انهيارُ لبنان الوشيك: حربُ الآخرين على أرضٍ تَتَفَكّك

لم يعد لبنان على هامش الصراع، بل في قلبه. ومع تصاعد المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله”، يقترب بلدٌ مثقل بالأزمات من لحظة انهيار قد تغيّر ملامح الدولة والمنطقة معًا.

قيادة لبنانية تسعى بجدية إلى إعادة بناء الدولة ووضع حد لدور “حزب الله” المسلح.

مها يحيى*

أصبح لبنان، بصورة متسارعة، ساحةً مُتقدّمة في الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران. ففي الأول من آذار (مارس)، توعّد الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لـ”حزب الله”—الميليشيا اللبنانية المدعومة من طهران—بالرد على اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي وقع قبل ذلك بيومٍ واحد. ولم يلبث الحزب أن ترجم تهديده عمليًا، بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة عبر الحدود نحو إسرائيل، لتردّ الأخيرة بسلسلة غارات جوية واسعة النطاق طالت مناطق مختلفة من لبنان.

بدخول “حزب الله” المواجهة، بات مصير لبنان مرتبطًا بشكل وثيق بمسار الحرب الإقليمية الأوسع. غير أنَّ التطوّرات تشير أيضًا إلى أن إسرائيل تستثمر هذا التصعيد—واستفزازات الحزب—لتبرير هجوم عسكري أكبر بكثير -وربما مدمّر- على لبنان. فعلى مدى الأسابيع الماضية، تصاعد تبادل النيران بين الطرفين بوتيرة شبه يومية؛ إذ أطلق الحزب ما بين 1000 و1800 صاروخ إلى جانب طائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، فيما ردّت الأخيرة بمئات الغارات التي استهدفت ليس الجنوب فحسب، بل امتدت إلى بيروت ووادي البقاع، القلب الزراعي للبلاد. وفي 16 آذار (مارس)، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنَّ الجيش الإسرائيلي سيشن “عملية برية محددة الأهداف” في جنوب لبنان لمنع مئات الآلاف من المدنيين الشيعة الفارين من العودة إلى ديارهم، وقد شبّه هذه العملية مباشرةً بالحملة الإسرائيلية الواسعة النطاق في غزة، ما ينذر بمرحلة أكثر خطورة في مسار الصراع.

اندلعت هذه الجولة من الحرب في لحظةٍ كان فيها لبنان يرزح أصلًا تحت وطأة أزمات متراكمة سياسية واقتصادية وإنسانية. فقد كان المجتمع اللبناني منقسمًا بحدة حول دور “حزب الله” وعلاقته بإيران، قبل أن تأتي الحرب لتعمّق هذه الانقسامات وتعيد تشكيلها. وفي حين كانت إسرائيل قد دمّرت بالفعل بنية تحتية حيوية وشرّدت أكثر من مليون شخص، فإنها تلوّح الآن باحتلال جنوب لبنان، بل ويدعو بعض مسؤوليها إلى دفع الحدود نحو نحو عشرة أميال داخل الأراضي اللبنانية. هذه التطورات لا تهدد فقط بتوسيع نطاق الحرب، بل تُفاقم التصدعات الاجتماعية والسياسية الداخلية، وقد تدفع البلاد نحو مزيد من الفوضى—وربما حتى نحو انهيار الدولة. ومن شأن تحقق هذا السيناريو، الذي يجب منع حصوله، أن يحمل تداعيات كارثية لا على لبنان فحسب، بل على المنطقة بأسرها.

الإصلاح تحت وطأة الحرب

لم تكن هذه الحرب سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الصدمات التي تعرّض لها لبنان. فبعد يوم واحد فقط من هجوم “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، فتح “حزب الله” جبهة موازية تحت عنوان “حرب إسناد غزة”. وبعد أقل من عام، صعّدت إسرائيل عملياتها، مستهدفة قيادة الحزب—بما في ذلك اغتيال أمينه العام السيد حسن نصر الله—قبل أن تتوّج ذلك باجتياح بري للأراضي اللبنانية. ورُغمَ التوصُّل إلى وقف إطلاق نار رسمي بعد شهرين، أبقت إسرائيل على وجودها في خمسة مواقع استراتيجية مرتفعة، وواصلت ضرباتها ضد مواقع الحزب وبنيته التحتية، مستندة إلى تفاهم ضمني مع واشنطن أُقرّ في سياق اتفاق وقف النار.

تزامنت هذه التطوُّرات مع أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة تعصف بالبلاد منذ العام 2019، حين أدى الانهيار المصرفي إلى فقدان العملة أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وإعلان الدولة تعثّرها عن سداد ديونها السيادية. ولم تكد البلاد تلتقط أنفاسها حتى جاء انفجار مرفَإِ بيروت في العام التالي، مُخلِّفًا أكثر من 200 قتيل وأضرارًا قُدّرت بأكثر من 8 مليارات دولار، ومسلّطًا الضوء على عمق الفساد وسوء الإدارة. وفي السنوات التي تلت، حالت الانقسامات الطائفية والمصالح الضيِّقة دون تنفيذ إصلاحاتٍ جوهرية، ما عمّق حالة الشلل السياسي.

وسط هذا المشهد القاتم، شكّل تولي حكومة جديدة السلطة في شباط (فبراير) 2025 بارقة أمل حذرة. فقد سعت الإدارة الجديدة، بقيادة رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، إلى إعطاء الأولوية للكفاءة التقنية على حساب المحاصصة السياسية في تشكيلها الحكومي. وتعهدت بإطلاق حزمة إصلاحات مالية وقضائية، إلى جانب برنامج لإعادة الإعمار لمعالجة الخسائر التي قُدّرت بنحو 11 مليار دولار جراء حرب 2023–2024. كما أعلنت التزامها بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الصادر عام 2006، والذي ينص—من بين أمور لم تُنفَّذ حتى الآن—على نزع سلاح “حزب الله”، في خطوة تعكس حجم التحديات التي تواجهها الدولة في إعادة بسط سلطتها.

كان تنفيذ برنامج إصلاحي بهذا الحجم تحديًا جسيمًا حتى في الظروف الطبيعية. أما اليوم، فقد وجدت هذه الإدارة—الهشّة أصلًا—نفسها غارقة في أتون حرب مفتوحة. بالتوازي، تتفاقم الأزمة الإنسانية بوتيرة متسارعة. ففي أوائل آذار (مارس)، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء شملت أكثر من مئة بلدة وقرية في جنوب لبنان، أي ما يقارب عشرة في المئة من مساحة البلاد. ولم تتوقف هذه الأوامر عند ذلك الحد، بل امتدت لاحقًا إلى مناطق أعمق جنوبًا حتى نهر الزهراني، على بعد نحو 25 ميلًا داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى سهل البقاع والضواحي الجنوبية لبيروت. ونتيجة لذلك، نزح أكثر من مليون شخص من أصل 5.6 مليون نسمة، غالبيتهم من الطائفة الشيعية.

هذا النزوح الجماعي يترافق مع دمار واسع النطاق—وفي كثير من الأحيان مُتعمَّد—طال قرى وبلدات بأكملها، ما يجعل عودة السكان أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا في المدى المنظور. وفي موازاة ذلك، بدأت مؤشرات التصعيد الإسرائيلي تتخذ منحى أكثر خطورة، مع تلميحات متزايدة إلى احتمال شن غزو أوسع، قد يفضي إلى احتلال طويل الأمد، أو حتى ضم أجزاء من جنوب لبنان. وسواء أقدمت إسرائيل على تنفيذ هذه التهديدات أم لا، فإنَّ السياق الإقليمي الأوسع—وخصوصًا تداعيات الحرب الإيرانية—يُضعف شهية دول الخليج والمجتمع الدولي لتقديم الدعم المالي الذي يحتاجه لبنان بشدة لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

حزب الله” يتحدى

في ظلِّ هذا الواقع المتدهور، ومع تصاعد الخسائر البشرية والمادية، لا يُظهر “حزب الله” أيَّ استعدادٍ للتراجع أو التخلّي عن سلاحه. فهو لا يرى نفسه معنيًا بالاستسلام، ولا بالعودة إلى تفاهمات وقف إطلاق النار لعام 2024، التي منحت إسرائيل هامشًا عملياتيًا لمواصلة استهداف عناصره. فمنذ ذلك الاتفاق، قُتل نحو 350 من مقاتلي الحزب، إضافة إلى 127 مدنيًا، فيما دمرت إسرائيل أكثر من 25 بلدة وقرية على طول الحدود، ومنعت سكان 62 بلدة أخرى من العودة إلى منازلهم.

ورغم الكلفة الباهظة التي تكبدها لبنان، بما في ذلك البيئة الحاضنة له، فإن قيادة “حزب الله” تُصر على رفض نزع السلاح، وتعيد تأطير المواجهة باعتبارها صراعًا وجوديًا بين جماعات متصارعة. وتُسهم العمليات الإسرائيلية في تعزيز هذه السردية، ما يمنح الحزب مساحة لإعادة ترميم موقعه الداخلي، بعد التراجع الذي شهده خلال العامين الماضيين، ولتحويل الأنظار عن الانتقادات المتزايدة داخل قاعدته الشعبية. وفي هذا السياق، يواصل الدعم الإيراني—ماليًا وعسكريًا—توفير مقومات الصمود، عبر التمويل والتدريب والتنسيق، بما يضمن استمرار الحزب كلاعب مركزي في معادلة الصراع.

تتزايد الضغوط على القادة اللبنانيين لإنهاء ما وصفه رئيس الوزراء نواف سلام بـ”حرب مدمّرة لم نسعَ إليها ولم نخترها”. وخلال العام الماضي، كثّفت النخبة السياسية جهودها في ثلاثة اتجاهات متوازية: نزع سلاح “حزب الله”، والحد من النفوذ الإيراني، وفتح قنوات نحو تسوية مع إسرائيل. وفي 2 آذار (مارس)، اتخذت الحكومة خطوة غير مسبوقة بإقرار حظر الأنشطة العسكرية للحزب، وطرد عناصر الحرس الثوري الإيراني من البلاد، وإلغاء اتفاقيات الإعفاء من التأشيرة مع طهران. وجاء هذا القرار تتويجًا لمسار بدأ بإجراءين مفصليين في العام السابق: تأكيد حق الدولة في احتكار السلاح في 5 آب (أغسطس)، ثم تكليف الجيش اللبناني في 5 أيلول (سبتمبر) بوضع خطة تنفيذية لذلك.

بالتوازي، سعت الحكومة إلى تضييق الخناق على شبكات تهريب السلاح والتدفقات المالية المرتبطة بـ”حزب الله”، والعمل على تفكيك وجوده العسكري جنوب نهر الليطاني. وقد أسفرت هذه الجهود عن نتائج جزئية، إذ إنَّ عددًا من الصواريخ التي أُطلقت في بداية التصعيد انطلقت من شمال الليطاني—وهو ما كان يُفترض معالجته في المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح. وعلى الصعيد الديبلوماسي، اتخذت بيروت خطوة تصعيدية إضافية الأسبوع الماضي بسحب الصفة الديبلوماسية من السفير الإيراني واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، واستدعاء سفيرها من طهران للتشاور. غير أنَّ السفير الإيراني رفض المغادرة ولا يزال في موقعه، في ظل عرقلة خروجه من قبل القوى السياسية الشيعية الرئيسية (حزب الله وحركة أمل)، ما يعكس عمق الانقسام داخل مؤسسات الدولة. وفي الوقت ذاته، يتصاعد الاستقطاب الداخلي، مع تكثيف “حزب الله” هجومه السياسي على الحكومة، واتهام رئيسها وأعضائها بالخيانة.

في هذا السياق، دعا رئيس الجمهورية إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لإنهاء الصراع، في خطوةٍ كسرت أحد المحظورات السياسية الراسخة منذ عقود. غير أنَّ “حزب الله”، عبر تحركه خارج إطار الدولة وإقحام لبنان في المواجهة الإقليمية مع إيران، قوّض قدرة الحكومة على التفاوض الفعّال لوقف إطلاق النار.

الورقة الرابحة الإسرائيلية

في المقابل، لا تزال أهداف إسرائيل في لبنان غامضة. تقول الحكومة الإسرائيلية إنها تريد تدمير “حزب الله” وإنشاء ما يسمّى بالمنطقة العازلة على طول الحدود فوق أنقاض القرى اللبنانية؛ ومع مرور الوقت، من المرجح أن تفرض اتفاق سلام بشروطها. لكن شكل حملتها الحالية يشير إلى أنَّ هدفها هو أيضًا إثارة الفوضى والتفتت الداخليين وتسهيل الاحتلال غير القانوني للأراضي اللبنانية.

بدأت إسرائيل التخطيط لعمليتها العسكرية في لبنان قبل أشهر. وإلى جانب قصفها الجوي، اتخذت إسرائيل استعدادات واضحة لغزو شامل، حيث استدعت 450 ألف جندي احتياطي. وقد أثار هدمها للبلدات الواقعة خلف الحدود وإصدارها أوامر الإخلاء مخاوف من نيتها الاستيلاء بشكل دائم على الأراضي اللبنانية جنوب نهر الليطاني. بل إنَّ أعضاءً في حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صرحوا بأنَّ هذا هو هدفهم: فقد دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الجيش الإسرائيلي إلى تحويل أجزاء من جنوب لبنان وضواحي بيروت الجنوبية إلى ركام، وقال إنَّ نهر الليطاني يجب أن يكون حدود إسرائيل الجديدة، مقترحًا بذلك ضم جنوب لبنان فعليًا. وقد تم قصف جميع الجسور الرئيسة على نهر الليطاني في محاولة لعزل المنطقة عن بقية البلاد. كما دعا وزير الطاقة الإسرائيلي إلى إلغاء اتفاقية بحرية تاريخية، وُقعت عام 2022 بين لبنان وإسرائيل، والتي أنهت نزاعًا حول الحدود البحرية بين البلدين.

إذا كان هدف إسرائيل حقًا هو القضاء على “حزب الله” وإحلال السلام، فإنَّ حملتها الحالية ستؤدي إلى عكس ذلك تمامًا. فقد ظهر “حزب الله” ردًا على غزو إسرائيل عام 1982 واحتلالها اللاحق لعقدين من الزمن لأجزاء من جنوب لبنان. ولا تُسهم عمليات القصف المكثفة والخطابات التوسعية والاستعدادات لغزو شامل إلّا في ترسيخ سردية “حزب الله” بأنَّ المقاومة المسلحة ضد إسرائيل ضرورية. وقد يواجه السكان المحليون الذين يفرون من الصراع نزوحًا دائمًا، مثل سكان غزة أو مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين لم يُسمح لهم بالعودة إلى ديارهم بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 وحرب الأيام الستة عام 1967. ويختار بعض السكان، خوفًا من هذا السيناريو، البقاء في أماكنهم رغم الخطر الذي يهدد حياتهم. كما أنَّ تأييد واشنطن الظاهر للحملة العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان أمرٌ مثير للقلق. فتصريحات السفير الأميركي لدى لبنان بأنَّ الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل عدم مهاجمة القرى المسيحية في البلاد تُشير إلى قبول ضمني لنية إسرائيل تطهير جنوب لبنان من سكانه الشيعة.

لبنان في خطر

قد يعتقد بعض الإسرائيليين أنَّ تفتيت لبنان نتيجة مرغوبة، على غرار انهيار سوريا خلال حربها الأهلية، الذي أضعف نظام البعث، العدو اللدود، وأدى في نهاية المطاف إلى زواله. لكن لبنان الغارق في فوضى عارمة لا يفيد أحدًا، والحكومة اللبنانية الجديدة لا تُعادل نظام الأسد. فمن خلال تبنّي موقف متشدد ورفض الاستجابة الإيجابية لجهود الحكومة اللبنانية في فرض احتكار الدولة للأسلحة، تُعزز إسرائيل سردية “حزب الله” القائلة بأنَّ المقاومة المسلحة وحدها هي الكفيلة بتحرير الأراضي اللبنانية. وفي الوقت نفسه، من خلال ربط تمويل إعادة الإعمار بنزع سلاح “حزب الله”، ورفض عقد المؤتمرات المزمعة لحشد الدعم المالي والفني للجيش اللبناني وإعادة الإعمار، شلّت الجهات الدولية الفاعلة، ولا سيما الولايات المتحدة، قدرة الحكومة على تقديم الإغاثة للسكان المدنيين المنكوبين.

تُعمّق الحملة العسكرية الإسرائيلية الانقسامات الاجتماعية والسياسية القائمة في لبنان، وتُهيّئ الظروف لتجدد الصراع الأهلي. وتُؤجّج العمليات الإسرائيلية داخل لبنان التوترات الطائفية، إذ يُعدّ تدميرها الواسع النطاق للمناطق السكنية ذات الأغلبية الشيعية بمثابة عقاب جماعي لجماعة بأكملها. وتُؤجّج عمليات الاغتيال المُستهدفة لعناصر “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني في المباني السكنية والفنادق والمراكز السكانية خارج مناطق نفوذ “حزب الله” حالةً من الهلع والريبة. وقد بدأت السلطات المحلية في فحص النازحين داخليًا الباحثين عن مأوى، وفي بعض المناطق، ترفض استقبالهم خشية أن يكونوا أهدافًا إسرائيلية. ومن شأن تهجير السكان الشيعة بشكل دائم من جنوب لبنان وتدمير الضواحي الجنوبية لبيروت أن يُغيّر بشكل جذري التركيبة السكانية داخل المدن والأحياء اللبنانية. وفي منتصف آذار (مارس)، أفادت وكالة رويترز بأن الولايات المتحدة تُشجّع سوريا (التي تُهيمن عليها حكومة سُنّة حاليًا) على التحرّك ضد “حزب الله” في سهل البقاع، مما يُفاقم التوترات بين السُنّة والشيعة.

حان الوقت الآن لدعم الحكومة اللبنانية الجديدة، لا لتقويضها. إن نزع سلاح “حزب الله” ليس مجرد مناورة عسكرية، بل هو مناورة سياسية أيضًا. فعلى مدى العقود الخمسة الماضية، تحوّل الحزب إلى دولة داخل الدولة، ليصبح الممثل الأبرز للشيعة اللبنانيين. ولا سبيل لإصلاح الضرر الذي لحق بتماسك البلاد إلّا بوجود دولة مركزية قوية ذات سيادة في بيروت.

في ضوء هذا التصعيد، يتعيّن على الولايات المتحدة والقوى الأوروبية ودول المنطقة التحرك بشكل عاجل لكبح التوسع العسكري الإسرائيلي. ويمكن تحقيق ذلك إمّا عبر فصل الساحة اللبنانية عن الحرب الدائرة مع إيران—وهو ارتباط يشكّل في جوهره جزءًا من الاستراتيجية الإيرانية—أو من خلال فرض إدراج الملف اللبناني ضمن أيِّ مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب، بما يقتضي تقديم تنازلات متبادلة من كل من إسرائيل وإيران. فاستمرار القتال في لبنان لن يؤدي إلّا إلى مزيد من إضعاف مؤسسات الدولة، وقد يفتح الباب أمام انهيار السلطة المركزية أو حتى الانزلاق نحو حرب أهلية.

في هذا السياق، ينبغي على واشنطن تكثيف جهودها الديبلوماسية للدفع نحو وقف إطلاق النار وإطلاق مسار تفاوضي جدي، بالتوازي مع تعزيز دعمها للحكومة اللبنانية الحالية ورئيسها. فهذه القيادة، رغم هشاشتها، تبدو في موقع أفضل من كثير من سابقاتها للسعي إلى تسوية شاملة. ويشمل ذلك دعم مؤسسات الدولة، وتقديم مساعدات إنسانية للنازحين، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني ليضطلع بدوره في بسط سلطة الدولة. والهدف الأساسي يجب أن يكون حماية سيادة لبنان ومنع تكريس واقع احتلال جديد طويل الأمد.

لطالما كان لبنان ساحة مفتوحة للتنافسات الإقليمية، ولا سيما بين إسرائيل وإيران، وكذلك ضمن التوازنات الأوسع في المنطقة. ولم تُفضِ هذه الديناميكيات إلّا إلى إضعاف الدولة وتعميق معاناة المجتمع. اليوم، يبرز خطر أن يتحول لبنان مجددًا إلى ضحية جانبية لصراعٍ لا يملك قراره. ومع ذلك، لا تزال هناك نافذة فرصة للعمل مع قيادة لبنانية تسعى بجدية إلى إعادة بناء الدولة ووضع حد لدور “حزب الله” المسلح ضمنها—لكن هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة طويلًا إذا استمرَّ التصعيد الإسرائيلي على وتيرته الحالية.

  • مها يحيى هي مديرة مركز مالكولم إتش كير كارنيغي للشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى