حربُ إيران تُشعِلُ أسواقَ العالم: الاقتصادُ العالمي على حافةِ أزمةِ ديونٍ جديدة
لم تَعُد الحرب في إيران شأنًا جيوسياسيًا محصورًا، بل تحوّلت إلى صدمةٍ اقتصادية عالمية تضرب أسواق الطاقة وتُعيد تشكيل معادلات التضخم والديون. ومع تصاعد الضغوط على أسعار الفائدة وتكاليف التمويل، يواجه الاقتصاد العالمي خطر الانزلاق نحو أزمة ديون جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا وامتدادًا من سابقاتها.

هنري توغندهات*
في أواخر آذار (مارس)، شنّت كلٌّ من إسرائيل وإيران هجومًا على حقول الغاز في الخليج العربي، في تصعيدٍ هو الأشدّ خطورةً حتى الآن في الحرب الإيرانية. باستهدافهما البنية التحتية للطاقة، ضمن الطرفان المتحاربان أن تكون للحرب تداعيات عالمية تمتدّ لما بعد انتهاء الصراع. حتى لو صمد وقف إطلاق النار المُعلن عنه أخيرًا (في 7 نيسان/أبريل) وانتهت الحرب قريبًا، فقد يستغرق الأمر ما يصل إلى خمس سنوات لإعادة بناء البنية التحتية التي فُقدت. وإذا فشل وقف إطلاق النار واستمرّت الحرب، فإنَّ خطر المزيد من الدمار سيستمرُّ أيضًا. في عالمٍ ذي موارد محدودة، سيكون الأثرياء هم القادرون على دفع أسعار باهظة للطاقة المُتبقّية، بينما سيكون الفقراء هم الأكثر تضرُّرًا.
في الواقع، ضمنت هذه الضربات، إلى جانب الاضطرابات الأوسع نطاقًا في قطاع الطاقة التي رافقت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، حدوث صدمة في إمدادات الطاقة ستؤدي إلى ارتفاع التضخم عالميًا. إنَّ أيَّ ضربات إضافية على البنية التحتية الحيوية لإنتاج وتوزيع الطاقة من شأنها أن تُفاقم هذه الأزمة. هذه الديناميكية -الطلب الزائد على موارد محدودة- هي محرّكٌ كلاسيكي للتضخّم. فبعد الضربات مباشرة، بدأت الأسواق الأميركية تراهن على أنَّ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سيرفع أسعار الفائدة، وهي أداته الأكثر مباشرة لمكافحة التضخم. وفي خضم أزمة غلاء المعيشة الصعبة أصلًا، سيعاني الشعب الأميركي من عواقب وخيمة: فرفع أسعار الفائدة سيؤثر في تكاليف الاقتراض لنفقات مثل قروض السيارات والرهون العقارية، وارتفاع أسعار الطاقة سيرفع أسعار البنزين وأنواع الوقود الأخرى، وسيقوم مصنّعو السلع العديدة التي يعتمد عليها الناس بتحميل المستهلكين تكاليف الإنتاج المرتفعة.
غير أنَّ تداعيات التضخم والسياسات النقدية الهادفة إلى كبحه لا تتوقف عند الحدود الأميركية، بل تمتدُّ عميقًا إلى بنية الاقتصاد العالمي. فمع بقاء الجُزء الأكبر من ديون الدول مقوَّمًا بالدولار، تصبح قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي ذات أثر مباشر على قدرة الحكومات حول العالم على الوفاء بالتزاماتها المالية. وينطبق ذلك حتى على الدول التي اتجهت خلال العقدين الماضيين إلى الاقتراض من الصين، إذ تظلُّ كلفة التمويل مُرتبطة، بصورة أو بأخرى، بمسار الدولار وأسعار فائدته. وبعبارةٍ أوضح، فإنَّ أيَّ ارتفاعٍ في أسعار الفائدة الأميركية يُعيدُ رسم حدود القدرة على السداد، ويضع العديد من الاقتصادات، خصوصًا الهشّة منها، أمام ضغوطٍ مالية متزايدة.
في موازاة ذلك، تبدو فاتورة الطاقة مرشَّحة للارتفاع بغض النظر عن مآلات الحرب، ما يعني أنَّ الدول ستدفع أكثر لتشغيل صناعاتها، وتغذية شبكات الكهرباء، والحفاظ على منظومات النقل. غير أنَّ العبء لا يتوزّع بالتساوي؛ فالدول المُثقلة بالديون، ولا سيما تلك المُصنّفة ضمن الاقتصادات منخفضة الدخل، ستواجه ضغطًا مزدوجًا يتمثل في ارتفاع كلفة الطاقة وتزايد أعباء خدمة الدين. ولا فرق هنا بين أن تكون هذه الديون مستحقة لمؤسسات مالية في بكين، أو لمديري أصول في لندن، أو لبنوك تنمية متعددة الأطراف في واشنطن، إذ إنَّ العامل الحاسم يظل كلفة التمويل العالمية المرتبطة بالدولار.
هذه الكلفة الخفية للحرب تُثقل كاهل الأضعف قبل غيرهم. فعدد متزايد من الدول منخفضة الدخل يعاني أصلًا من مستويات غير مسبوقة من الديون السيادية، حيث ارتفعت نسبة الدول التي تواجه أزمات ديون من 24% عام 2013 إلى 54% عام 2024. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يلوح خطر موجة تخلُّف عن السداد في العالم النامي، وهو سيناريو قد يبدّد عقودًا من التقدُّم في مكافحة الفقر، وتحسين مؤشرات الصحة، ودعم مسارات التصنيع. وفي حال تحقق ذلك، فإنَّ الأعباء ستقع بشكلٍ غير متكافئ على الفئات الأكثر هشاشة، من الأطفال إلى كبار السن.
وفي خلفية هذا المشهد، تتردّدُ أصداء أزمة الديون الكبرى في ثمانينيات القرن الماضي، بما تحمله من دروس قاسية حول كلفة التأخر في الاستجابة. من هنا، تبرز أهمية كيفية تعاطي الدول الدائنة مع الأزمة الراهنة، إذ إنَّ سرعة وفعالية الحلول قد تحددان ما إذا كان العالم سيتجنّب تكرار أخطاء الماضي، أو سيعيد إنتاجها على نطاق أوسع، وبكلفة إنسانية واقتصادية أشد وطأة، لا سيما في ما يُعرف بـ”الجنوب العالمي”.
انهيار بنوك
ليست هذه المرة الأولى التي تجد فيها الدول النامية نفسها في قلب عاصفة مالية عالمية من هذا النوع. فخلال حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، لجأت منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) إلى سلاح الحظر النفطي ضد الدول الداعمة لإسرائيل، في خطوةٍ أعادت تشكيل أسواق الطاقة على نحو مفاجئ. وخلال ستة أشهر فقط، قفزت الأسعار العالمية بنسبة 300%، ما انعكس فورًا على قطاعات التصنيع والنقل وكلفة المعيشة في مختلف أنحاء العالم. صحيح أنَّ هذا الحظر لم يكن العامل الوحيد وراء موجة التضخم الجامح التي طبعت ذلك العقد، ولا سيما في الولايات المتحدة، لكنه شكّل عنصرًا حاسمًا ضمن مجموعة من الضغوط المتراكمة.
كما أوضح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي آنذاك، آرثر بيرنز، في أواخر السبعينيات، فإنَّ تضخم تلك المرحلة كان نتاج تداخل معقّد لعوامل عدة: من تمويل حرب فيتنام من دون موارد كافية، إلى تراجع قيمة الدولار في مطلع السبعينيات، مرورًا بالازدهار الاقتصادي العالمي في 1972-1973، ثم صدمات الغذاء الناتجة عن فشل المحاصيل، وصولًا إلى القفزات غير المسبوقة في أسعار النفط والتراجع المفاجئ في الإنتاجية. وبهذا المعنى، جاء حظر “أوبك” في قلب ما يمكن وصفه بـ”عاصفة اقتصادية كاملة”، وهي صورة لا تختلف كثيرًا عمّا يُعرف اليوم بتداخل الأزمات العالمية أو “الأزمة المتعددة”.
ورُغمَ أنَّ الدول النامية لم تكن هدفًا مباشرًا للحظر، فإنها دفعت ثمنه بصورة غير متكافئة، خصوصًا تلك غير المنتجة للنفط، التي واجهت تضاعف أسعار الوقود أربع مرات. وقدّر البنك الدولي حينها أنَّ الخسائر التجارية بلغت نحو نصف متوسط قيمة الصادرات والواردات في اقتصادات مثل البرازيل وكوريا الجنوبية، ما أدى إلى انكماش النشاط الصناعي. ومع اتساع العجز في موازين المدفوعات، اتجهت هذه الدول إلى الاقتراض من الأسواق المالية والمؤسسات متعددة الأطراف، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، لتغطية فجواتها التمويلية.
ثم جاءت صدمة نفطية ثانية مع الثورة الإيرانية عام 1979، لتُضيف مزيدًا من الضغوط على الاقتصاد العالمي وترفع مستويات التضخم إلى حدود غير مسبوقة. ففي الولايات المتحدة، ارتفع التضخم أكثر من 1% شهريًا، وهو مستوى يفوق بكثير الهدف السنوي المعتاد البالغ 2%. ولم تُكبح هذه الموجة إلا مع تولي بول فولكر رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في آب (أغسطس) 1979، واعتماده سياسة نقدية متشددة رفعت أسعار الفائدة إلى نحو 20%، في خطوة أعادت ضبط التضخم، لكنها حملت كلفة عالمية باهظة.
إذ إنَّ هذا التشديد النقدي أصاب الدول النامية بضربةٍ مزدوجة. فمن جهة، أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى تعزيز قيمة الدولار، ما رفع كلفة خدمة الديون المقوَّمة به، حيث اضطرت الحكومات إلى تخصيص موارد أكبر من عملاتها المحلية لسداد التزاماتها. ومن جهة أخرى، انعكس ذلك مباشرة على القروض ذات الفائدة المتغيرة، التي كانت تشكل جُزءًا كبيرًا من ديون هذه الدول، لترتفع مدفوعات الفائدة بشكل حاد، خصوصًا في نحو ثلثي الاقتصادات النامية المرتبطة بهذه الآلية. ولم تبدأ هذه الدول باستعادة بيئة الفوائد المنخفضة التي عرفتها في أوائل السبعينيات إلّا بعد الطفرة المالية العالمية في الفترة بين 2005 و2008، ما يبرز مدى عمق وطول أثر تلك الأزمة على مسارات التنمية.
ما بدأ في منتصف السبعينيات كسلسلة متفرقة من حالات التعثّر في دولٍ مثل جامايكا وتركيا وزائير، سرعان ما تحوّل إلى أزمة بنيوية واسعة النطاق مع إعلان المكسيك، في آب (أغسطس) 1982، عجزها عن سداد ديونها المقوَّمة بالدولار، رغم ثقلها الاقتصادي. كان ذلك الإعلان بمثابة لحظة مفصلية كشفت هشاشة النظام المالي العالمي، إذ لم تمضِ أشهر حتى كانت نحو 40 دولة قد تأخّرت عن سداد فوائد ديونها، فيما دخلت 27 دولة أخرى في مفاوضات لإعادة الهيكلة خلال العام التالي. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون التعثُّر مجرّد عرضٍ للأزمة، بل عاملًا مضاعفًا لها؛ إذ يؤدي غالبًا إلى تدهور العملة المحلية، وتسارع التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، فضلًا عن انهيار التصنيف الائتماني، ما يغلق أبواب التمويل ويجبر الحكومات على القبول بإعادة هيكلة مكلفة ومؤلمة.
ومع اتساع رقعة الأزمة، أوكل الدائنون الغربيون إلى صندوق النقد الدولي مهمة إدارة إعادة التفاوض، غير أنَّ هذا التدخّل لم يخلُ من تداعيات عكسية. فمن خلال فرض أولويات إنفاق تُركِّز على سداد الديون، حدّ الصندوق، بدعم من البنك الدولي، من هامش المناورة لدى الحكومات المدينة، وقوّض قدرتها على توجيه مواردها وفق احتياجاتها التنموية. ونتيجةً لذلك، تضرّرت الصناعات الناشئة، وتراجعت الخدمات الاجتماعية الأساسية، في وقت كانت الدول تُعيد ترتيب أولوياتها للوفاء بالتزاماتها المالية. كما إنَّ تحويل الموارد بعيدًا من الاستثمارات الإنتاجية أضعف قدرة هذه الاقتصادات على توليد عوائد مستقبلية، ما عمّق حلقة العجز وأطال أمد الأزمة، خصوصًا في أفقر دول العالم.
وقد تجسّدت ذروة هذه المرحلة في ما عُرف لاحقًا بـ”العقد الضائع”، حيث وصلت مدفوعات الفائدة في بعض الدول إلى ما يعادل ناتجها المحلي الإجمالي بالكامل. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، استغرق التعافي أكثر من عقدين، سواء على مستوى نصيب الفرد من الدخل أو معدلات الاستثمار. وخلال هذه الفترة، تآكلت ثقة الدول النامية بالمؤسسات المالية الدولية التي نشأت في إطار نظامٍ “بريتون وودز”، إذ رأت فيها كيانات بعيدة من واقعها، بل وأحيانًا أدوات لفرض سياسات قاسية وغير متوازنة. ولم تكن الصين، التي كانت آنذاك ضمن دول الجنوب المدينة، بعيدة من هذا التصوُّر، وهو ما يفسر استمرار تأكيدها، حتى اليوم، على تقديم قروض من دون شروط سياسية أو اقتصادية صارمة.
في نهاية المطاف، لم تُحل الأزمة إلا عبر مزيج من الإجراءات الاستثنائية، شملت شطب أجزاء من الديون، وإطلاق مبادرات موجهة للدول الفقيرة المثقلة بها، إضافة إلى ابتكار أدوات مالية جديدة مثل “سندات برادي”، التي أتاحت استبدال الديون القائمة بأوراق مالية مدعومة بسندات الخزانة الأميركية. وقد دفعت هذه التجربة المقرضين الغربيين إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم، فتراجعوا عن تمويل مشاريع البنية التحتية الثقيلة التي كانت تهيمن على استثماراتهم في الستينيات والسبعينيات من القرن الفات، ووجّهت مؤسسات التنمية اهتمامها نحو المنح والبرامج الاجتماعية، خصوصًا في مجالات الصحة والتعليم والحوكمة.
غير أنَّ هذا التحوُّل ترك فجوةً تمويلية واضحة، إذ ظلت الدول النامية بحاجة ماسة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية—من طرق وموانئ إلى شبكات الطاقة—لدعم نموّها الاقتصادي. ومع مطلع الألفية الجديدة، بدأت هذه الفجوة تُملأ تدريجًا عبر صعود الإقراض من القطاع الخاص، وتوسّع الدور الصيني في تمويل المشاريع الكبرى، ما أعاد رسم خريطة التمويل العالمي للدول النامية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاعتماد المالي المتشابك.
صعود
مع مطلع القرن الحادي والعشرين، دخلت اقتصادات عديدة في “الجنوب العالمي” مرحلة انتعاش نسبي، مدفوعةً بارتفاع أسعار السلع الأساسية واستقرار ملحوظ في حركة التجارة الدولية. وكان من أبرز محرّكات هذا التحسُّن تسوية أعباء الديون المتراكمة، التي انعكست مباشرة في تحسين التصنيفات الائتمانية، ما أتاح لتلك الدول العودة إلى أسواق التمويل بشروط أفضل. وبفعل ذلك، استأنفت الحكومات الاقتراض من البنوك التجارية، أو وفّرت ضمانات لقروض حصلت عليها مؤسسات محلية، في خطوةٍ أعادت تنشيط قنوات التمويل الخارجي. والأهم أنَّ دولًا متوسّطة الدخل، مثل الإكوادور وزامبيا وسريلانكا، دخلت للمرة الأولى أسواق السندات الغربية، ما مثّل تحوُّلًا نوعيًا في أدوات اقتراضها.
ورُغمَ التراجع المؤقت في إقراض القطاع الخاص خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، فإنَّ هذا الاتجاه لم يدم طويلًا. فمع بداية العقد الثاني من الألفية، عاد المستثمرون في الاقتصادات المتقدّمة إلى البحث عن عوائد أعلى، مستفيدين من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة في الأسواق الغربية. وترافق ذلك مع موجة تفاؤل بإمكانات الاقتصادات الناشئة، التي بدا أنها قادرة على تجاوز تداعيات الأزمة بصورة أفضل من نظيراتها المتقدمة. وعلى امتداد الفترة بين 1985 و2024، بقيت حصة الإقراض الخاص للدول متوسطة الدخل مستقرة عند نحو 60%، غير أنَّ تركيبته تغيّرت بشكلٍ جذري؛ إذ تراجعت مساهمة البنوك التجارية من 74% إلى 21%، في مقابل صعود ملحوظ لسوق السندات التي باتت تمثل 79% من هذا الإقراض.
في موازاة ذلك، برزت الصين كأكبر مُقرض ثنائي للدول منخفضة ومتوسطة الدخل، متقدمة على العديد من الجهات التقليدية. وكما هو الحال مع الدائنين من القطاع الخاص، جاء معظم هذا الإقراض مقوَّمًا بالدولار الأميركي، ما أبقى هذه الدول ضمن دائرة التأثر بالتقلبات النقدية العالمية. وقد ارتبط صعود الإقراض الصيني بالتحوُّل الصناعي الذي شهدته البلاد في مطلع الألفية، حيث سعت بكين إلى توسيع أسواق صادراتها، مستخدمة التمويل كأداة لتعزيز تدفق السلع والخدمات، لا سيما في قطاع البناء والبنية التحتية. وبهذا المعنى، شكّل الإقراض جُزءًا من دورة اقتصادية متكاملة: تمويل مشاريع في الدول النامية، يعزز حضور الشركات الصينية، ويحقق في الوقت ذاته عوائد أعلى للبنوك الصينية مقارنة بما كانت تحققه من الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية. وتشير الأرقام إلى أنَّ القروض الصينية تمثل اليوم الحصة الأكبر من أصل نحو 475 مليار دولار من الديون الثنائية المستحقة على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، إذ تتجاوز 147.5 مليار دولار، أي ما يقارب 31%.
ورُغمَ هذا التحوُّل في خريطة الإقراض، لم يُشكك هذا الجيل الجديد من الدائنين في مركزية الدولار كعملة تمويل رئيسة. غير أنَّ هذا الافتراض تعرّض لاختبارٍ حاد بعد جائحة “كوفيد-19″، عندما اضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرةٍ غير مسبوقة منذ سبعينيات القرن الماضي، في محاولةٍ لاحتواء التضخم. وقد انعكست هذه الخطوة سريعًا على الدول المقترضة في “الجنوب العالمي”، حيث ارتفعت كلفة خدمة الديون، ودخلت بعض الاقتصادات، مثل غانا وسريلانكا، في حالات تعثر عن السداد.
وفي مواجهة هذه الضغوط، انخرطت الصين مؤخرًا في أبرز المبادرات متعددة الأطراف لتخفيف أعباء الديون، بما في ذلك مبادرة تعليق خدمة الدين التي أطلقتها مجموعة العشرين خلال الجائحة، والإطار المشترك لمعالجة الديون الذي تلاها. غير أنَّ التقدُّم في هذا المسار ظل بطيئًا، نتيجة خلافات جوهرية حول كيفية توزيع الخسائر بين الدائنين. ففي حالة زامبيا، على سبيل المثال، تعثرت عملية إعادة الهيكلة بسبب إصرار بكين على ضرورة أن تتحمل بنوك التنمية متعددة الأطراف نصيبًا أكبر من الخسائر، بدلًا من تحميل البنوك الصينية العبء ذاته. ويُضاف إلى ذلك غياب آلية واضحة داخل النظام المالي الصيني لتحديد كيفية توزيع الخسائر بين مؤسساته عند تعثر المقترضين، ما أدى إلى مفاوضات معقدة وممتدة بين جهات إقراض مترابطة، وأبطأ الوصول إلى حلول حاسمة.
أزمة ديون وشيكة
بالنسبة إلى البنوك الصينية، تبدو الخسائر المحتملة الناتجة عن تعثُّر المقترضين كبيرة من حيث الحجم، لكنها تظل قابلة للاحتواء، في ضوء ما تمتلكه البلاد من فوائض مُعتَبَرة بالدولار الأميركي. غير أنَّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الامتصاص المالي بقدر ما يرتبط بطول أمد حسم المسؤوليات بين المؤسسات المُقرِضة داخل النظام المالي الصيني. فكلما تأخر الاتفاق على توزيع الخسائر، طال أمد عمليات إعادة هيكلة الديون، وهو ما ينعكس سلبًا على صورة الصين كشريكٍ تنموي. بل إنَّ هذه التأخيرات قد تُضعِفُ السردية التي سعت بكين إلى ترسيخها بوصفها بديلًا أكثر مرونة وتعاونًا من المقرضين الغربيين، وتعيد إحياء الانطباعات السلبية التي كوّنتها دول “الجنوب العالمي” خلال أزمة الثمانينيات.
وفي هذا السياق، تبدو أزمة الديون الراهنة مُرشَّحة لأن تكون أكثر تعقيدًا من سابقتها، سواء من حيث الأطراف المعنية أو من حيث أفقها الزمني. فبينما كانت ديون الثمانينيات متركزة في أيدي عدد محدود نسبيًا من البنوك التجارية الكبرى، يتوزع الدين اليوم على طيفٍ واسع من الدائنين، ما يضاعف صعوبة التنسيق والتوصل إلى تسويات. وإلى جانب التعقيدات الداخلية في الصين، تجد الدول النامية نفسها مضطرة للتفاوض مع مئات الجهات المختلفة، من صناديق التقاعد الغربية إلى مديري الأصول وصناديق التحوُّط وشركات التأمين، وجميعها تحمل أجزاءً من سندات سيادية صادرة عن حكومات، لا سيما في “الجنوب العالمي”. هذا التشظّي في هيكل الدائنين يطيل أمد الأزمات ويجعل معالجتها أكثر كلفة وتعقيدًا، ما يضع دولًا حديثة التصنيع، مثل سريلانكا وزامبيا، أمام مسارات تعافٍ أطول وأكثر هشاشة.
ورُغمَ أنَّ مسألة استدامة الديون كانت تتصاعد تدريجًا خلال السنوات الخمس الماضية، فإنَّ الحرب في إيران جاءت لتُضيف صدمةً مفاجئة تعزّز احتمالات دخول العالم في أزمة ديون ممتدة. فقد حذّر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية من أنَّ هذا النزاع يمثّل أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ الحديث، مشيرًا إلى أنَّ التقديرات السياسية وردود فعل الأسواق لا تعكس حجم المخاطر الحقيقية. ومع تضرُّر عدد من حقول النفط والغاز، يُتَوَقَّع أن تستغرق عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة سنوات، في حين يبقى مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية من دون حلٍّ دائم، رغم أي تهدئة مؤقتة قد يوفرها وقف إطلاق النار.
في هذه الأثناء، يُرجّح أن يستمر الضغط التضخّمي في الارتفاع، ما سيدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من التشديد النقدي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات عالمية. وستكون الدول الأكثر فقرًا هي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ ستُجبَرُ حكوماتها على إعادة توجيه مواردها نحو خدمة الديون بدلًا من الاستثمار في التنمية. وبهذا، لا تقتصر كلفة الأزمة على الأرقام المالية فحسب، بل تمتد لتطال مسارات النمو وفرص تحسين مستويات المعيشة، في لحظةٍ عالمية تتقاطع فيها أزمات الطاقة والديون والتضخم على نحوٍ غير مسبوق.
ورغم أن بعض دروس أزمة الديون الكبرى التي وقعت سابقًا يظلُّ صالحًا للاستلهام، فإنَّ اختلاف بنية الديون اليوم يجعل من استنساخ تلك التجربة أمرًا محدود الجدوى. فالتشابك غير المسبوق بين الدائنين—من حاملي السندات إلى البنوك الصينية—يطرح تحديات جديدة، على رأسها كيفية توزيع الخسائر بصورة عادلة وفعالة، في ظل غياب إطار دولي متماسك يواكب هذا التعقيد. كما إنَّ تعدُّد الأطراف وتباين مصالحها يُهدّدان بإطالة أمد المفاوضات، ما يعني أنَّ الأزمة مرشحة للاستمرار لفترة أطول، وبكلفة أعلى مما شهدناه في الماضي.
في ظلِّ هذا المشهد، لا تبدو هناك حلول سريعة أو وصفات جاهزة. فالمعالجات ستتطلّب مزيجًا من الإرادة السياسية، والتنسيق الدولي، والمرونة من جانب الدائنين والمقترضين على حد سواء. ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم خارج الإطار المالي المباشر: إذ إنَّ تسريع نهاية الحرب من شأنه أن يخفف الضغوط على أسواق الطاقة ويمنح الاقتصاد العالمي فرصة لالتقاط أنفاسه. وحده هذا المسار يمكن أن يفتح المجال أمام تركيز الجهود على احتواء أزمة ديون تتشكل ملامحها سريعًا، قبل أن تتحوّل إلى حلقة جديدة من الأزمات الممتدة.
- هنري توغندهات هو زميل “سوريف” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وباحث مشارك في مبادرة أبحاث الصين وأفريقيا في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز. عمل سابقًا خبيرًا اقتصاديًا في معهد السلام الأميركي.
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في مجلة “فورِن أفّيرز” الأميركية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.