الاتفاقُ النووي بين واشنطن والرياض… أكثرُ من مشروعِ طاقة وأبعدُ من اتفاقٍ ثُنائي

محمد زين الدين*

طوال عقود، ارتبطت العلاقات السعودية-الأميركية بثلاث ركائز رئيسية: النفط، والأمن، والاستقرار الإقليمي. غير أنَّ التحوُّلات التي شهدها الاقتصاد العالمي، إلى جانب التغيُّرات في أسواق الطاقة والتكنولوجيا، دفعت هذه العلاقة إلى دخول مرحلة جديدة تشمل الصناعات المتقدّمة والابتكار. ويأتي الاتفاق النووي المدني الذي وقّعته الرياض وواشنطن أخيرًا ليُجسِّد هذا التحوُّل، ليس لأنه يضيف مصدرًا جديدًا للطاقة للمملكة فحسب، بل لأنه يؤسّس لشراكة طويلة الأمد في قطاعٍ باتَ أحد أهم عناصر الأمن الاقتصادي والتنافس التكنولوجي العالمي.

فالطاقة النووية لم تعد تُعامَل بوصفها خيارًا لإنتاج الكهرباء فقط، بل أصبحت عنصرًا في استراتيجيات الدول لتأمين إمداداتٍ مُستقرّة ومُنخفِضة الانبعاثات. ومع تزايُد الطلب على الكهرباء بفعل النمو الصناعي والتوسُّع في مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، عادت دول عديدة إلى الاستثمار في المفاعلات النووية بعد سنوات من التراجع، أو إلى تمديد العمر التشغيلي لمنشآتها القائمة.

في هذا السياق، يكتسب الاتفاق السعودي-الأميركي أهمية تتجاوز حدوده الثنائية. فالمملكة، التي تمضي في تنفيذ مستهدفات “رؤية 2030″، تسعى إلى تنويع مزيج الطاقة وتقليل استخدام النفط في توليد الكهرباء، بما يتيح توجيه كميات أكبر منه إلى التصدير أو إلى الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة. أما الولايات المتحدة، فترى في المشروع فرصةً لتعزيز حضور شركاتها في سوقٍ عالمية تشهد منافسة متصاعدة، واستعادة موقع أكثر فاعلية في قطاع استراتيجي يمتدُّ أثره لعقود.

ولم يكن الوصول إلى الاتفاق وليد اللحظة، بل جاء بعد سنوات من المفاوضات التي تداخلت خلالها اعتبارات سياسية وأمنية وإقليمية، قبل أن يتجه الطرفان إلى اعتماد التعاون النووي المدني مسارًا مستقلًا. وبموجب ما يُعرف في القانون الأميركي بـ”اتفاقية 123″، يُفتَحُ المجال أمام نقل المعدات والخبرات النووية المدنية الأميركية، ومشاركة شركات مثل “ويستنغهاوس” في مشاريع المفاعلات السعودية، ضمن الضوابط والترتيبات المنصوص عليها في الاتفاقية.

ولا يمكن فصل هذه الاعتبارات عن البيئة الإقليمية التي يتطوّر فيها البرنامج النووي السعودي. فاستمرار الجدل الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، وما يرتبط به من تحدّيات تتعلق بالانتشار النووي وأمن الخليج، جعل أيَّ تعاونٍ نووي مدني في المنطقة يحظى بدرجة عالية من التدقيق السياسي والقانوني. وفي هذا السياق، لا يقتصر الاتفاق السعودي-الأميركي على الجوانب التقنية، بل يوفّر أيضًا إطارًا مؤسّسيًا واضحًا للتعاون النووي المدني، ينسجم مع متطلبات الرقابة الدولية ويمنح الطرفين أساسًا قانونيًا مستقرًّا لتطوير هذا القطاع.

ولعلَّ أبرز ما يُميِّز البرنامج النووي السعودي أنه لم يُبنَ على خيارٍ دولي واحد، بل على سياسة تنويع الشركاء. فمنذ أكثر من عقد، فتحت الرياض قنوات تعاون مع عدد من الدول المالكة للتقنيات النووية، وفي مقدمتها الصين، إلى جانب كوريا الجنوبية وفرنسا وروسيا، بما أتاح لها تقييم نماذج مختلفة للمفاعلات وبناء قاعدة معرفية وتقنية واسعة. وفي هذا الإطار، شهد التعاون مع الصين خطوات مهمة، شملت دراسات مشتركة للمفاعلات عالية الحرارة، واستكشاف موارد اليورانيوم، وطرح عروض للمشاركة في بناء أول محطة نووية سعودية.

ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى دخول الولايات المتحدة بوصفه بديلًا من التعاون السعودي مع الصين أو غيرها، بل إضافة إلى شبكة الشراكات التي بنتها الرياض تدريجيًا. إلّا أنَّ الاتفاق الأميركي يختلف من حيث طبيعته القانونية والاستراتيجية؛ فهو لا يقتصر على مذكرة تفاهم أو دراسة فنية، بل يضع إطارًا رسميًا لنقل التكنولوجيا والمواد والخدمات النووية الأميركية، ويمنح الشركات الأميركية قاعدة قانونية واضحة للمنافسة على المشاريع السعودية.

أما من وجهة النظر الأميركية، فإنَّ هذه المنافسة تشكّل جُزءًا أساسيًا من جاذبية الاتفاق. فاستبعاد الشركات الأميركية من البرنامج السعودي كان سيمنح الصين أو روسيا أو كوريا الجنوبية فرصةً أوسع لترسيخ وجودها في قطاعٍ لا تتوقف أهميته عند بناء المفاعلات، بل يشمل الوقود والصيانة والتدريب وسلاسل الإمداد والخدمات الفنية. وبما أنَّ المنشآت النووية تعمل لعشرات السنين، فإنَّ الدولة التي توفّر التكنولوجيا الرئيسية تتحوّل غالبًا إلى شريكٍ صناعي وتقني طويل الأمد.

وفي المقابل، تستفيد السعودية من المنافسة بين العارضين الدوليين للحصول على شروط تمويل أفضل، ومستوى أكبر من نقل المعرفة، وفرص أوسع لتوطين الصناعة وإعداد الكفاءات الوطنية. وبذلك، تتحوّل سياسة تعدُّد الشركاء من مجرد موازنة سياسية بين القوى الكبرى إلى أداةٍ تفاوضية واقتصادية تساعد المملكة على اختيار التقنيات الأكثر ملاءمة لأهدافها التنموية.

ولا تكمن أهمية الاتفاق في إنشاء المفاعلات وحدها، بل في طبيعة العلاقة التي ينشئها. فالمشاريع النووية ليست عقودًا قصيرة الأجل، وإنما شراكات تمتد لعقود وتشمل التدريب والصيانة والوقود والرقابة الفنية وتحديث الأنظمة. ولهذا، فإنَّ التعاون في هذا القطاع يخلق شبكة متداخلة من المصالح العلمية والصناعية، ويمنح العلاقة بين الطرفين قدرًا أكبر من الاستمرارية.

ويظلُّ البرنامج النووي السعودي، مثل غيره من البرامج المدنية، مُرتبطًا بمنظومة الضمانات الدولية والدور الرقابي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وستُحدِّدُ التفاصيل التنفيذية والدراسات الفنية اللاحقة نطاق التعاون في المجالات الحساسة، إلى جانب طبيعة المشاريع التي ستُطرح على الشركات الدولية وآليات الإشراف عليها.

وفي المحصّلة، قد لا تكون القيمة الحقيقية للاتفاق السعودي-الأميركي في عدد المفاعلات التي ستُبنى أو حجم الاستثمارات التي ستُضخ فحسب، بل في كونه يعيد واشنطن إلى ساحة منافسة كانت الصين ودول أخرى قد قطعت فيها خطوات متقدمة. فالسعودية لا تختار بين شريك واحد وآخر، بقدر ما تبني شبكة علاقات تتيح لها الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل والخبرة وفق مصالحها الوطنية.

وإذا كان النفط قد شكّل لعقود الأساس التقليدي للعلاقات السعودية-الأميركية، فإنَّ التكنولوجيا النووية والصناعات المتقدّمة قد تصبح إحدى ركائز مرحلتها المقبلة. غير أنَّ هذه الشراكة ستتطوّر داخل سوق متعددة اللاعبين، تحتفظ فيها الرياض بعلاقات وخيارات مع الصين وغيرها، بما يجعل برنامجها النووي المدني مرآة لتحوُّل أوسع: انتقال المملكة من مرحلة الاعتماد على شريك دولي رئيسي إلى مرحلة توظيف المنافسة بين القوى الكبرى لخدمة أولوياتها التنموية والاستراتيجية.

  • محمد زين الدين هو مراسل “أسواق العرب” في واشنطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى