استراتيجية إيران الطويلة: كيف تُحَوِّلُ الصمودَ إلى مكسبٍ استراتيجي
رُغمَ الضربات الثقيلة والمدَمِّرة التي تتلقّاها إيران، لا تبدو المعركة محسومة وفق منطق القوة العسكرية وحده. فخلف مشهد الاستهداف والتفوُّق الناري، تعمل طهران على معادلة مختلفة تقوم على الصمود وإعادة توزيع كلفة الحرب. وفي هذا الإطار، قد لا يكون السؤال مَن يربح المعارك، بل من ينجح في فرض شروط النهاية.

الدكتورة نَرجِس باجوغلي*
إذا ما قيس مسار المواجهة بالمعايير التقليدية للحروب، تبدو إيران في موقع الخاسر أمام الولايات المتحدة وإسرائيل. فخلال الأسابيع الأخيرة، استهدفت ضربات جوية وصاروخية منشآت عسكرية حساسة داخل العمق الإيراني، بما في ذلك مواقع مرتبطة بالصناعات الدفاعية، كما قُتل عدد من القيادات الميدانية في الحرس الثوري، وتعرّضت أجزاء من منظومات الدفاع الجوي لضغوط متزايدة. هذه الوقائع، بمعايير القوة النارية والتفوُّق التكنولوجي، توحي بتفوّق واضح للخصوم. غير أنَّ هذا التقييم يبقى قاصرًا إذا ما اقتصر على قياس الخسائر المباشرة. فالمعيار الأكثر دقة يكمن في تحديد ما إذا كانت طهران تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، لا في قدرتها على تجنُّب الضربات. وعند النظر من هذه الزاوية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، بل وقد تميل لصالح إيران.
هذه النتيجة لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة مسار طويل من إعادة بناء العقيدة القتالية الإيرانية منذ الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988)، حين أدركت طهران حدود المواجهة التقليدية مع خصوم يتفوّقون تسليحًا. ومنذ ذلك الحين، استثمرت في تطوير أدوات حرب غير متماثلة، تجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والشبكات الإقليمية الحليفة. وفي سياق الحرب الحالية، برزت ملامح هذه الاستراتيجية بوضوح: فقد تعرّضت قواعد أميركية في الخليج والعراق لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة وصواريخ قصيرة المدى، ما أجبر واشنطن على تعزيز دفاعاتها وإعادة تموضع بعض قواتها. كما تضرّرت حركة الملاحة في مضيق هرمز وبحر العرب بفعل تهديدات مباشرة وغير مباشرة، وهو ما انعكس في ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وزيادة المخاطر على إمدادات الطاقة العالمية. وفي الوقت نفسه، ساهمت الضغوط الأمنية في تعقيد حسابات دول الخليج، التي وجدت نفسها بين حاجتها للحماية الأميركية ورغبتها في تجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
بهذا المعنى، لا تقتصر مقاربة إيران على الصمود أمام الضربات، بل تقوم على توسيع نطاق كلفة الحرب لتشمل خصومها اقتصاديًا وسياسيًا. فإلى جانب الأضرار المباشرة، أدت الهجمات غير المتكافئة إلى استنزاف موارد دفاعية كبيرة، وإثارة نقاشات داخلية في الولايات المتحدة حول كلفة الانخراط العسكري، فضلًا عن إحداث تباينات في مواقف الحلفاء الإقليميين. ومن هنا، فإنَّ ميزان الحرب لا يُقاس فقط بما يُدمَّر على الأرض، بل أيضًا بما يُفرض من أثمان على الطرف الآخر. وفي هذا الإطار، تبدو طهران وقد نجحت، حتى الآن، في تحويل ضعفها التقليدي إلى أداة ضغط استراتيجية تمنحها هامشًا أوسع للمناورة.
تكوين المرشد الأعلى
في خلفية هذا الأداء، يبرز الدور الذي لعبه المرشد الأعلى علي خامنئي في رسم الخطوط الاستراتيجية التي تحكم سلوك النظام الإيراني في هذه الحرب. فرُغمَ الجدل الذي رافق صعوده إلى موقع القيادة بعد وفاة آية الله روح الله الخميني عام 1989، حيث لم يكن يُعَدُّ من كبار المرجعيات الدينية، فإنَّ تجربته السياسية، ولا سيما خلال توليه رئاسة الجمهورية في سنوات الحرب العراقية–الإيرانية، منحته رصيدًا مختلفًا من الخبرة. تلك التجربة، بما حملته من ضغوط وجودية وصراعات معقدة، صقلت لديه رؤية تقوم على إدارة الصراع طويل الأمد، أكثر من الاعتماد على التفوُّق اللحظي أو الرمزية الدينية.
في الوعي الإيراني الرسمي، لم تُختزل الحرب مع العراق في كونها نزاعًا ثُنائيًا بين دولتين، بل جرى التعامل معها بوصفها مواجهة أوسع مع نظامٍ دولي متكامل الاصطفاف. فقد تلقّت بغداد حينها دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إلى جانب غطاءٍ سياسي وتمويل من عددٍ من الدول العربية، في وقت كانت إيران الخارجة حديثًا من ثورة 1979 تواجه عزلة شبه كاملة. هذه التجربة تركت أثرًا عميقًا في تفكير القيادة الإيرانية، التي خلصت إلى أنَّ أيَّ تمسُّكٍ بالاستقلال والسيادة سيستدعي، بشكلٍ شبه دائم، ضغوطًا خارجية متواصلة، قد تتطوّر في أيِّ لحظة إلى مواجهة مفتوحة.
ومن رحم تلك الحرب، تشكّل أيضًا جوهر العقيدة القتالية الإيرانية الحالية، القائمة على مبدَإِ “الحرب غير المتكافئة”. فالحصار الذي فُرِضَ على إيران منذ العام 1979، وقطع عنها إمدادات السلاح التقليدي، أجبرها على البحث عن بدائل خارج النموذج العسكري الكلاسيكي. في المقابل، كان العراق يحظى بتدفُّقٍ مستمر من الأسلحة الغربية والسوفياتية، إلى جانب دعم مالي خليجي واسع. أمام هذا الخلل في موازين القوة، لم يكن أمام طهران سوى الابتكار تحت الضغط: تطوير تكتيكات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، مثل استخدام الألغام بشكل واسع، والاعتماد على مقاتلين غير نظاميين يتمتعون بدوافع عقائدية قوية، ولا يحتاجون إلى منظومات تسليح متقدّمة أو سلاسل إمداد معقدة. هذه المقاربة، التي وُلدت من الضرورة، تحوّلت مع الوقت إلى ركيزة أساسية في طريقة إدارة إيران لصراعاتها، بما في ذلك المواجهة الحالية.
ما بدأ كاستجابةٍ اضطرارية لظروف الحصار والعزلة، تحوّل مع مرور الوقت إلى عقيدةٍ عسكرية متماسكة ذات ملامح واضحة. في قلب هذه العقيدة برز الحرس الثوري الإيراني، الذي تأسس في أعقاب الثورة وخاض تجربته التأسيسية في الحرب مع العراق، بوصفه المؤسسة التي احتضنت وبلورت مفهوم الردع غير المتكافئ. ومع الزمن، لم يعد دوره يقتصر على كونه قوة عسكرية موازية، بل أصبح إطارًا متكاملًا يجمع بين التصنيع العسكري، وبناء شبكات حلفاء من خارج الدولة، وتبنّي مبدأ الدفاع المتقدم خارج الحدود، إلى جانب إدارة استعراض القوة بطريقة مدروسة تتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة شاملة.
خلال العقود التالية، جرى تطوير هذه المقاربة وتوسيع نطاقها جغرافيًا وعملياتيًا. ففي لبنان، لعب الحرس الثوري دورًا محوريًا في دعم وتشكيل “حزب الله”، الذي تطوّر تدريجًا إلى قوة عسكرية منظمة تمتلك قدرات صاروخية وبنية قتالية متقدمة. وفي العراق، خصوصًا بعد الغزو الأميركي عام 2003، برزت أنماط جديدة من العمل غير المتكافئ، حيث اعتمدت الفصائل المدعومة من إيران على تكتيكات مثل العبوات الناسفة المتطورة، والاستهداف الدقيق للأفراد بناءً على معلومات استخباراتية، إلى جانب استخدام تشكيلات محلية توفّر غطاءً إنكاريًا يحدّ من كلفة المواجهة المباشرة. أما في سوريا، ومنذ اندلاع الحرب عام 2011، فقد شارك مستشارو الحرس الثوري وشبكات الميليشيات الحليفة، بما فيها “حزب الله”، في صراعٍ معقَّد متعدد الأطراف، ما أسهم في إنتاج جيل جديد من القادة الميدانيين الذين راكموا خبرات عملياتية في بيئات قتال متغيّرة وشديدة التعقيد.
بحلول اندلاع الحرب الحالية، كانت إيران قد أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صقل هذا النموذج من القتال، وتعلم كيفية إدارة الصراع مع خصوم يتفوقون عليها تقليديًا. هذه الخبرة المتراكمة تنعكس بوضوح في سلوكها اليوم. فالشبكات اللوجستية اللامركزية التي بُنيت على امتداد العراق وسوريا لنقل المقاتلين والعتاد، تُستخدَم الآن للحفاظ على استمرارية الإمداد رُغم القصف المكثّف. كما إنَّ المرونة التنظيمية التي ميّزت الفصائل المدعومة من إيران في مواجهتها مع القوات الأميركية في العراق—من حيث القدرة على امتصاص الضربات، والتشتت، ثم إعادة التشكّل بسرعة—تظهر اليوم في قدرة الحرس الثوري على مواصلة العمل رُغم استهداف قياداته. بهذا المعنى، لا تبدو هذه الحرب لحظة مفاجئة، بل امتدادًا لمسار طويل من الإعداد، بدأت نتائجه تتبلور على الأرض.
السلاح الاقتصادي
لم تقتصر استعدادات إيران على ميدان القتال العسكري، بل امتدت منذ وقت مبكر إلى ما يمكن تسميته “الحرب الاقتصادية الطويلة”. فعلى مدى عقود، عاشت طهران تحت نظام عقوبات واسع النطاق، قادته الولايات المتحدة، وأدى إلى عزلها عن الأسواق المالية الدولية، وتجميد جُزءٍ من أصولها، وتقليص عائداتها النفطية، وإبعادها عن شبكات التجارة العالمية. هذا الواقع لم يُضعِف الدولة فحسب، بل ساهم في تشكيل منطق استراتيجي خاص بها: فالدولة التي تُقصى من النظام الاقتصادي العالمي لا يكون لديها دافع للحفاظ على استقراره، بل تميلُ إلى اختبار حدوده والضغط عليه. وفي هذا السياق، تبدو التحرّكات الإيرانية الحالية جُزءًا من مقاربة منهجية، لا ردود فعل عشوائية. فاستهداف البنية التحتية للطاقة، والضغط المستمر على مضيق هرمز، والضربات التي طالت مرافق حيوية مثل الموانئ والمؤسسات المالية وشبكات التكنولوجيا في الخليج، تشكل في مجموعها محاولة لضرب الأسس الاقتصادية للنظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو النظام الذي صُمم في جُزءٍ كبير منه لاحتواء إيران نفسها.
في قلب هذه الاستراتيجية يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة ارتكاز حاسمة. فهذا الممر الضيّق يمرُّ عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية ونسبة كبيرة من صادرات الطاقة الحيوية، ما يجعله شريانًا لا يمكن الاستغناء عنه للاقتصاد العالمي. صحيح أنَّ إيران لا تمتلك القدرة على إغلاق المضيق بشكل كامل، لكنها لا تحتاج إلى ذلك لتحقيق تأثيرها. فمجرد التهديد الجدي بتعطيله كفيل بإرباك الأسواق، ورفع تكاليف التأمين والشحن، ودفع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى تخصيص موارد عسكرية كبيرة لضمان استمرار حركة الملاحة. هذا التحوُّل من الهجوم إلى الدفاع يفرض كلفة استراتيجية مرتفعة على واشنطن، ويحدّ من قدرتها على توظيف هذه الموارد في مسارات أخرى.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، ارتبط استقرار هذا الممر الحيوي بنظام “البترودولار”، حيث جرى تسعير معظم صادرات النفط الخليجية بالدولار مقابل المظلة الأمنية الأميركية. غير أنَّ إيران، المُستَبعَدة أصلًا من هذا النظام، تمتلك اليوم قدرة غير مباشرة على التأثير فيه من خلال تهديد إحدى ركائزه الأساسية: استقرار تدفقات الطاقة. ومع استمرار حالة عدم اليقين، وارتفاع تكاليف النقل، وتذبذب الأسواق، تتآكل تدريجًا البيئة التي تجعل من الدولار الخيار الطبيعي لتسعير النفط. وفي هذا السياق، قد لا تكون طهران قادرة على تفكيك النظام بمفردها، لكنها تستطيع الدفع نحو بدائل جُزئية، سواء عبر تشجيع تسويات بعملات أخرى مثل اليوان الصيني، أو من خلال تسريع النقاشات الجارية بين قوى دولية وإقليمية حول تنويع أدوات الدفع. اللافت هنا أن الكلفة المباشرة لهذه الاستراتيجية تبقى محدودة بالنسبة إلى إيران، في حين تتحمل الولايات المتحدة عبئًا أكبر في حماية النظام الذي يقوم عليها.
زرع الفتنة
إلى جانب البُعد الاقتصادي، تستند المقاربة الإيرانية إلى عنصر أكثر عمقًا واستدامة، يتمثّل في محاولة إحداث تباينات داخل معسكر الخصوم، وتحديدًا بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج. فمنذ العام 1979، عملت واشنطن على بناء شبكة أمنية إقليمية تهدف بالدرجة الأولى إلى احتواء إيران. وقد تجسَّدَ ذلك في إنشاء قواعد عسكرية في دول مثل البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات، بدأت كإجراءات مؤقتة في أعقاب حرب الخليج مطلع التسعينيات، لكنها تحولت تدريجًا إلى حضورٍ دائم. هذه الشبكة قامت على معادلة واضحة: التزام خليجي بالتوجُّهات الأمنية الأميركية، بما في ذلك لاحقًا الانخراط في ترتيبات أمنية مرتبطة بإسرائيل أو على الأقل القبول بها، مقابل ضمانات حماية وفرص ازدهار ضمن النظام الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة.
غير أنَّ الضغوط التي تولّدها الحرب الحالية، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد، تضع هذه المعادلة أمام اختبار فعلي. فكلما ارتفعت كلفة المواجهة، وازدادت المخاطر على الاستقرار الداخلي والاقتصادي لدول الخليج، برزت تساؤلات حول حدود الاعتماد على المظلة الأميركية، وحول جدوى الانخراط الكامل في صراع مفتوح. وفي هذا الهامش تحديدًا، تجد إيران فرصة للمناورة، ليس عبر كسر التحالفات بشكل مباشر، بل عبر إضعاف تماسكها تدريجًا، وخلق مساحات من التباين في الحسابات والمصالح.
لم تنظر طهران إلى هذه الشبكة من العلاقات بوصفها مجرّد إطارٍ للدفاع الجماعي، بل قرأتها منذ وقت مبكر كتحالف قابل للتحوُّل إلى أداةٍ هجومية ضدها في لحظة الأزمات. فالتقدير الإيراني افترض أنَّ النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة يمكن أن يُستَخدَم، عند اندلاع مواجهة واسعة، لقطع طرق التجارة الإيرانية، وخنق اقتصادها، وتوفير بنية لوجستية متقدمة لعمليات عسكرية تستهدف إسقاط النظام. وفي المقابل، أدركت طهران أنَّ نقطة الارتكاز الأضعف في هذا النظام تكمن في اعتماده على التزام دول الخليج به، وهو التزام مشروط بثقة هذه الدول في قدرة واشنطن على الوفاء بتعهداتها الأمنية. وعلى مدى سنوات، لم يكن هناك ما يكفي من التوتر لاختبار هذه المعادلة بجدية؛ فحتى مع وجود تباينات محدودة في بعض السياسات، ظلت دول الخليج تراهن على صلابة الاتفاق الأساسي مع الولايات المتحدة.
غير أنَّ هذه الثقة بدأت تتعرض لتآكل تدريجي منذ العام 2019، حين امتنعت واشنطن عن الرد المباشر على الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت نفطية سعودية، وهو ما ترك انطباعًا بأنَّ المظلة الأمنية ليست مطلقة كما كان يُعتقد. وتعمّق هذا الشعور لاحقًا مع أحداث أخرى، من بينها عدم تدخل الولايات المتحدة لمنع عمليات إسرائيلية حساسة على قطر، ما عزّز الانطباع بوجود أولويات متباينة داخل التحالف نفسه. ومع اندلاع الحرب الحالية، أصبح هذا التباين أكثر وضوحًا، إذ جرى توجيه قدر كبير من القدرات الدفاعية الأميركية والإسرائيلية نحو حماية إسرائيل، في حين واجهت دول الخليج تهديدات مباشرة لبناها التحتية الحيوية من دون مستوى الحماية ذاته. الرسالة التي التقطتها عواصم مثل أبو ظبي والدوحة والرياض والكويت لم تكن مجرد تفصيل عابر، بل مؤشرًا إلى ترتيب أولويات قد يضع أمن إسرائيل في المقدمة عند لحظات الاختيار الصعبة.
لطالما حاولت إيران، على مدى سنوات، إبراز هذا التناقض عبر خطوات مدروسة، من خلال تنفيذ ضربات محدودة تختبر حدود الرد الأميركي، أو عبر خطاب سياسي وإعلامي يسلط الضوء على الفجوة بين التعهّدات الأميركية المُعلنة وسلوكها الفعلي في أزمات سابقة، من العراق إلى غزة. غير أنَّ ما كان يُطرح سابقًا كتحذيرٍ نظري، بدأ يجد اليوم ما يعززه في الواقع العملي. فالحرب الدائرة لا تقتصر على كونها مواجهة عسكرية، بل تحوّلت أيضًا إلى اختبار مباشر لموثوقية النظام الأمني القائم.
في المقابل، لا يعني ذلك أنَّ دول الخليج تقترب من إيران أو تعيد تموضعها جذريًا إلى جانبها. فهذه الدول لا تزال تنظر إلى طهران باعتبارها مصدر تهديد مباشر، خصوصًا في ظلِّ استهداف أصولها الاقتصادية وبناها التحتية. لكن ما تغيّر هو مستوى اليقين في العلاقة مع واشنطن. وللمرة الأولى منذ عقود، يظهر قدر ملموس من التساؤل داخل هذه الدول حول حدود الاعتماد على الحماية الأميركية، وجدوى الانخراط الكامل في ترتيبات أمنية قد تجرّها إلى صراعات عالية الكلفة.
وهذا تحديدًا ما تسعى إليه طهران في المدى الطويل. فاستراتيجيتها لا تقوم على تحقيق نصر عسكري حاسم على الولايات المتحدة، بقدر ما تهدف إلى رفع الكلفة السياسية والاقتصادية لوجودها في المنطقة. فكلما تزايدت الشكوك لدى الدول المضيفة بشأن جدوى هذا الوجود، تراجعت استعداداتها لتوفير القواعد العسكرية، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو تمويل العمليات. وفي هذا الإطار، يصبح الهدف الإيراني أقل ارتباطًا بموازين القوة المباشرة، وأكثر اتصالًا بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي يعمل ضمنها الخصم، بحيث يصبح استمرار حضوره مكلفًا إلى حد يصعب تحمّله.
مفارقة قطع الرؤوس
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتين على تحقيق مكاسب تكتيكية ملموسة، لكنها لا تُترجَم بسهولة إلى إنجازاتٍ استراتيجية حاسمة. فالهدف المعلن يتمثّل في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية التي تُعد تهديدًا للنظام الإقليمي، وربما—في بعض التصوّرات داخل دوائر صنع القرار—الدفع نحو تغيير سلوك النظام أو حتى طبيعته. غير أنَّ الوسيلة الأساسية التي جرى الاعتماد عليها لتحقيق هذه الأهداف، أي سياسة الاغتيالات الممنهجة، لم تُنتِج النتائج المرجوة بالقدر المتوقَّع. فقد استندت هذه المقاربة إلى فرضية أنَّ تصفية القيادات السياسية والعسكرية ستؤدي إلى شللٍ في منظومة القرار الإيرانية، وتُضعِف قدرتها على الرد، وتخلق أثرًا رادعًا طويل الأمد. إلّا أنَّ تطوّرات الميدان تُشيرُ إلى أنَّ هذه الفرضية لم تصمد بالكامل أمام الواقع.
طهران، في الواقع، لم تُفاجَأ بهذا النمط من العمليات، بل كانت تتوقعه كجُزءٍ طبيعي من أيِّ مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. فقد راقبت عن كثب، على مدى عقود، الأساليب التي اعتمدها خصومها، من استهداف القيادة العراقية في عهد صدام حسين، إلى سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات “حزب الله”، وصولًا إلى اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني عام 2020. كما أنَّ تجربتها خلال الحرب العراقية–الإيرانية أظهرت بوضوح أنَّ فقدان القيادات يمكن أن يُحدث اختلالات خطيرة في بنية القيادة والسيطرة. استنادًا إلى هذه الدروس، عملت إيران تدريجًا على إعادة تصميم هيكلها القيادي، عبر توزيع الصلاحيات، وتعزيز اللامركزية، وبناء طبقات متعددة من القيادات البديلة القادرة على تولي المسؤولية عند الحاجة. هذه البنية، التي قد تبدو أقل تماسكًا في الظاهر، أثبتت عمليًا قدرتها على امتصاص الصدمات، حيث تمكنت المؤسسات العسكرية من الاستمرار في العمل رغم استهداف عدد من القيادات البارزة.
لكن المفارقة التي لم تكن في الحسبان، على الأرجح، تكمن في طبيعة القيادات التي أفرزتها هذه العملية. فالقادة الجدد الذين برزوا في مواقع المسؤولية لا يمثلون مجرد امتداد للجيل السابق، بل يعكسون تحوّلًا في الخبرة والتوجه. كثير منهم ينتمي إلى جيل أصغر سنًا، راكم خبراته في ساحات مثل العراق وسوريا ولبنان، حيث خاض مواجهات مباشرة أو غير مباشرة مع القوات الأميركية والإسرائيلية. هذه التجارب عززت لديهم قناعة بأنهم قادرون على مواجهة خصوم يتفوقون عليهم تقنيًا، بل ويرون في تلك المواجهات السابقة نوعًا من “الانتصار” الرمزي أو العملي. وفي الوقت نفسه، لا يحمل هذا الجيل الذاكرة الثقيلة للحرب العراقية–الإيرانية، بكل ما خلفته من خسائر بشرية هائلة، وهو ما كان يدفع القيادات الأقدم إلى قدر أكبر من الحذر.
يضاف إلى ذلك عامل مؤسسي لا يقل أهمية، يتمثل في أنَّ القادة الجدد غالبًا ما يعملون تحت ضغط إثبات الكفاءة والجدارة، وهو ما قد يدفعهم إلى تبنّي مواقف أكثر تشددًا، وإظهار قدر أكبر من الجرأة في اتخاذ القرار. ونتيجة لذلك، قد تؤدّي سياسة استهداف القيادات، بدلًا من إضعاف السلوك الإيراني، إلى نتائج عكسية تتمثل في زيادة مستوى التصعيد. فبدل أن تُحدث هذه العمليات حالة من الردع، قد تساهم في دفع المؤسسات العسكرية نحو مزيد من الحدة في الرد، في محاولة لتعويض الخسائر وإثبات القدرة على الاستمرار.
وفي حال نجحت الجمهورية الإسلامية في البقاء وتجاوز هذه الحرب، فإنَّ ملامح المرحلة اللاحقة قد تتشكل على وقع هذا التحوُّل في القيادة. إذ من المرجح أن تجد إيران نفسها أمام جيل من القادة المتمرّسين ميدانيًا، الذين يعتقدون أنهم صمدوا—وربما انتصروا—في مواجهة خصوم أقوى، رغم الكلفة العالية. مثل هذه القناعة لا تميل عادة نحو الاعتدال، بل قد تدفع نحو إعادة قراءة التجربة باعتبارها تأكيدًا لصواب النهج، ما يفتح الباب أمام سياسات أكثر صلابة في المستقبل، بدلًا من الانخراط في مسارات تهدئة أو تسوية.
البقاء والإنهاك
في جوهرها، تقوم العقيدة الاستراتيجية الإيرانية على معادلة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: البقاء عبر إنهاك الخصم. فطهران لا تسعى إلى هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل وفق المفهوم التقليدي للنصر العسكري، بل إلى إثباتِ أنَّ كلفة مواجهتها—عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا—تفوق ما يمكن تحمّله في المدى الطويل. ضمن هذا المنطق، لا يكون الهدف تحقيق اختراق سريع أو حسم ميداني، بل الصمود تحت الضغط لفترة كافية، مع نقل جُزءٍ متزايد من كلفة الصراع إلى الطرف الآخر، إلى أن تبدأ إرادة الاستمرار بالتآكل تدريجًا.
حتى الآن، تبدو هذه المقاربة في طور التحقق. فإيران، رُغمَ الضربات التي تتلقاها، لا تزال قادرة على مواصلة العمل، مُستفيدةً من بنية عسكرية لا مركزية ومن جيلٍ قيادي جديد أكثر استعدادًا للمواجهة. وفي الوقت نفسه، تمتد آثار الصراع إلى ما هو أبعد من ساحة القتال المباشر، حيث تضغط أدواتها الاقتصادية على منظومةٍ إقليمية استغرقت الولايات المتحدة عقودًا في بنائها، وتُسهِمُ في خلق تباينات داخل معسكر حلفائها في الخليج. هذه التباينات، حتى وإن لم تصل إلى حد القطيعة، تعكس درجة متزايدة من الحذر وإعادة الحسابات في عواصم كانت تُعَدُّ حتى وقتٍ قريب جُزءًا من كتلةٍ متماسكة.
وإذا استمرّت هذه الاتجاهات، فقد تنتهي الحرب بصورة مختلفة عمّا تعكسه مشاهد القوة النارية اليومية. إذ قد تخرج إيران وقد استُنزفت في قدراتها التقليدية، لكنها حافظت على تماسكها الداخلي وعلى قدرتها على الاستمرار، في حين يجد التحالف الأميركي–الخليجي نفسه أمام تحديات متزايدة في الحفاظ على تماسكه ووظيفته الاستراتيجية. في مثل هذا السيناريو، لا يُقاس “الانتصار” بعدد الأهداف التي دُمّرت، بل بالقدرة على فرض معادلة ردع جديدة، تثبت أنَّ كلفة إخضاع إيران تفوق العائد المتوقع من ذلك.
وعليه، قد تكون الولايات المتحدة وإسرائيل، بتفوّقهما العسكري، قادرتين على حسم كثير من المعارك. غير أنَّ الحرب، بوصفها عملية أطول وأكثر تعقيدًا، تُحسم بمعايير مختلفة. وهنا تحديدًا، تراهن طهران على خبرة تراكمت على مدى عقود، وعلى استراتيجية صُممت للصمود لا للتفوُّق العددي. وإذا نجح هذا الرهان، فقد لا تكون إيران الأقوى عسكريًا في نهاية المطاف، لكنها قد تكون الطرف الذي نجح في فرض قواعد اللعبة.
- الدكتورة نَرجِس باجوغلي هي عالمة أنثروبولوجيا وأستاذة مشاركة في دراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.