غَوصُ الشفَق في بحر القلق

هنري زغيب*

لا تُعادل عندي متعة كتابة الشعر إِلَّا متعة “الكتابة عن الشعر”: فيها الدخول إِلى أَسرار موهبة أُعجوبية، بين كلمة وأُختها، أَو بين حرف وبَديله، تَنقُل النص من نظْمٍ بليدٍ إِلى دهشة القصيدة..

هذا ما دفعَني من زمانٍ، ولا يزال، إِلى نُصرة القصيدة الكلاسيكية (عمُوديِّها أَو تدويريِّها) بالانتماء إِليها، وبتنبيه صاحبها إِلى خطَر وقوعه في الاختباء وراء البحر أَو الوزن أَو التفعيلة، لدَسّ كلماتٍ أَو عباراتٍ أَو التطريب في إِلقائها، وهذا هو الانحدار إِلى النظْم دون الشعر، وشَقْع أَبياتٍ باردةٍ لا يلتمع فيها بيتُ شعرٍ واحدٌ يستاهل الدخولَ إِلى حرَم الإِبداع، أَو يستحقُّ شرَفَ السُكنى في القصيدة.. وهنا متعة “الكتابة عن الشعر” وتبيانُ ما فيه من لُمَعٍ وعذوبة..

أَكتُب، وأَمامي جديدُ رشيد درباس “تمارينُ على بحر القلق” (“دار النهار”-120 صفحة).. يَضمُّ 32 قصيدة (أُولاها مشتَرَكة)، وفي معظمها “تمارينُ” عصيَّةٌ، طوَّعها الشاعر باعتماده أَرويةً صعبةً (ج، ض، ذ، ش، ط، ز، …) وبحورًا مجْتَزَأُها شبْهُ مهجور، ليُطْلِع منها قصائدَ مضاءةً بصناعةٍ لا يأْتيها إِلَّا الماهرُ الصَنَاع، والشعر في جوهره صناعةُ الدهشة والمباغتة..

في “الكتابة عن الشعر” متعةُ فكِّ الأَسرار التي تَفوح بالمباغتة الجميلة.. منها تَزاوُجُ كلمَتَين غير مأْلوفٍ تَجاوُرُهما: “بحر القلق”، “وقود هواء”، “مقامات الحُرَق”، “جرودٌ تَتَأَنَّق”، “مراكب الشمس”، … ومنها ضَمُّ محسوس إِلى غير محسوس”: “نجوم المائدة”، “أَكفاني نصوصٌ خبَت”، “دبيبُ القَلَق”، “لونُ رونَق”، …

من تلك المتعة أَيضًا، الكتابةُ عن الكتابة: “النص حمَّال رؤًى وبالرؤَى يعزَّزُ”.. وهذا جوهرٌ آخرُ من أَسرار الشعر: فيضُ المعنى على “معنى المعنى” كما حدَّدَه جدُّنا عبدالقاهر الجرجاني (“دلائل الإِعجاز”).. وهو ما أَلمح إِليه كاتبُ المقدِّمة البليغةِ الدلالاتِ عبدالكريم شنَينة بأَنَّ “رشيد درباس يُطلُّ علينا بوجدانيَّاتِ رجُلٍ في العقْد التاسع، بما تبَقَّى له من شغَفٍ يحاول أَن يقبض على ملامح طفولته…”.. لكنَّ ذاك الــ”رجل في العقد التاسع” كان كتَب في “وصيَّته”: “… فأَرجأْتُ الذَهابَ بزَعم أَنِّي لم أُكمِّلْ بعدُ أَبياتَ القصيدة”، فتولَدُ فيه طفولة متجدِّدة لا لمواصلة العمر بل لإِكمال القصيدة..

حداثةُ رشيد درباس لا تَقتلع الجذور بل تنتمي إِليها وتجدِّد من داخلها.. هذا هو التجديد الفاعل المؤَثِّر المستدام.. ويَصْدُقُ عبد الكريم شنينة في أَنَّ درباس “لا ينتمي مضَضًا إِلى ذاكرة التراث بل يَعرف كيف يَنفضُ عن رفوفه غبارها”.. وبين قصيدة وأُخرى تتلاقحُ “التمارين” بلُقيَّاتٍ ملوَّنة من قلب اللغة، خلعَت عنها صعوبة الاستعمال، وتزيَّت بالحديث المعاصر، فباتت في الاستعمال المتوافر، ليكون الشعر بها مدخلًا إِلى إِثراء اللغةِ بجديدٍ كان فيها إِنما لم يصطَدْ لآلئَهُ مغامر.. وليس كالشعراء مَن يتجرَّأُ على اللغة، يستولدُها من مخزونها، أَو يشتقُّ منها ما ليس دخيلًا على نُظُمِها والأُصول..

شُو يعني التجرُّؤ؟ يعني أَن يتخلَّى الشاعر عن تكرار عباراتٍ مأْلوفة مكرَّرة مستخدَمة (أَحيانًا بَبَّغائيًّا)، فيُشيح عنها لا إِلى تراكيبَ من دون قياسٍ بل إِلى عباراتٍ سائغةٍ تُبْقيه في جسد اللغة، ولا تَنْفُر إِلى التجديد المرتَجَل بحجة التجديد.. أَما مقولة “يحقُّ للشاعر ما لا يحقُّ لغيره” فساقطةٌ سَلَفًا وملعونةٌ أَبدًا، لأَن الشاعرَ الشاعرَ مَن يتشدَّد في الالتزام بأُصول الشعر وقواعد اللغة ويجدِّد من داخلها..

بعد كلِّ هذا الأَعلاه، أَطوي الصفحة الأَخيرة من “تمارين” رشيد درباس، ممتَنًّا له إِقراره بــ”التمارين”، وهو أَجادَ فيها وبَرَع، وننتظر منه تمارينَ تاليةً، لنكسب في الشعر محاولاتٍ تظَلُّ الأُولى كي تبقى لدينا متعةُ الانتظار، فالانتظارُ مَدخلٌ جميلٌ إِلى دهشة القصيدة..

والشاعر الشاعر مَن يُمضي حياته “متمرِّنًا” يَكتب قصيدةً أُولى.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى