بين الحرب والتجارة: بوّابة إيران الأخيرة إلى العالم على حافة الإغلاق
كابي طبراني*
بينما ينشغل العالم بنفط إيران ومضيق هرمز، يُواجِهُ الاقتصاد الإيراني خطرًا أكثر هدوءًا—وأشد تأثيرًا: اهتزاز شريانه التجاري عبر الإمارات العربية المتحدة. هذا المسار، الذي مكّن طهران لسنوات من الالتفاف على العزلة، يقتربُ اليوم من نقطةِ اختبارٍ حاسمة مع تصاعُد المواجهة الإقليمية.
في السنوات الأخيرة، تحوّلت دولة الإمارات، وتحديدًا دبي، إلى الشريك التجاري الأهم لإيران من حيث الواردات. ففي العام 2024، مرّ عبرها ما يقارب 21 مليار دولار من السلع المُتَّجهة إلى السوق الإيرانية، أي نحو ثلث إجمالي واردات البلاد. غير أنَّ أهمية هذه العلاقة لا تكمن في حجمها فحسب، بل في دورها كمنصّة عبور تُتيحُ لإيران الوصول غير المباشر إلى الأسواق العالمية، في ظلِّ القيود الصارمة التي تفرضها العقوبات.
هذا النموذج التجاري—القائم على إعادة التصدير وسلاسل الإمداد غير المباشرة—شكّل ركيزة أساسية لقدرة الاقتصاد الإيراني على التكيّف. فمن خلال الإمارات، تصل إلى إيران سلعٌ لا تُنتَجُ محليًا، مثل المعدات المتقدّمة والإلكترونيات والمعادن الثمينة، إلى جانب منتجات استهلاكية متنوّعة. كما يوفّر هذا المسار قناةً مرنة لتجاوز القيود المفروضة على التعاملات المباشرة مع العالم الخارجي.
لكن هذا التوازن الدقيق بين السياسة والتجارة لم يَعُد مستقرًّا كما كان. فمع تصاعد التوترات العسكرية، وجدت الإمارات نفسها في قلب المواجهة، سواء عبر الهجمات المباشرة من جانب الجمهورية الإسلامية أو التهديدات الإيرانية المُرتبطة بأمن الملاحة. وفي ظلِّ هذا الواقع، لم يَعُد مُمكنًا الحفاظ على الفصل التقليدي بين المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية، ما يضع العلاقة التجارية بين البلدين أمام اختبارٍ غير مسبوق.
المؤشرات لم تَعُد مجرّدَ إشارات، بل بداية تآكل في شريان التجارة الإيراني. فتراجع حركة الشحن بين الإمارات وإيران يعكس واقعًا جديدًا: القناة التي أبقت الاقتصاد الإيراني واقفًا بدأت تضيق. وإذا تحوّل هذا التراجع إلى سياسةٍ دائمة، فإنَّ إيران لن تواجه أزمة تجارة فحسب، بل ضربة مباشرة لأحد أعمدة اقتصادها.
تكمن المشكلة في أنَّ إيران لا تملك بدائل حقيقية تعوّض الدور الذي تلعبه الإمارات. فبفضل موقعها الجغرافي، وبنيتها التحتية المتقدمة، وشبكاتها التجارية العالمية، أصبحت الإمارات حلقة يصعب استبدالها. وحتى الدول التي تحافظ على علاقات تجارية مع طهران، مثل الصين أو تركيا أو سلطنة عُمان، لا توفر البيئة اللوجستية والمالية نفسها التي تتيحها دبي.
وقد ازدادت أهمية هذا المسار منذ العام 2018، مع تشديد العقوبات الأميركية ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، ما دفع إيران إلى الاعتماد بشكلٍ أكبر على القنوات غير المباشرة. وضمن هذا السياق، برزت تجارة “الظل” كجُزءٍ لا يتجزّأ من الاقتصاد، حيث تدخل مليارات الدولارات من السلع سنويًا عبر ترتيبات معقّدة، غالبًا تحت تسميات مختلفة أو عبر وسطاء، في ظلِّ تساهُلٍ ضمني يسمح باستمرار هذه التدفّقات.
هذه المنظومة، رُغمَ مرونتها، تبقى بطبيعتها هشّة. فهي تعتمد على توازُنٍ دقيق من الثقة والبراغماتية، وعلى قدرة الأطراف المعنية على إبقاء قنوات التجارة مفتوحة رُغم التوترات السياسية. ومع انتقال الصراع إلى مستويات أكثر مباشرة، تتآكل هذه الشروط تدريجًا، ما يُهدّد بإغلاق أحد أهم منافذ إيران الاقتصادية.
في المقابل، لن تكون الإمارات بمنأى عن التأثير. فالتجارة مع إيران تمثل عنصرًا مهمًا في نشاط إعادة التصدير، خصوصًا في دبي. غير أنَّ قدرة الإمارات على امتصاص الصدمات تبقى أعلى بكثير، نظرًا لتنوع اقتصادها واندماجها العميق في الأسواق العالمية. أما إيران، فإنَّ فقدان هذا الرابط قد يدفعها إلى مزيد من العزلة، ويضاعف الضغوط على اقتصادٍ يعاني أصلًا من اختلالاتٍ هيكلية حادة.
في جوهر الأمر، تكشف هذه الأزمة عن مفارقة استراتيجية تواجهها طهران. فمن جهة، تسعى إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي عبر أدوات عسكرية وشبكات نفوذ، ومن جهة أخرى، يعتمد بقاؤها الاقتصادي على قنوات تجارية هشّة تتطلَّب حدًا أدنى من الاستقرار والتعاون. ومع تصاعد المواجهة، تصبح هذه المعادلة أكثر صعوبة في الاستمرار.
لقد نجحت إيران لسنوات في إدارة هذا التوازن—مواجهة في السياسة، وانفتاح محدود في الاقتصاد. لكن هذا النموذج يواجه اليوم حدود قدرته على الصمود. وإذا ما انقطع شريان التجارة عبر الإمارات، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، فلن يكون ذلك مجرد اضطراب في سلاسل الإمداد، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد الإيراني على البقاء في بيئة دولية تضيق فيها خياراته يومًا بعد يوم.
في النهاية، لا يكمن الخطر في خسارة شريك تجاري فحسب، بل في انهيار نموذج كامل بُني على الالتفاف والمناورة. وعندها، لن يكون السؤال كيف ستتكيّف إيران مع العزلة—بل ما إذا كانت لا تزال تملك الأدوات الكافية لتفاديها —أم أنَّ مرحلةً جديدة من العزلة قد بدأت بالفعل.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



