أمين الريحاني… المُثَقَّف الذي حاوَلَ صناعةَ السلامِ العربي
في “مهمّتي السلمية في الحجاز”، لا يظهر أمين الريحاني كأديب ورحّالة فقط، بل كمثقّف عربي حاول التدخّل لوقف واحدة من أخطر لحظات الصراع في الجزيرة العربية. إنها مخطوطةٌ تكشف كيف اصطدم حلمُ السلام العربي مُبكرًا بوقائع القوة والحرب والنفوذ.

ميشال مظلوم*
يأتي كتاب “مهمتي السلمية في الحجاز” بوصفه أكثر من مجرّد مخطوطة تاريخية أُعيدَ اكتشافها ونشرها. فالعمل، الصادر إلكترونيًا عن أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني التابعة لـلجامعة اللبنانية الأميركية، على أن تصدر نسخته الورقية في تموز (يوليو) المقبل، يكشف جانبًا نادرًا من شخصية أمين الريحاني، ذلك الجانب الذي غالبًا ما ظلّ في ظل صورته الأشهر كأديبٍ لبناني مهجري ورحاّلة ومفكّر نهضوي. هنا لا يظهر الريحاني ككاتبٍ يصف الشرق، بل كرجل يحاول التدخُّل في صناعة مصيره السياسي، في لحظة كانت الجزيرة العربية تعيش واحدة من أخطر مراحل إعادة التشكُّل بعد سقوط الخلافة العثمانية وانهيار التوازنات القديمة.
فالكتاب، الممتد على نحو 130 صفحة، لا يروي رحلة جغرافية بقدر ما يوثّق رحلةً سياسية وفكرية داخل قلب الصراع بين الشريف حسين والسلطان عبد العزيز آل سعود على الحجاز والشرعية والزعامة العربية. ومنذ الصفحات الأولى، يضع الريحاني نفسه في موقع الوسيط بين الرجلين، محاولًا اقتراح تسوية تقوم على توزيع السلطة الروحية والزمنية بينهما، في محاولةٍ لتجنُّب حرب عربية ـ عربية كان يدرك مبكرًا أنَّ نتائجها لن تبقى محصورة داخل الجزيرة العربية نفسها.
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه لا يكتب التاريخ من خارجه، بل من قلبه. فالريحاني لا يتعامل مع الأحداث بوصفه مؤرّخًا لاحقًا يملك رفاهية المسافة الزمنية، بل كشاهدٍ مُنخرط في الحدث، يحمل الرسائل، ويتنقل بين الوسطاء، ويحاول التأثير في مجريات الصراع. ولذلك يكتسب النص حيوية استثنائية؛ إذ يتحوّل أحيانًا إلى ما يشبه رواية سياسية مفتوحة على البرقيات السرية والمفاوضات والمساومات والضغوط الدولية وتحرّكات الجيوش والقصف الجوي وحصار جدة. وهذا ما يمنح المخطوطة قيمتها التوثيقية الكبرى: إنها تُسجِّلُ لحظةً عربية مفصلية بينما كانت لا تزال تتشكّل.
لكن ما يجعل الكتاب أكثر إثارة للاهتمام هو أنه يكشف طبيعة المشروع الفكري والسياسي الذي كان يحمله الريحاني. فهو لا يرى الصراع في الحجاز مجرد نزاع محلي على السلطة، بل يعتبره جُزءًا من سؤالٍ أكبر يتعلّق بمستقبل العرب بعد سقوط السلطنة العثمانية. ولهذا تظهر في النص أفكار الوحدة العربية والاستقلال عن النفوذ الأجنبي ورفض الهيمنة البريطانية والفرنسية، إلى جانب محاولة تأسيس نوع من التوازن بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. ومن هنا، تبدو المخطوطة أقرب إلى وثيقة في الفكر السياسي العربي المبكر منها إلى مجرّد يوميات أو مذكرات شخصية.
غير أنَّ هذا الطموح الفكري نفسه يكشف أيضًا حدود رؤية الريحاني. فالرجل يبدو في كثيرٍ من الصفحات أسيرًا لفكرةٍ مثالية عن إمكانية التوفيق بين القوى المتصارعة عبر الحوار والإقناع الشخصي، في وقتٍ كانت المنطقة تتحرّك وفق منطق القوة العسكرية والتحالفات الدولية وموازين النفوذ. ولذلك يشعر القارئ أحيانًا أنَّ الريحاني يمنح نفسه دورًا أكبر من قدرته الفعلية على التأثير، وأنه يبالغ في تقدير قدرة المثقف الفرد على تعديل مسار التاريخ. وهذه إحدى أهم الإشكاليات النقدية في الكتاب: هل نحن أمام شاهد موضوعي على الأحداث، أم أمام مثقّف يحاول كتابة نفسه داخل الحدث بوصفه صانعًا له؟
ويزداد هذا الإحساس مع الطريقة التي يقدم بها الريحاني علاقته بالطرفين المتصارعين. فهو يقدّم نفسه كوسيط يحظى بثقة كلٍّ من الملك علي بن الحسين وعبد العزيز آل سعود، وكشخصٍ قادر على مخاطبة الجميع بلغة المصالح العربية المشتركة. ولا شك أنَّ الوثائق والرسائل المتضمنة في الكتاب تعطي هذا الادعاء قدرًا من المصداقية، لكن النبرة العامة للنص تبقى مشبعة بإحساس واضح بالدور التاريخي الذي كان الريحاني يعتقد أنه يؤديه.
ومن الناحية الأدبية، يحمل الكتاب قيمة مختلفة عن أعمال الريحاني المعروفة في أدب الرحلة. فاللغة هنا أقل شاعرية وأكثر مباشرة وتوثيقًا، لأنَّ الكاتب منشغل بالحدث السياسي أكثر من انشغاله ببناء الصور والانطباعات. ومع ذلك، يحتفظ النص بطاقة سردية عالية، تجعل القارئ يتابع تطوّرات الأحداث كما لو أنه يقرأ رواية ديبلوماسية قصيرة. فالمراسلات، والتأجيلات، والوعود، والوساطات، وحتى لحظات الفشل، تُبنى بإيقاع متوتر يعكس طبيعة المرحلة نفسها.
أما التحقيق والترجمة اللذان تولاهما أمين ألبرت الريحاني، فيُمثّلان جهدًا مهمًا في استعادة نصٍّ ظل طويلًا خارج التداول العربي. فالكتاب مكتوبٌ أصلًا بالإنكليزية، وإعادته إلى العربية ليست مجرد عملية نقل لغوي، بل إعادة وصل جزء من مشروع الريحاني الفكري بلغته الأم. والمقدمة المطوَّلة التي تسبق النص تحاول وضع المخطوطة ضمن سياق مشروعه النهضوي والسياسي، وتربطها بكتب مثل “ملوك العرب” و”قلب العراق”.
لكن المقدمة، رغم أهميتها التفسيرية، تقع أحيانًا في فخِّ الاحتفاء المفرط بالريحاني. فهي تميل إلى تقديمه بوصفه صاحب رؤية استثنائية ومشروع وحدوي مبكر، من دون أن تتوقف طويلًا عند حدود هذا المشروع أو تناقضاته أو حتى سذاجته السياسية أحيانًا أمام واقع عربي كان يتجه بسرعة نحو الانقسامات والصراعات التي ستطبع القرن العشرين بأكمله.
أما الترجمة نفسها، فتبدو حريصة على الأمانة للنص الأصلي، وهو أمرٌ يُحسب لها أكاديميًا، لكنه يجعل بعض المقاطع ثقيلة الأسلوب أو شديدة الوثوقية على حساب الانسياب الأدبي. ومع ذلك، فإنَّ هذا الخيار يبدو مفهومًا في عملٍ يُراد له أن يكون وثيقة تاريخية بقدر ما هو نص ثقافي.
في المحصّلة، لا تكمن أهمية “مهمتي السلمية في الحجاز” فقط في المعلومات التي يقدمها عن بدايات الصراع على الحجاز أو عن العلاقات بين الشريف حسين وابن سعود، بل في كونه يكشف طبيعة اللحظة العربية نفسها: لحظة كانت فيها أفكار الوحدة والاستقلال والنهضة تتصارع مع الوقائع القاسية للقوة والسلاح والتدخلات الأجنبية.
لكن القيمة الأعمق للكتاب تكمن ربما في السؤال الذي يطرحه، من دون أن يقصده دائمًا، حول دور المثقف العربي وحدود تأثيره. فالريحاني لم يكتفِ بالكتابة عن التاريخ، بل حاول التدخُّل فيه، معتقدًا أنَّ الكلمة يمكن أن تصبح أداة وساطة وصناعة سلام. غير أنَّ المخطوطة تكشف أيضًا المسافة الهائلة بين المثال والواقع، بين الحلم العربي الذي حمله المثقف النهضوي، والعالم الذي كانت تعيد تشكيله المصالح الدولية والصراعات المحلية ومنطق القوة.
ولهذا، لا يُقرأ الكتاب اليوم بوصفه وثيقة تاريخية عن عشرينيات القرن الماضي فقط، بل بوصفه مرآة مبكرة لمأزق عربي ما يزال قائمًا: مأزق البحث عن مشروع جامع في منطقة تُدار غالبًا بالتوازنات والصدامات لا بالأحلام. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو مخطوطة الريحاني أكثر راهنية مما قد يوحي به تاريخها البعيد.
- ميشال مظلوم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.