حرب الخليج واختبار الدولار: هل تَهتَزُّ قواعد النظام المالي العالمي؟
كابي طبراني*
لم يعد الحديث عن الحرب في الشرق الأوسط يقتصر على تداعياتها الأمنية أو السياسية، بل باتَ يمتدُّ إلى صلب النظام المالي العالمي، حيث يقف الدولار أمام اختبارٍ مُعقّد قد لا تكون نتائجه فورية، لكنها تحمل دلالات عميقة في المدى الطويل. فالتقرير الصادر عن بنك “دويتشه” (Deutsche Bank) في 24 آذار (مارس) الجاري يُشيرُ بوضوح إلى أنَّ هذه الحرب لا تُهدّدُ فقط استقرار المنطقة، بل تمسُّ أحد أهم أعمدة الهيمنة الاقتصادية الأميركية، وهو نظام “البترودولار” الذي شكّلَ لعقود حجر الأساس في مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية.
هذا النظام، الذي نشأ في سبعينيات القرن الماضي عبر ربط تسعير النفط بالدولار، لم يَكُن مجرّد ترتيبات مالية، بل منظومة متكاملة تجمع بين الأمن والطاقة والمال. فالولايات المتحدة وفّرت مظلة أمنية لتدفُّق النفط من الخليج، في مقابل تسعيره بالدولار وإعادة تدوير العوائد في الأسواق الأميركية. وبفضل هذه المعادلة، نشأ طلبٌ عالمي دائم على الدولار، ما عزّز من قدرته على الحفاظ على موقعه المهيمن في التجارة والاحتياطيات الدولية.
غير أنَّ ما تكشفه الحرب الحالية هو أنَّ هذه المعادلة لم تَعُد مُحصّنة كما كانت. فاستهداف البنية التحتية للطاقة، والتهديدات التي طالت الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، أظهرت حدود القدرة الأميركية على ضمان أمن الإمدادات في بيئةٍ إقليمية معقّدة. ومع تراجع اليقين الأمني، تبدأ تلقائيًا الأسئلة حول جدوى استمرار الاعتماد الحصري على الدولار، خصوصًا لدى الدول المستوردة للطاقة التي تبحث عن استقرارٍ أكبر في سلاسل الإمداد.
لكن الأهم من ذلك أنَّ هذه الحرب لم تأتِ في فراغ، بل جاءت في سياق تحوُّلات كانت قد بدأت بالفعل قبل اندلاعها. فالتغيُّر في اتجاهات تجارة النفط، حيث أصبحت آسيا –وعلى رأسها الصين– الوجهة الرئيسة لصادرات الخليج، أعاد تشكيل موازين القوة الاقتصادية. ومع هذا التحوُّل، بدأ يظهر منطقٌ جديد: لماذا يُسَعَّرُ النفط بالدولار بينما أكبر مستهلكيه لم يعد في الولايات المتحدة؟ هذا السؤال، الذي كان نظريًا قبل سنوات، بات اليوم أكثر حضورًا في النقاشات الاقتصادية والسياسية.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل الحرب عن سلسلةٍ من التطوُّرات التي تشير إلى تآكلٍ تدريجي في هيمنة الدولار. فروسيا، بعد العقوبات الغربية، وسّعت استخدام العملات المحلية في تجارتها، والصين دفعت باتجاه تسعير بعض وارداتها النفطية باليوان، فيما بدأت دول أخرى في “الجنوب العالمي” تبحث عن بدائل لأنظمة الدفع التقليدية التي يهيمن عليها الدولار. هذه الاتجاهات لا تعني بالضرورة نهاية وشيكة للدولار، لكنها تعكس رغبة متزايدة في تقليل الاعتماد عليه، وهي رغبة تعزّزها الأزمات المتكررة.
رُغمَ كل هذه المؤشرات، لا يزال الدولار يحتفظ بعوامل قوة يصعب تجاوزها في المدى المنظور. فهو ليس مجرد عملة تسعير للنفط، بل العمود الفقري للنظام المالي العالمي، مدعومًا بعمق الأسواق الأميركية، وثقة المستثمرين، وغياب بديل قادر على الحلول مكانه بشكل كامل. فاليورو يعاني من انقسامات داخلية، واليوان لا يزال خاضعًا لقيود سياسية ومالية، أما العملات الأخرى فلا تمتلك الوزن الكافي لتكون بديلًا عالميًا.
هذا الواقع يجعل من الصعب الحديث عن انهيار سريع للدولار، لكنه لا ينفي إمكانية تراجُع تدريجي في هيمنته. فالتاريخ الاقتصادي يُعلّمنا أنَّ العملات العالمية لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء، مع تغيُّر موازين القوة الاقتصادية. وهذا ما قد نشهده اليوم، حيث لا يُستبدَل الدولار بعملة واحدة، بل يتراجع لصالح نظام أكثر تعددية، تتوزع فيه الأدوار بين عملاتٍ عدة.
الحرب في الخليج تضيفُ بُعدًا جديدًا لهذا المسار، لأنها تضرب في صلب العلاقة بين الأمن والطاقة التي قام عليها “البترودولار”. فإذا لم تعد الولايات المتحدة قادرة على ضمان تدفُّق النفط بالكفاءة نفسها، فإنَّ الحافز للاعتماد على الدولار يتراجع، حتى لو لم يختفِ بالكامل. وفي هذا السياق، تصبح أي خطوة نحو تسعير النفط بعملات أخرى، ولو جُزئيًا، مؤشّرًا مهمًّا على تغيُّر قواعد اللعبة.
غير أنَّ التحدي الأكبر قد لا يكون في العملة بحدِّ ذاتها، بل في التحوُّلات الأوسع في سوق الطاقة. فالعالم يشهد اليوم تسارعًا في الانتقال نحو مصادر طاقة بديلة، مدفوعًا بعوامل بيئية واقتصادية وأمنية. وإذا استمرَّ هذا الاتجاه، فإنَّ الطلب العالمي على النفط –وبالتالي على الدولار المرتبط به– قد يتراجع بشكل هيكلي، وهو ما يمثل تهديدًا أعمق من مجرد تغيير عملة التسعير.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أنَّ العالم يتجه نحو مرحلة انتقالية، حيث لم يعد من الممكن الاعتماد على نموذج الهيمنة الأحادية الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. فصعود الصين، وتزايد استقلالية الدول في مجال الطاقة، وتكرار الأزمات الجيوسياسية، كلها عوامل تدفع نحو نظام أكثر تعقيدًا وتعددية.
الدول الخليجية، التي كانت لعقود ركيزة “البترودولار”، تجد نفسها اليوم في قلب هذا التحوُّل. فهي لا تزال مرتبطة بالدولار عبر احتياطياتها واستثماراتها، لكنها في الوقت نفسه توسّع علاقاتها مع قوى اقتصادية أخرى، وتسعى إلى تنويع شراكاتها. هذه الازدواجية تعكس طبيعة المرحلة الحالية: لا قطيعة مع النظام القديم، لكن أيضًا لا التزامًا مطلقًا به.
الحرب الحالية قد تسرّع هذا الاتجاه، لكنها لن تحسمه. فالتحوّلات الكبرى في النظام المالي العالمي تحتاج إلى وقتٍ طويل، وتتطلّب توفُّر بدائل مؤسسية متكاملة، وهو ما لم يتحقق بعد. ومع ذلك، فإنَّ تراكم الضغوط –من الأزمات الجيوسياسية إلى التحوُّلات في الطاقة– قد يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل تدريجية للنظام القائم.
في المحصّلة، لا يبدو أنَّ الدولار على وشك الانهيار، لكنه لم يعد في موقع لا يُمَسّ. وما تكشفه الحرب في الخليج هو أنَّ الأسس التي قام عليها النظام المالي العالمي لم تَعُد صلبة كما كانت، وأنَّ العالم يدخل مرحلةً جديدة، حيث تتقدّم الاعتبارات الأمنية والاقتصادية معًا لإعادة رسم خريطة القوة. وفي هذا العالم، قد يبقى الدولار لاعبًا رئيسًا، لكنه لن يكون اللاعب الوحيد.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



