الإمارات بعد “أوبك”: حين تتقدَّمُ المصالح الوطنية على تحالفات النفط
كابي طبراني*
لم يكن انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) في بداية الأسبوع الجاري حدثًا عابرًا في مسار أسواق الطاقة، بل لحظة كاشفة لتحوُّلٍ أعمق في منطق إدارة النفط في الخليج. فمثل هذه القرارات لا تُتَّخَذ بدافعٍ اقتصاديٍّ صرف، ولا تُفهَمُ خارج سياق التنافس على النفوذ وإعادة تعريف التحالفات في منطقةٍ تعيش على وقع إعادة تشكُّلٍ مستمرّة.
على امتداد أكثر من نصف قرن، التزمت أبوظبي بقواعد اللعبة التي أرستها “أوبك”: إنتاجٌ منضبط مقابل أسعار مستقرّة. غير أنَّ هذه المعادلة بدأت تتآكل تدريجًا، خصوصًا منذ عام 2016، حين أعادت المملكة العربية السعودية تشكيل موازين القوى داخل المنظمة عبر توسيعها إلى أوبك+ ” بضم روسيا. هذا التحوُّل عزّز القدرة الجماعية على التأثير في السوق، لكنه في الوقت نفسه رسّخ مركزية القرار في أيدي عددٍ محدود من اللاعبين الكبار.
هنا تحديدًا بدأت المفارقة الإماراتية. فبينما كانت أدنوك تضخُّ استثمارات بمليارات الدولارات لرفع الطاقة الإنتاجية إلى ما يقارب 4.5 ملايين برميل يوميًا مع طموح بلوغ 5 ملايين بحلول 2027، كانت حصص “أوبك+” تُقيِّدُ الإنتاج الفعلي عند مستويات أدنى بكثير. ووفق تقديرات معهد “بايكر” للسياسات العامة في جامعة رايس الأميركية، فإنَّ الإمارات تمتلك أكبر طاقة إنتاجية فائضة غير مُستَغَلَّة داخل المنظمة، ما يعني عمليًا تجميد أصول بمليارات الدولارات. في لغة الأسواق، هذا ليس مجرّد “تنسيق إنتاج”، بل تكلفة فرصة ضائعة قد تصل إلى عشرات المليارات سنويًا.
لكن، ورُغمَ وجاهة هذا المنطق الاقتصادي، فإنَّ الانسحابَ يكشفُ أيضًا حدود النموذج الجماعي نفسه. فـ”أوبك” تقوم على افتراض أنَّ مصالح المنتجين قابلة للمواءمة، وأنَّ الانضباط الجماعي يتفوَّق على الإغراء الفردي بزيادة الإنتاج. غير أنَّ هذا الافتراض يَضعَفُ كلّما تباينت الهياكل الاقتصادية والأولويات السياسية بين الأعضاء. الإمارات، التي بنت نموذجًا اقتصاديًا أكثر تنوُّعًا وانفتاحًا، لم تعد ترى في القيود الجماعية أداةً لتعظيم المكاسب بقدر ما باتت تراها قيدًا على الطموح.
الأهم من ذلك أنَّ القرار لا يمكن فصله عن التحوُّلات في العلاقة مع السعودية. فالتباينات بين البلدين لم تعد تقتصر على ملفات النفط، بل امتدّت إلى ساحاتٍ إقليمية متعددة، من اليمن إلى السودان وليبيا. هذه الخلافات لا تعني قطيعة، لكنها تكشف عن انتقال العلاقة من شراكةٍ شبه متطابقة إلى تنافس محسوب على النفوذ. وفي مثل هذا السياق، يصبح الالتزام الصارم بقرارات تقودها الرياض أقل جاذبية لأبوظبي.
ومع ذلك، فإنَّ تصوير الانسحاب كـ”تحرُّرٍ كامل” قد يكون مبالغًا فيه. فخروج الإمارات من “أوبك” لا يعني خروجها من معادلة التأثير، بل دخولها مرحلة أكثر تعقيدًا من التوازنات. إذ إنَّ النفوذ في سوق النفط لا يُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل أيضًا بالقدرة على التنسيق. ومن دون مظلة جماعية، قد تجد أبوظبي نفسها أكثر تعرُّضًا لتقلبات السوق، وأقل قدرة على التأثير في اتجاهاته طويلة الأمد.
من زاوية الأسواق، يبدو التوقيت مدروسًا بعناية. فالإمدادات العالمية لا تزال تواجه ضغوطًا، مدفوعةً بمخاطر جيوسياسية، خصوصًا في مضيق هرمز. في هذا السياق، يمكن لأيِّ زيادة إماراتية في الإنتاج أن تُمتصَّ بسهولة نسبيًا من دون إحداث صدمة سعرية. لكن هذه المعادلة قد لا تصمد طويلًا. فإذا تراجعت التوترات أو تباطأ الطلب العالمي، فإنَّ زيادة الإنتاج غير المُنسَّق قد تدفع السوق نحو فائضٍ سريع، يُعيد سيناريوهات الانهيار السعري التي شهدناها في دورات سابقة.
هنا تحديدًا يكمن البُعدُ الأكثر حساسية في القرار. فخروج الإمارات –وهي من كبار المنتجين– قد يشجع دولًا أخرى على إعادة النظر في التزاماتها داخل “أوبك”. وقد أشار محللون، من بينهم خبير شؤون النفط في وكالة “بلومبيرغ”، خافيير بلاس، إلى أنَّ سابقة كهذه تُضعِفُ الحافز الجماعي للالتزام، وتفتح الباب أمام سلوك “كلٌّ لنفسه”. في هذه الحالة، لا يصبح السؤال ما إذا كانت “أوبك” قادرة على إدارة السوق، بل ما إذا كانت قادرة أصلًا على البقاء كإطارٍ مؤثّر.
غير أنَّ التداعيات لا تقف عند حدود الطاقة. فالقرار يعكس أيضًا أزمة أوسع في بنية العمل العربي المشترك. فالإمارات لم تُخفِ استياءها من أداء مؤسسات مثل مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، مُعتبرةً أنها عاجزة عن إنتاج مواقف مُوَحَّدة في لحظات الاختبار. وفي ظلِّ هذا التراجع، يبدو أنَّ الدول تتجه بشكلٍ متزايد نحو سياساتٍ أكثر فردانية، حتى على حساب الأطر التي ساهمت يومًا في تأسيسها.
ومع ذلك، فإنَّ الرهان على “الفردانية الاستراتيجية” يحمل مخاطره. فالتاريخ النفطي يُظهِرُ أنَّ فترات غياب التنسيق غالبًا ما تنتهي بتقلبات حادة تضرُّ بالجميع، كبارًا وصغارًا. وإذا كانت الإمارات تراهن اليوم على قدرتها على المناورة منفردة، فإنَّ السؤال الذي سيُطرح غدًا هو: إلى أيِّ مدى يمكن لدولة، مهما بلغت قدراتها، أن تُديرَ مخاطر سوق عالمية شديدة التعقيد من دون شبكة أمانٍ جماعية؟
في المحصّلة، لا يمكن اختزال قرار أبوظبي في كونه خطوة لتعظيم الإيرادات أو حتى تعبيرًا عن تباين سياسي مع الحلفاء. إنه، في جوهره، اختبارٌ لنموذجٍ كامل من إدارة الموارد والتحالفات. فإما أن يثبت أنَّ المرونة الفردية قادرة على تعويض فقدان التنسيق، أو يكشف –كما حدث في محطاتٍ سابقة– أنَّ غياب الانضباط الجماعي يفتح الباب أمام دورات عدم استقرار يصعب التحكُّم بها.
وبين هذين الاحتمالين، تبدو “أوبك” اليوم أقل تماسكًا، وتبدو أسواق النفط أكثر عُرضةً لمفاجآت المرحلة المقبلة. أما الإمارات، فقد اختارت أن تكونَ في موقع الفاعل لا المتلقي. لكن في عالم الطاقة، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، لا يكون التحكُّم في المسار دائمًا بيد مَن يُقرّر الخروج أوّلًا.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



