يفتح مرحلة جديدة لم يعرفها الجنوب منذ عام 1978. وبذلك، لم يعد السؤال ما إذا كانت المهمة ستُمدَّد، بل كيف سيُدار الجنوب بعد انتهاء وجود القوة الدولية التي تولت، طوال ما يقارب نصف قرن، مراقبة تنفيذ القرارات الدولية والمساهمة في حفظ الاستقرار.

وفي مواجهة هذا الاستحقاق، يسعى لبنان، بالتعاون مع فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وإيرلندا، إلى إيجاد قوة دولية تتولى بعض المهمات التي اضطلعت بها اليونيفيل. غير أنَّ هذا المسعى يصطدم برفضٍ إسرائيلي، فيما لا تُبدي الولايات المتحدة حتى الآن حماسة واضحة له، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الضمانات الدولية التي ستواكب تنفيذ أي تفاهمات جديدة.

لا يقتصر الخلاف على مستقبل القوة الدولية، بل يمتد إلى طبيعة الترتيبات الأمنية نفسها. فإسرائيل لا تخفي رغبتها في الاحتفاظ بمنطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، أو بترتيبات تتيح لها التدخل عسكريًا متى اعتبرت أنَّ تهديدًا جديدًا قد نشأ على حدودها. وفي المقابل، يتمسّك لبنان بانسحاب إسرائيلي كامل، وبالمرجعيات القانونية التي أرساها القرار 1701 واتفاقية الهدنة، ويرفض أي ترتيبات تُبقي جزءًا من أراضيه خارج سيادته الفعلية.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في ظل الدمار الواسع الذي أصاب القرى والبلدات الحدودية خلال الحرب الأخيرة. فإذا اقترنت إقامة منطقة أمنية باستمرار منع عودة السكان إلى بعض المناطق، أو بتحويل الشريط الحدودي إلى منطقة عازلة، فإنَّ ذلك لن يكون مجرد إجراء أمني مؤقت، بل سيؤسس لواقع جغرافي وسياسي جديد ستكون له انعكاسات مباشرة على السيادة اللبنانية، وعلى أيِّ اتفاق يراد له أن يحقق استقرارًا دائمًا.

ولهذا، فإنَّ نجاح اتفاق واشنطن لن يتوقف على الإرادة السياسية وحدها، بل على وجود منظومة واضحة من الضمانات الدولية، وآليات رقابة فعالة، والتزام متوازن من جميع الأطراف بتنفيذ ما يُتفق عليه. فالتجربة اللبنانية تثبت أنَّ أيَّ اتفاق، مهما بلغت أهميته، يبقى معرَّضًا لأن يتحول إلى وثيقة جديدة تُضاف إلى أرشيف الاتفاقات غير المكتملة، إذا لم يقترن بآليات تنفيذ ملزمة وقابلة للاستمرار.

هل تستطيع الدولة وحدها تنفيذ أي اتفاق؟

تكشف التجربة اللبنانية منذ اتفاقية الهدنة عام 1949 حقيقة ثابتة، هي أنَّ الاتفاقات المتعلقة بإسرائيل لا تُبرَمُ إلّا بين الدول، ولا يتحمّل مسؤولية تنفيذها أمام المجتمع الدولي إلّا الدول نفسها. ولذلك، فإنَّ نجاح أي اتفاق مستقبلي يبقى مرتبطًا أولًا بقدرة الدولة اللبنانية على ممارسة سلطتها الكاملة على أراضيها، وتمثيل جميع اللبنانيين في قرارات الحرب والسلم. ولا يعني ذلك أنَّ الدولة اللبنانية كانت مسؤولة عن تعثُّر جميع الاتفاقات السابقة، إذ إنَّ انهيارَ عددٍ منها ارتبط بتدخُّلات خارجية وصراعات داخلية تجاوزت سلطة الدولة وقدرتها على فرض قراراتها.

ومن هذا المنطلق، لم تعد قضية السلاح خارج إطار الدولة مجرّد خلافٍ سياسي داخلي، بل أصبحت جُزءًا أساسيًا من قدرة لبنان على تنفيذ التزاماته الدولية. فالقرار 1559 دعا إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، ثم أعاد القرار 1701 التأكيد على هذا المبدَإِ ضمن منظومة القرارات الدولية الخاصة بلبنان.

ولا يختلف اللبنانيون على حق الدولة في الدفاع عن سيادتها، لكنهم يختلفون حول الوسيلة التي تحقق ذلك. فبينما يرى “حزب الله” أنَّ الاحتفاظ بسلاحه يشكّل عنصر ردع في مواجهة إسرائيل، تعتبر قوى لبنانية أخرى أنَّ هذا السلاح بات مرتبطًا بالاستراتيجية الإقليمية الإيرانية أكثر من ارتباطه بمتطلبات الدفاع اللبناني، وأنَّ الأحداث الأخيرة أظهرت محدودية قدرته على منع إسرائيل من تنفيذ عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. ومن هنا، ترى هذه القوى أنَّ حصرَ قرار الحرب والسلم بيد الدولة أصبح شرطًا أساسيًا لاستعادة السيادة الكاملة، ولتمكين لبنان من التفاوض وتنفيذ التزاماته باسم جميع مواطنيه.

ومع ذلك، فإنَّ التجربة اللبنانية تُظهر أيضًا أنَّ معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتمَّ بقرارات خارجية أو بشعارات سياسية، بل عبر مسارٍ لبناني داخلي يُعيدُ بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، ويؤمّن انتقالًا تدريجيًا ومنظَّمًا لمسؤولية الدفاع عن الحدود إلى المؤسسات الشرعية، ضمن توافق وطني يحفظ الاستقرار ويجنّب البلاد صدامات داخلية جديدة.

ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى اتفاق واشنطن باعتباره حلًّا نهائيًا لهذه الإشكالية، بل باعتباره إطارًا قد يساعد الدولة اللبنانية على استعادة دورها تدريجيًا، إذا اقترن بتنفيذ متوازن لجميع الالتزامات، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، واستمرار الدعم الدولي للمؤسسات الشرعية.

وفي نهاية المطاف، لن يتوقف نجاح أي اتفاق على مصير سلاح “حزب الله” وحده، بل على قدرة الدولة اللبنانية على أن تصبح المرجعية الوحيدة القادرة على حماية الحدود، وتنفيذ الاتفاقات، وتحمُّل مسؤولياتها أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي. فهذه ليست قضية ترتبط باتفاق واشنطن وحده، بل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها.

فرصة قد لا تتكرّر

يقف لبنان اليوم أمام واحدة من أهم اللحظات السياسية منذ صدور القرار 1701. فبعد عقود من الحروب والوساطات والقرارات الدولية، يتوافر للمرة الأولى منذ سنوات مسار سياسي يحظى برعاية أميركية مباشرة قوية وبدعمٍ دولي واسع، هدفه استكمال تنفيذ القرار 1701، واستعادة الاستقرار على الحدود الجنوبية، وتهيئة الظروف لعودة الدولة اللبنانية إلى ممارسة دورها الكامل.

وتزداد أهمية هذه اللحظة في ظل اهتمام الإدارة الأميركية الحالية بالملف اللبناني، وسعيها إلى الدفع نحو تسوية تضع حدًا لدورات المواجهة المتكررة، بالتوازي مع استعداد المجتمع الدولي لدعم الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة، وربط إعادة إعمار الجنوب بقيام سلطة شرعية قادرة على بسط سيادتها وتنفيذ التزاماتها.

غير أنَّ هذه الفرصة لا تخلو من مخاطر كبيرة. فقرار إنهاء مهمة اليونيفيل يفتح مرحلة جديدة لم تتضح معالمها بعد، فيما لا يزال مستقبل القوة الدولية البديلة موضع خلاف، وتتمسك إسرائيل بترتيبات أمنية تعتبرها ضرورية لأمنها، في حين يتمسّك لبنان بانسحاب كامل من أراضيه وبالمرجعيات القانونية التي أرساها القرار 1701 واتفاقية الهدنة.

ويزداد المشهد تعقيدًا في ظلِّ الدمار الواسع الذي أصاب القرى والبلدات الحدودية، وما يرافقه من مخاوف من أن تتحوّل بعض الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى وقائع دائمة، إذا لم تُدعَم أي تفاهمات جديدة بضمانات دولية واضحة، وبقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها على كامل أراضيها.

ولذلك، فإن السؤال الذي يواجه لبنان اليوم لم يعد يقتصر على قبول اتفاق واشنطن أو رفضه، بل أصبح أعمق من ذلك: هل يستطيع استثمار هذه اللحظة الدولية والإقليمية لإعادة بناء الدولة، أم ستضيع فرصة جديدة كما ضاعت فرص كثيرة خلال العقود الماضية؟

الهدنة… الطريق الأكثر واقعية؟

بعد أكثر من سبعين عامًا من الاتفاقات والقرارات الدولية، يصعب القول إنَّ وثيقة واحدة نجحت في إنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل. فقد أوقفت بعض الاتفاقات الحروب، ونظمت أخرى خطوط وقف إطلاق النار أو آليات التفاوض، لكنها جميعًا بقيت رهينة موازين القوى ولم تتحوّل إلى سلامٍ دائم.

ومع ذلك، تكشف التجربة الطويلة حقيقة يصعب تجاهلها. فكلما اندلعت مواجهة جديدة، عاد المجتمع الدولي إلى المرجعيات نفسها: اتفاقية الهدنة، والقرار 1701، والوساطة الأميركية، وآليات الأمم المتحدة. وكأن سبعة عقود من الأزمات لم تنتج مرجعية قانونية أكثر رسوخًا من تلك التي وُضعت في السنوات الأولى بعد قيام دولة إسرائيل، بل أضافت إليها أدوات جديدة لإدارة الأزمات كلما تجددت. فالبديل الوحيد الذي طُرح، ورفضته الدولة اللبنانية، هو ربط إطار التفاهم اللبناني، على الصعيد الدولي والإقليمي، ب”تفاهم إسلام آباد” القائم على وساطة باكستانية، لكنه يربط الوضع اللبناني بما يوافق عليه الإيرانيون.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو اتفاق واشنطن قطيعة مع ما سبقه، بل حلقة جديدة في مسار بدأ باتفاقية الهدنة عام 1949، وتطور عبر محطات متعددة، هدفها جميعًا منع تحول الحدود اللبنانية–الإسرائيلية إلى ساحة حرب مفتوحة. وقد لا يكون الاتفاق مثاليًا، لكنه قد يوفر للبنان، إذا نُفذ بصورة متوازنة، فرصة لتحقيق ما طالبت به الدولة اللبنانية منذ سنوات: انسحاب إسرائيلي كامل، وانتشار الجيش اللبناني، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة إطلاق الحياة الطبيعية في الجنوب، ضمن إطار يحظى بضمانات دولية.

غير أنَّ نجاح هذا المسار لن يتوقف على النصوص وحدها. فهو يرتبط أولًا بقدرة الدولة اللبنانية على أن تكون المرجعية الوحيدة في تنفيذ التزاماتها، وبقدرة المجتمع الدولي على توفير الضمانات اللازمة لتطبيقها بصورة متوازنة، وباستعداد جميع الأطراف لاحترام المرجعيات القانونية التي حكمت العلاقة بين لبنان وإسرائيل طوال العقود الماضية.

لقد أثبتت سبعة عقود من الاتفاقات أن الوثائق تستطيع أن توقف الحروب، لكنها لا تستطيع أن تبني الدول. وحدها الدولة القادرة على احتكار قرار الحرب والسلم، وحماية حدودها، وتنفيذ التزاماتها، تستطيع أن تحول الهدنة من وثيقة قانونية صمدت عبر الزمن إلى قاعدة لاستقرار أكثر استدامة. وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم، كما إنه الفرصة التي قد لا تتكرر.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى