مئوية أَنطوني غاودي: عائلة مُقدَّسة

هنري زغيب*
قبل 23 سنة، في جلسة الجمعية العمومية لليونسكو (3 تموز/يوليو 2003) أَعلنت المديرة العامة أودري آزولاي “برشلونة العاصمة العالَمية للهندسة المعمارية سنة 2026”. ومنذئذٍ أَخذَت برشلونة (عاصمة مقاطعة كاتالونيا على الشاطئ الشمالي الشرقي من إِسبانيا) تتهيَّأُ لهذه الظاهرة العالمية بعدد واسع من الأَنشطة والاحتفالات والمعارض والمؤْتمرات، والندوات الخاصة بالهندسة المعمارية.
وحل عام 2026، وصادف كذلك مئوية غياب المهندس المعماري الكاتالوني أَنطوني غاودي (1852-2026)، وابتدأَت الاحتفالات بذكراه المئوية في معظم أَرجاء إِسبانيا، وخصوصًا في برشلونة التي صمَّم فيها كاتدرائية “العائلة المقدسة” الشهيرة في كل العالم بطرازها الطليعي الرائد في عصره.
مات ولم يشهد تدشينها
من المفارقة المأْساوية أَن مهندسها أَنطوني غاودي بدأَ بتصميمها سنة 1882 في برشلونة التي هي اليوم، لغنى مواقعها التراثية الكثيرة، إِحدى أَكثر المدن السياحية استقبالَ سياح من العالم. وبازيليك “العائلة المقدسة” فيها، نموذج فريد في الحداثة المعمارية المعاصرة، بشكلها الخارجي وتقسيماتها الداخلية الغريبة التصميم. وغاودي، بذلك، شاءها قصيدة أُسطورية، لجرأَة تصميمه الريادي السابق عصرَه، ما جعل البازيليك من أَكثر المواقع التراثية زيارةً في إِسبانيا، ويتجاوز زواره قصر الحمراء في غرناطة، ومتحف پرادو في مدريد. وسنة 2025 سجلت رقمًا قياسيًّا: 4 ملايين و800 أَلف زائر. وكانت منظمة اليونسكو سنة 2005 أَعلنت واجهة الكاتدرائية على لائحة التراث العالمي. كل هذا المجد، لم يشهَدْه في أَيامه مهندسها، لأن حافلة صدمتْه ورَمتْه أَرضًا (7 حزيران/يونيو 1926)، وبقي ساعاتٍ طويلةً ينزف في الشارع غائبًا عن الوعي ولم يتقدَّم أَحد لمساعدته. ظنَّه الجميع متسولًا متسكعًا، ثيابُه رثَّة عتيقة، ولم تكُن في جيبه أَوراق ثبوتية، إِلى أَن مرَّت، صدفةً، سيارةُ إِسعاف لَمَّتْه ونقلَتْه إِلى المستشفى، فبقي يومين فاقدًا الوعي حتى انطفأَ في 10 حزيران/يونيو. ولَما شاع خبرُ وفاته، وكان في عزِّ شهرته، أُقيم له مأْتم حاشد لِما عرف عنه الناس من تقوى وعبقرية. واعترف الفاتيكان بتقواه ونُسكه وتقشُّفه: سنة 1988 أَعلنه البابا يوحنا بولس الثاني “خادم االله”، وسنة 2025 أَعلنه البابا فرنسيس “طوباويًّا” على طريق القداسة.

احتفالات مئويته
تكريمًا مئويةَ غيابه، واحتفاءً بإِعلان اليونسكو “برشلونة عاصمة الهندسة المعمارية” هذا العام، أَعلنت بلدية برشلونة “2026 سنة غاودي”، ورسمَت عددًا من الاحتفالات، بدأَت في خريف 2025 وتنتهي في موسم الميلاد 2026.
عدا كونه رائدًا سبَّاقًا رؤْيويًّا في الحداثة، كان غاودي أَحد أَسطع الأَعلام عالَميًّا في الهندسة المعمارية. لذا تنبسط الاحتفالات بمئويته متعددةً أَمام المحتفلين كي يتعرفوا إِلى هذه الشخصية العالَمية الفذَّة، وما أَنجزه من صروح جاء فيها بجديد، معظمُه كان غريبًا عصرئذٍ لكنها اليوم شهادة على رؤْيويته السابقة عصره. من هنا أَن أَعمالًا له كثيرةً دخلَت مواقع على لائحة التراث العالمي. فهو ليس مجرد مهندس معماري وحسْب. إِنه خلَّاق مبدع. صمم المباني بعناصر النور واللون والرموز، كاسرًا قواعد الخطوط المستقيمة التقليدية المتَّبعة، مبتدعًا لغة هندسية جديدة متحدِّيًا بها كلَّ ما جاء قبله من هندسات، مستخدمًا عناصر تمتزج فيها الروحانية والتقنية.
ولأَن معظم أَعماله كانت في برشلونة، تَعمُرُ سنتُه المئوية فيها بأَنشطة في متاحف ومكتبات واحتفالاتِ شوارع وباحات في الهواء الطلق. ومن أَشهر آثاره في برشلونة: كاتدرائية “العائلة المقدسة”، قصر باتيو، قصر ڤيسنس، وسواها. وفي 10 حزيران المقبل (ذكرى يوم وفاته بالذات) سيتم في جانبٍ من كاتدرائية “العائلة المقدسة” تدشين “برج يسوع”، بعُلُوّ 172 مترًا، ما سيجعلها أَعلى مبنى في برشلونة. وفي 26 من هذا الشهر (نيسان/أَبريل) تُقيم “حديقة غُوِيل العامة” عشاءً عامًّا مستوحى من ظاهرة “الحفلات الليلية العامة لجميع أَهل البلدة” في الهواء الطلق كما كانت رائجةً في مطلع القرن العشرين، على أَيام غاودي الذي صمَّم هذه الحديقة العامة في قلب برشلونة. ومن تصاميمه كذلك: قصر باتْيُو، وهو ينضمُّ إِلى احتفالات المئوية بمعرض للفن الحديث، يستعيد مجموعة أَعمال غاودي بتقنيات التكنولوجيا الحديثة. وفي صالة القصر الكبرى، يتهيَّـأُ عمل مسرحي غنائي يروي مسيرة غاودي منذ طفولته، وصراعه الطويل مع المرض، وعلاقته بالطبيعة، حتى اكتشافه موهبته في الهندسة المعمارية.

وصيته تنفَّذ بعد 100 سنة
تبقى كاتدرئية “العائلة المقدسة” رائعته الخالدة. أَمضى آخر 15 سنة من حياته يعمل عليها، وكانت تراثَه الروحي الأَغلى. نسجَها مزيجًا من الهندسة المعمارية واللاهوت والحسابات الهندسية وملامح الطبيعة. كان يريدها الكتاب المقدَّس مبنيًّا بالحجر، يقرأُه المؤْمنون لا بالكلمات بل بالشكل والنسَب الهندسية والرموز. وجعل لها ثلاث واجهات: ميلاد يسوع، آلام يسوع، مجد يسوع، وثلاثتُها محفورة في الصخر. وصمَّم الداخل كأَنه غابة، تتفرَّع فيها أَغصان هائلة العلو والسماكة، تتدلَّى حول أَعمدة شاهقة، يتسلَّل إِليها النور من طاقات زجاجية ملوَّنة تتماوج أَلوانها بحسب حركة الشمس. ويسعى المهندسون أَن يُنجزوا فيها آخر تصاميم غاودي المتبقِّية دون تنفيذ، حتى تكون مئويةُ غيابه حضورًا له لا إِلى غياب.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.