من طهران إلى دونباس: كيف قد تؤثّرُ حربُ إيران في مسارِ الحربِ الأوكرانية
كابي طبراني*
لم يَمضِ وقتٌ طويل حتى تحوّلَ اهتمامُ العالم من جبهات شرق أوروبا إلى سماء الشرق الأوسط. فمع اندلاعِ الحربِ المُرتبطة بإيران، تصدّرت أخبارُ الصواريخ والطائرات المُسَيَّرة في الخليج العناوين العالمية، بينما تراجَعَ حضورُ الحرب الروسية–الأوكرانية في صدارة النقاش الدولي. غير أنَّ هذا التحوّل في الاهتمام لا يعني أنَّ الحربين مُنفصلتان. على العكس، فقد يكون لما يجري في الشرق الأوسط تأثيرٌ مباشر في مسار الحرب في أوكرانيا.
ففي عالمٍ تتشابك فيه الأزمات الكبرى، لم تَعُد الحروبُ إقليمية بالمعنى التقليدي. فالأزمات في منطقةٍ ما يُمكِنُ أن تُعيدَ تشكيلَ ميزان القوى في مناطق أخرى. ومن هذا المنظور، تبدو الحرب في إيران عاملًا قد يؤثّرُ في الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا عبر ثلاثة مسارات رئيسة: السلاح، والطاقة، والديبلوماسية.
المسار الأوّل يتعلّق بالسلاح، وتحديدًا بأنظمة الدفاع الجوي المُتقدّمة. فمنذ أن بدأت روسيا تكثيف ضرباتها الصاروخية بعيدة المدى على المدن الأوكرانية، أصبحت منظومة باتريوت الأميركية إحدى أهم أدوات الدفاع الأوكراني. فهذه المنظومة تُعَدُّ من المنظومات القليلة القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية التي تستخدمها روسيا بكثافة في ضرب البنية التحتية للطاقة والمنشآت المدنية.
لكن هذه المنظومات ليست متوافرة بأعدادٍ كبيرة. وحتى قبل اندلاع الأزمة الإيرانية، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون يواجهون مُعضِلة حقيقية: كيف يمكن تزويد أوكرانيا بالمزيد من بطاريات باتريوت من دون استنزاف قدراتهم الدفاعية في مناطق أخرى من العالم.
اليوم، أصبحت هذه المُعضِلة أكثر تعقيدًا. فالهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المُسَيَّرة على إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي دفعت واشنطن إلى تعزيز الدفاعات الجوية في الشرق الأوسط. وهذا يعني أنَّ بطاريات باتريوت وصواريخها الاعتراضية أصبحت مطلوبة أيضًا لحماية مدن ومنشآت استراتيجية في المنطقة.
بالنسبة إلى أوكرانيا، فإنَّ النتيجة واضحة. فكلُّ صاروخٍ اعتراضي يُطلَق لاعتراض هجوم في الخليج هو صاروخٌ أقل مُتاح للدفاع عن كييف أو أوديسا أو خاركيف. وإذا طال أمد المواجهة في الشرق الأوسط، فقد تجد أوكرانيا نفسها أمام فجوةٍ أكبر في دفاعاتها الجوية في وقتٍ تُصعّدُ روسيا من هجماتها الصاروخية.
ولا يتوقّفُ الأمر عند هذا الحد. فروسيا لم تَعُد تعتمد كثيرًا على الإمدادات الإيرانية من الطائرات المُسيّرة. ففي بداية الحرب، لعبت مُسيّرات “شاهد” الإيرانية دورًا مهمًا في الهجمات الروسية على المدن الأوكرانية. لكن موسكو، وبمساعدة تقنية إيرانية، نجحت في إنشاء خطوط إنتاج محلية لهذه الطائرات داخل روسيا، حيث تنتج نسخًا مُعدّلة منها تُعرف باسم “غيران”.
والنتيجة أنَّ الحرب في إيران قد تزيد الطلب العالمي على أنظمة الدفاع الجوي، لكنها لا تحد كثيرًا من قدرة روسيا على مواصلة هجماتها بالمُسَيّرات. وهذه مفارقة استراتيجية واضحة: أوكرانيا تُواجه ضغطًا متزايدًا على مواردها الدفاعية، بينما تظلُّ روسيا قادرة على الحفاظ على وتيرة هجماتها.
لكن كييف تحاول تحويل هذه المعادلة إلى فرصةٍ ديبلوماسية. فبعد سنواتٍ من الدفاع عن مدنها في مواجهة موجاتٍ متكررة من المُسيّرات والصواريخ، طوّرت أوكرانيا خبرات عملية واسعة في تقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة، تشمل الحرب الإلكترونية وأنظمة اعتراض منخفضة التكلفة.
وقد بدأ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يطرح فكرة تعاون أمني مع دول الشرق الأوسط التي تواجه تهديدات مشابهة. فبدلًا من أن تظهر أوكرانيا كدولة تعتمد بالكامل على المساعدات، تسعى كييف إلى تقديم نفسها كشريكٍ أمني قادر على نقل خبراته في مواجهة حروب المُسيّرات.
وربما يكون لهذا الطرح بُعدٌ رمزي مهمّ. فالحربُ في أوكرانيا تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مختبر واسع للتكنولوجيا العسكرية الحديثة، وخصوصًا في مجال الطائرات المُسيّرة. ومن هنا، تحاول كييف توظيف هذه الخبرة لتعزيز موقعها في شبكة الأمن الدولي.
المسار الثاني الذي قد يربط الحرب الإيرانية بالحرب الأوكرانية يتعلّق بأسواق الطاقة العالمية. فاقتصادُ روسيا الحربي لا يزال يعتمد إلى حدٍّ كبير على عائدات النفط والغاز. وعلى الرُغم من العقوبات الغربية وسقف الأسعار المفروض على النفط الروسي، فإنَّ صادرات الطاقة ما زالت تُشكّلُ مصدرًا رئيسًا لتمويل الموازنة الروسية.
وفي مثل هذه الظروف، فإنَّ أيَّ اضطرابٍ في الشرق الأوسط يمكن أن يعملَ لصالح موسكو. فالتوتّرات المُرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، غالبًا ما تؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية.
وبالنسبة إلى روسيا، فإنَّ ارتفاع الأسعار يعني ببساطة زيادة الإيرادات. فمنذ العام 2022 أعادت موسكو توجيه معظم صادراتها النفطية نحو الأسواق الآسيوية، وخصوصًا الصين والهند، بعد أن فقدت جُزءًا كبيرًا من السوق الأوروبية.
وإذا تراجعت الإمدادات النفطية الآتية من الخليج نتيجة الحرب، فقد تجد هذه الدول الآسيوية نفسها أكثر اعتمادًا على النفط الروسي. وهذا قد يمنح الكرملين موردًا ماليًا إضافيًا في وقتٍ يواصل تمويل حرب طويلة ومُكلفة.
أما المسار الثالث فيتعلّق بالاهتمام السياسي والديبلوماسي الدولي. فالحرب في إيران استحوذت بسرعة على تركيز صنّاع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية. فإدارة التصعيد في الشرق الأوسط ومنع تحوُّله إلى حربٍ إقليمية واسعة أصبح أولوية ملحّة.
هذا التحوُّل في الاهتمام قد يُقلّلُ من الزخم السياسي المُخصَّص للحرب في أوكرانيا. فالموارد الديبلوماسية والعسكرية محدودة، وأي أزمة جديدة تستنزف جُزءًا من هذا الاهتمام.
وبالنسبة إلى موسكو، قد يُعزّز ذلك قناعة قديمة بأنَّ الوقت يعمل لصالحها. فاستراتيجية روسيا تقوم إلى حدٍّ كبير على حرب استنزاف طويلة، تقومُ على الرهان بأنَّ الدعم الغربي لأوكرانيا قد يتراجع مع مرور الوقت.
مع ذلك، تكشف الحرب في إيران أيضًا حدود النفوذ الروسي. فعلى الرُغم من الخطاب السياسي الداعم لطهران، لم تظهر موسكو استعدادًا واضحًا للتدخُّل عسكريًا أو تقديم دعم كبير لإيران. فروسيا لا تزال منشغلة بحربها في أوكرانيا، حيث تستنزف هذه الحرب جُزءًا كبيرًا من قدراتها العسكرية.
وهذا يسلط الضوء على حقيقة مهمة في النظام الدولي الراهن: التحالفات بين القوى المناهضة للغرب ليست بالضرورة تحالفات متماسكة. فمصالح هذه الدول قد تتقاطع أحيانًا، لكنها لا تتطابق دائمًا.
ومع ذلك، فإن التطوّرات في الشرق الأوسط قد تمنح موسكو مكاسب غير مباشرة. فارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد المنافسة على أنظمة الدفاع الجوي، وتراجع الاهتمام الدولي بالحرب الأوكرانية قد تخلق بيئة أكثر ملاءمة لاستمرار الحرب.
في عالم مترابط على هذا النحو، لم تعد الحروب تُخاض في جغرافيا واحدة فقط. فالتطوّرات في الشرق الأوسط قد تؤثر في مسار المعارك في شرق أوروبا. ومن طهران إلى دونباس، تبدو خريطة الصراعات الدولية متشابكة أكثر من أيِّ وقت مضى، حيث يمكن لحربٍ في الخليج أن تُعيدَ رسمَ حسابات الحرب في أوكرانيا.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



