كردستان على حافة العاصفة: عندما يَتَحَوَّلُ الملاذ الآمن إلى ساحةِ حرب

بين صواريخ إيران وحسابات واشنطن وفوضى ميليشيات الحشد الشعبي، يجد إقليم كردستان نفسه عالقًا في قلب صراع لا يملك أدوات التأثير فيه. ومع تآكل الحماية الدولية، يواجه الأكراد خطر خسارة كل ما بنوه—دفعة واحدة.

رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني: حذّر من خطورة الانزلاق نحو مزيدٍ من التصعيد.

أربيل (كردستان) – كريستوفر أولبريتون*

قُتِلَ ستة مقاتلين أكراد من قوات البيشمركة وأصيب نحو 30 آخرين، إثر هجوم بصواريخ باليستية إيرانية استهدف قاعدة عسكرية شمال أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، يوم الثلاثاء الماضي. ويُعدّ هذا التطوُّر سابقة لافتة، إذ يمثل—بحسب المعطيات المتوفرة—أول استهداف مباشر للقوات الكردية العراقية، بعدما كانت الهجمات الإيرانية، سواء المباشرة أو عبر حلفائها، تتركّز على منشآت أميركية أو معسكرات للمعارضة الكردية الإيرانية داخل الإقليم. وعلى هذا الأساس، يُنظر إلى الضربة باعتبارها تصعيدًا نوعيًا يفتح مرحلة أكثر خطورة في مسار التوترات الإقليمية.

وأوضحت وزارة شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كردستان أنَّ ستة صواريخ باليستية طالت مواقع عسكرية تابعة للفرقة السابعة مشاة في المنطقة الأولى، إلى جانب وحدة من الفرقة الخامسة مشاة، في قضاء سوران شمالًا. وفي بيان رسمي، أدانت الوزارة الهجوم بشدة، واعتبرته جُزءًا من سلسلة اعتداءات تُهدّد أمن الإقليم واستقراره، مؤكدة في الوقت نفسه حقها في الرد على أي عدوان. كما دعت جميع الأطراف إلى تجنيب إقليم كردستان تداعيات الصراع، فيما انضم رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني إلى موجة الإدانات، محذرًا من خطورة الانزلاق نحو مزيدٍ من التصعيد.

لكن، في واقع الحال، لا تملك حكومة إقليم كردستان سوى الإدانة. فالأكراد يفتقرون إلى منظومات دفاع جوي قادرة على صدّ الهجمات، كما إنهم خارج حسابات التفاوض الإقليمي، بلا أدوات فعلية للتأثير في مسار حرب تتصاعد بوتيرة متسارعة، مهددةً الملاذ النسبي الذي بنوه بعد سنوات من الصراع.

ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية ضد إيران في 28 شباط (فبراير)، تعرّض الإقليم لسلسلة هجمات مكثّفة تجاوزت 250 غارة بطائرات مسيّرة وصواريخ، بحسب مسؤول أمني رفيع في حكومة الإقليم. وقد استهدفت الضربات في معظمها معسكرات المعارضة الإيرانية المنتشرة في المناطق الجبلية، وهي جماعات سمحت لها حكومة الإقليم بالبقاء على أراضيها رغم تحفظاتها.

غير أنَّ رقعة الاستهداف أخذت في الاتساع مع استمرار التصعيد. فالهجمات لم تعد تقتصر على تلك المعسكرات، بل امتدت لتطال محيط المنشآت الأميركية قرب أربيل، حيث تكاد السماء تُضاء ليلًا بأنظمة الدفاع الصاروخي ونيران المدفعية وقذائف الهاون. ووفقًا لمصادر أمنية محلية، سُجلت انفجارات عدة في تلك المواقع خلال الأيام الماضية، ما يعكس انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر حساسية.

وفي هذا السياق، يأتي الاستهداف المباشر لقوات البيشمركة ليُؤشِّر إلى مرحلة جديدة من التصعيد، تتسم بقدر أكبر من الضبابية وعدم اليقين. فبالتوازي مع هذه التطورات الميدانية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الضربات على البنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي، رغم نفي طهران وجود محادثات رسمية، قبل أن يمدد المهلة لاحقًا حتى السادس من نيسان (أبريل).

في المقابل، تبقى مؤشرات التصعيد قائمة. فمضيق هرمز لا يزال شبه مغلق، فيما تتدفق تعزيزات عسكرية أميركية إلى المنطقة، مع إرسال آلاف من مشاة البحرية تحسبًا لاحتمال تنفيذ عمليات برية داخل إيران. وبين هذه الحسابات الكبرى، يجد إقليم كردستان نفسه عالقًا في قلب صراع يتجاوز قدرته على الاحتمال أو التأثير.

مشكلة الميليشيات

على الرُغم من شدّته، يبقى الهجوم الذي استهدف قاعدة البيشمركة في سوران الأسبوع الماضي حالةً استثنائية في سياق التهديدات التي تواجه إقليم كردستان. فالمصدر الأكثر ثباتًا وخطورة لا يتمثّل في الضربات المباشرة، بل في نفوذ قوات الحشد الشعبي—وهي مظلة تضم فصائل مسلحة ذات غالبية شيعية، تُدرَج رسميًا ضمن المنظومة الأمنية العراقية، لكنها ترتبط عمليًا بشبكة علاقات وثيقة مع طهران.

وفي هذا السياق، يصف مسؤول أمني رفيع في حكومة إقليم كردستان هذه القوات بأنها أقرب إلى امتدادٍ غير مُعلَن للحرس الثوري الإيراني، مشيرًا إلى وجود مستشارين إيرانيين ضمن بنيتها، وإلى نشاطات تصنيع عسكري تجري داخل العراق، لا سيما في محافظة ديالى الحدودية مع إيران، إضافة إلى مناطق أخرى. وتجد هذه الرواية صدى جُزئيًا في تصريحات صادرة عن نائب قائد “حركة النجباء”، إحدى أبرز الفصائل المنضوية تحت الحشد الشعبي، الذي أقرّ بوجود منظومة إنتاج عسكري تعتمد على ما وصفه بـ”سلسلة إمداد طويلة ومعقدة”، تقوم على ورش صغيرة وخطوط إنتاج سريعة ومنخفضة التكلفة، في تشبيه لافت شبّهها بإعداد حلويات الأعياد في المنازل.

على المستوى السياسي، تواجه الحكومة العراقية في بغداد ضغوطًا متزايدة من إدارة الرئيس دونالد ترامب لإخضاع هذه الفصائل ونزع سلاحها، مع التلويح بعقوبات اقتصادية قاسية في حال الإخفاق. غير أنَّ هذا المسار ظلّ، على مدى سنوات، عصيًا على التنفيذ، في ظل تعقيدات المشهد السياسي وتوازناته الداخلية. ومع استمرار الفراغ الحكومي عقب انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) الماضية، تبدو بغداد اليوم أقل قدرة من أيِّ وقت مضى على فرض سيطرتها على هذه التشكيلات.

ومع اندلاع الحرب مع إيران، سارعت هذه الفصائل إلى الانخراط المباشر في المواجهة. فقد أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق”—وهي تسمية جامعة لعدد من ميليشيات الحشد—مسؤوليتها عن عشرات الهجمات التي استهدفت قواعد أميركية خلال فترة زمنية قصيرة في مطلع آذار (مارس). وردت القوات الأميركية بضربات مضادة طالت مواقع للحشد الشعبي في غرب العراق، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، في مؤشر إضافي على اتساع رقعة الاشتباك وتداخل ساحاته داخل الأراضي العراقية.

أوضح مسؤول أمني رفيع في حكومة إقليم كردستان أنَّ ما يضفي على هذه المرحلة قدرًا استثنائيًا من الخطورة هو احتمال تعطُّل التسلسل القيادي التقليدي، الذي يمتد من طهران إلى “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري، وصولًا إلى الميليشيات الوكيلة في العراق. فمع إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل اغتيال نحو 40 مسؤولًا إيرانيًا رفيع المستوى منذ أواخر شباط (فبراير)، بينهم قيادات بارزة في الحرس الثوري، تتزايد احتمالات أن تتحرك هذه الفصائل بقدر أكبر من الاستقلالية، في ظل غياب إشراف مركزي فعّال. ويعكس التباين في الخطاب الإيراني هذا الارتباك؛ إذ جاء اعتذار الرئيس مسعود بزشكيان عن الضربات على دول مجاورة متناقضًا مع نفي المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لأي مسؤولية لإيران أو حلفائها عن هجمات في تركيا وعُمان.

وقد تكون تداعيات هذا التآكل في مركزية القرار عميقة. فالميليشيات التي تمتلك قدرات تصنيع ذاتية، لكنها تعمل ضمن بيئة قيادة متصدعة، تقترب أكثر من نموذج الجماعات المسلحة المستقلة، بدلًا من كونها أدوات استراتيجية منضبطة ضمن حسابات إقليمية دقيقة.

فخ الحياد

في موازاة ذلك، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب علنًا فكرة دعم جماعات المعارضة الإيرانية المسلحة الموجودة في العراق، وتشجيعها على تنفيذ عمليات داخل إيران. وقد سعت حكومة إقليم كردستان إلى التعامل مع هذا الطرح بحذر شديد، مؤكدة تمسكها بالحياد ورفضها استخدام أراضيها كنقطة انطلاق لأيِّ هجمات. غير أنَّ هذا الموقف لا يبدو كافيًا لطمأنة طهران، إذ حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أنَّ أيَّ تحرُّك عبر الأراضي الكردية سيحوّل جميع الأهداف إلى مشروعة. كما وجّه علي لاريجاني، قبل اغتياله في 17 آذار (مارس)، تحذيرًا شديد اللهجة لجماعات المعارضة الكردية الإيرانية، مؤكدًا أنَّ أيَّ نشاط سيُقابل بردٍّ حازم.

وفي هذا السياق، يبدو أنَّ الغموض بات جُزءًا من سياسة الإقليم. فبحسب كاكو عليار، أحد قياديي حزب “كومالا”، لم تسعَ حكومة إقليم كردستان إلى دعم هذه الجماعات أو كبحها بشكل صريح، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين تجنّب التصعيد وعدم الانخراط المباشر. غير أنَّ هذه المقاربة—التي قد تبدو براغماتية—تضع الإقليم في موقع هش: حياد لا يرضي الأطراف المتصارعة، لكنه يجنّب، مؤقتًا، كلفة الانحياز.

كان مسؤول أمني رفيع في حكومة إقليم كردستان صريحًا في توصيف حدود القدرة الدفاعية للإقليم. فالإقليم، كما يقول، ليس دولة ذات سيادة، ما يقيّده قانونيًا وعمليًا في ما يتعلق بالحصول على أنظمة تسليح متطورة. ونتيجة لذلك، يفتقر إلى وسائل فعّالة للتصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ التي باتت تُستخدم ضده بشكل متكرر، ما يتركه مكشوفًا أمام تهديدات تتجاوز قدرته على الردع.

في المقابل، تمضي حكومة الإقليم بهدوء في مسارٍ إصلاحي داخلي طال انتظاره، يتمثل في توحيد قوات البيشمركة. فقد ظلّت هذه القوات، شأنها شأن الإقليم نفسه، منقسمة تاريخيًا بين حزبين رئيسيين: الحزب الديموقراطي الكردستاني، المتمركز في أربيل والمرتبط بعلاقات وثيقة مع تركيا والغرب، والاتحاد الوطني الكردستاني، ذو الجذور اليسارية والعلاقات الأقرب إلى إيران. وقد بلغ هذا الانقسام ذروته خلال الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، التي خلّفت آلاف القتلى من المدنيين والمقاتلين.

اليوم، تسعى القيادة الكردية إلى تجاوز هذا الإرث. إذ يضمّ هيكل وزارة شؤون البيشمركة حاليًا 11 فرقة، في محاولة لإلغاء الولاءات الحزبية وبناء مؤسسة عسكرية موحدة. ومن المتوقع تعيين قائد عام خلال الأشهر المقبلة، في خطوةٍ تهدف إلى ترسيخ هذا التحوُّل. غير أنَّ مسارَ الإصلاح لا يزال غير متكافئ؛ فقد جرى دمج بعض الوحدات المرتبطة بالحزب الديموقراطي ضمن الهيكل الرسمي، بينما لا تزال وحدات أخرى تابعة للاتحاد الوطني خارج هذا الإطار. ومع ذلك، فإنَّ الاتجاه العام واضح: بناء جيش محترف قادر على مواجهة الأزمات المقبلة—وإن كان توقيت تلك الأزمات، في ظلِّ التصعيد مع إيران، قد يسبق اكتمال هذا التحوُّل.

السيناريو الكابوس

منذ تأسيس حكومة إقليم كردستان عام 1992، اعتمدت إلى حد كبير على تطوير مواردها النفطية والغازية بشكلٍ مستقل، ما مكّنها من بناء نموذج اقتصادي منح أربيل ملامح مدن مزدهرة، تتجلى في الأبراج الحديثة والفنادق العالمية ومراكز التسوُّق. غير أنَّ هذا النمو كان قائمًا، في جوهره، على فرضية الاستقرار—وهي فرضية باتت اليوم موضع شك.

وفي هذا السياق، يعبّر مسؤول أمني رفيع في حكومة الإقليم عن مخاوف عميقة تتجاوز حدود التهديدات المباشرة. فبحسب تقديره، فإنَّ أيَّ انهيار محتمل للنظام الإيراني قد لا يقود إلى انتقال منظم للسلطة، بل إلى مرحلة فوضوية مفتوحة على احتمالات خطرة. ويختصر هذا القلق بقوله: “قد يكون هناك قتل. قد تكون هناك حرب أهلية. لا نعرف بعد”.

غير أنَّ القلق الأكبر، وفق المسؤول نفسه، لا يرتبط فقط بتصاعد المواجهة الإقليمية، بل بإمكانية عودة تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى الواجهة. فرُغم تراجع قدراته، لا تزال خلاياه النائمة وجماعات صغيرة متأثرة بإيديولوجيته تنشط في شمال شرق سوريا، مع تسجيل حالات تسلُّل عبر الحدود إلى العراق. ويحذّر المسؤول من أن تحوُّلَ العراق وإقليم كردستان إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد يوفر بيئة مثالية لهذه الجماعات لإعادة تنظيم صفوفها، وربما الانتقام من الأكراد الذين لعبوا دورًا محوريًا في هزيمتها خلال حرب 2014-2017.

ويزداد هذا السيناريو قتامة مع تراجع الأطر الدولية التي ساهمت في احتواء التنظيم. فبعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العراق—التي أُنشئت جُزئيًا لمنع عودة التنظيم—بدأت بالفعل تقليص وجودها، بالتزامن مع اقتراب انتهاء عملية “العزم الصلب” بقيادة الولايات المتحدة. ووفق التقييمات المحلية، فإنَّ هذه المهمة لم تعد تتناسب أصلًا مع واقع ما بعد اندلاع الحرب مع إيران، ما يُضعف قدرتها على التعامل مع التهديدات المستجدّة.

في المحصّلة، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا وسوداوية. فالقوى التي لعبت دورًا رئيسًا في احتواء تنظيم “الدولة الإسلامية”—من التحالف الأميركي-الكردي إلى “الناتو”، وحتى بعض فصائل الحشد الشعبي—أصبحت اليوم منشغلة بصراعات موازية، لكلٍّ منها أولوياته وتحالفاته المتغيرة. وفي خضم هذا التحوُّل، تجد قوات البيشمركة نفسها، التي كانت في طليعة المواجهة مع التنظيم، تحت نيران هجمات صاروخية لا تملك الوسائل الكافية لردعها.

بالنسبة إلى الأكراد العراقيين، لا يبدو أنَّ المعادلة الجيوسياسية قد تغيّرت كثيرًا عبر العقود: موقع محاط بقوى أكبر، ومصير مرهون بتوازنات خارجية متقلِّبة. غير أنََّ الفارق اليوم يكمن في حجم ما هو على المحك. فقد نجح الإقليم في بناء نموذج شبه دولتي يتمتع بقدر من الحكم الذاتي، واقتصاد نشط، وعلاقات دولية، إلى جانب مشروع إصلاحي لتحديث قواته العسكرية. وتعكس المدن الحديثة ووحدات البيشمركة الموحدة استثمارًا طويل الأمد في فكرة أنَّ الاستقرار يُبنى تدريجًا، لا يُمنح.

لكن هذا البناء بأكمله بات اليوم داخل نطاق صراع لا يملك الإقليم أدوات التأثير فيه، ولا ضمانات لحمايته. ومع غياب مظلة دفاعية فعّالة، وتراجع التزام الحلفاء، يواجه إقليم كردستان احتمال أن يتحوّل، رغمًا عنه، إلى إحدى ساحات المرحلة المقبلة من الحرب.

  • كريستوفر أولبريتون هو صحافي ومحلل سياسي غطى الصراعات في جميع أنحاء الشرق الأوسط لمجلة تايم، وكان رئيس مكتب طومسون-رويترز في باكستان. نُشرت أعماله في العديد من المطبوعات، بما في ذلك مجلة نيويورك، وول ستريت جورنال، وديلي بيست، وستريتس تايمز السنغافورية. وفي العام 2002، أسس مدونة ” Back-to-Iraq.com الحائزة على جوائز، ليصبح بذلك أول صحافي متخصص في شؤون النزاعات في العالم يعتمد كليًا على تمويل القراء.
  • كُتِبَ المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى