لُبْنَان… الوَجْهُ الآخَرُ للهُدْنَةِ البَاكِسْتَانِيَّة معَ إِيران
محمّد قوّاص*
لم تُفاجَأ إسرائيل بالتطوّرات التي جرى ترتيبها في الساعات الأخيرة التي سبقت إنذار الرئيس الأميركي دونالد ترامب. تروي مصادر داخل الدولة العبرية أنَّ حكومة بنيامين نتنياهو أخذت علمًا بورشة المفاوضات التي قادتها باكستان منذ أيام، وتلقت إشارات أميركية تؤكد جدية هذا المسار، والذي احتاج جرعات تصعيد بلغت حد تهديد ترامب بمحو الحضارة الإيرانية.
ووفق تمََوضُعٍ جديد، التفتت إسرائيل إلى معركتها التي باتت كبرى وأساسية مع لبنان. باتت الحرب ضد لبنان بلدًا وحكومةً وشعبًا. وقد أفرجت عن شراستها في هجماتها الواسعة التي طالت أنحاءً متفرقة من البلد شمال نهر الليطاني، بما فيها العاصمة بيروت.
نُفِّذت الغارات من دون إنذارٍ مسبق، في وضح النهار، لتنزل أكبر الخسائر البشرية. ولا يمكن إدراج العاصمة كهدفٍ مركزي للغارات الشاملة إلّا ضمن ما كان نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس قد توعّدا به، بانتظار أن ترفع واشنطن تحفّظاتها عمّا تعتبره مُحرَّمًا.
ليست هجمات إسرائيل وليدة ساعة أو ردّ فعل متعجّل، بل في سياق خطة كانت تنتظر ساعة صفر. والأرجح أنَّ الاتفاق المثير للجدل، الذي أوقف 39 يومًا من الحرب الأميركية-الإسرائيلية من خلال هدنة تدوم أسبوعين، منح إسرائيل ضوءًا أخضر للمضي قدماً في حرب واسعة ضد لبنان بأبعادٍ مرتفعة الحدّة شديدة الخطورة.
تسمح الهدنة مع إيران، رُغم هشاشتها، بتركيز إسرائيل جهدها العسكري على لبنان من دون أن تطالها، وفق بنود الهدنة، صواريخ إيران ومسيّراتها. تقوم إسرائيل بعملية بدأتها بـ”استهداف 100 مقر ل”حزب الله” و150 وسيلة قتالية بعشر دقائق”، وفق رواية الجيش الإسرائيلي، الذي يعد رئيس أركانه أنَّ الغارات ستستمر ضد “حزب الله” بعملية “الظلام الأبدي”.
تؤكد الواقعة ما كان نتنياهو قد ذكره من أن اتفاق وقف إطلاق النار الأميركي-الباكستاني لا يشمل لبنان، رغم ادعاء منشورات إيران بغير ذلك. لكن إسرائيل تقوم بعمليتها “الاجتثاثية” وتكاد تكون على يقين أنَّ إيران لن تتدخل دعمًا للأذرع في لبنان، كما تكون (إسرائيل) منزعجة إذا ما حصل هذا التدخل افتراضًا، لعلّه يعطّل اتفاقًا لا تستسيغه.
يعوّل لبنان على امتياز يبعده عن مصير غزة. يمتلك البلد علاقات عربية وإقليمية ودولية من شأنها التحرّك “إذا أرادت” لوقف مهزلة أن يكون من الأعراض الجانبية للصراع الدولي ضد إيران في الحرب معها أو في مراحل الهُدَن والسلم.
يدفع لبنان ثمن تسيّب عمره عقود أضعف دولته وجعل من السلاح غير الشرعي أداة تُقرّر خيارات الحرب والسلم. يدفع أيضًا ثمن ركاكة في أداء الدولة في عهدها الجديد، التي أتاحت، عن قلة قدرة أو وهن إرادة، أن يقرر “حزب الله” مواعيد الحرب لحساب طهران، وتُقرّر إسرائيل المواعيد المضادة حتى حين يهادن العالم طهران.
يخشى لبنان من أن تكون الحرب الجديدة ضده هي السبب الخفي لوقف الحرب بشكل مؤقت ضد إيران. كانت ضربات أميركية-بريطانية-إسرائيلية شديدة توالت (2024-2025) على إنزال خسائر كبرى في صفوف جماعة الحوثي في اليمن، تفسّر السلوك المتحفّظ الحذر الذي اتخذته الجماعة، والذي لم يرقَ إلى مستوى ما هو منتظر منها لدعم إيران في الحرب الأخيرة.
وكان على تلك الحرب الكبرى، التي استخدمت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل معًا في لحظة نادرة، أشدّ النيران فتكًا للقضاء على القيادات العليا في إيران والقيام بتدمير منهجي للبرنامجين النووي والصاروخي والبنى التحتية في البلاد.
تبدو الحرب ضد لبنان هي حلقة من سلسلة منذ “طوفان الأقصى” في خريف عام 2023، تهدف إلى إنهاء الظاهرة الإيرانية من الرأس إلى الأذرع. فإذا كانت “هدنة” باكستان تبرّد همم المتقاتلين بانتظار جولة أخرى من سلاح وسياسة، فإنَّ لبنان أمام أيام حرجة تُخطط لوضعه برمته أمام مصير بات مُرتبطًا وليس مُنفصلًا عن مصير ذراع أساسية من أذرع رأس يجري التعامل معه بما في ذلك حرمانه من ظله في لبنان.
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).



