هذا “الانخراع” بكل ما هو أَجنبيّ

هنري زغيب*

قد لا ترنُّ سَلِسَةً كلمةُ “انخراع” في عنوان هذه الحلقة. غير أَنها الأَقربُ إِلى معنًى أَرمي إِليه، هو أَقربُ “إِبلاغًا” من كلمة “انبهار” أَو “انشداه”، لأَعني ما أَقول.

جاء في اللغة: “انْخَرَعَ = لانَ واستَرخى”. يعني أَنه اللينُ الكَسُول، والاسترخاءُ التَشَاوفيّ حيالَ كلِّ ما هو أَجنبي. من هنا المقولة الشعبية: “كلّ شي فْرَنجي بْرنجي”. و”بْرنجي” كلمةٌ ورثناها، هي الأُخرى، من الزمن العثماني في لبنان، ولا تزال تتناسل عن جهلٍ على أَلْسِنَة الناس. لفظُها التركيّ “بيرينجي”، ومعناها: “الأَول”، أَو “الأَفضل”، أَو “الممتاز”، أَو “درجة أُولى”. ويَقصِد الناس بها مفاضلَتَهم أَنَّ كلَّ ما هو أَجنبيّ، أَفضلُ مما هو لبناني.

هذه “الخرعة” تتجلَّى في عدد من المواقف والمواقع. منها مثلًا في قطاع الملابس: تتباهى “الـمَدام” أَنها اشترت فستانًا أَو جزدانًا “ثمينًا جدًّا” بتوقيع “شانيل” أَو “ديور” أَو “جيفنتشي” أَو “ڤيرساتشي” أَو “رالف لورِن”، فيما بالمقابل تتباهى نجماتٌ عالمياتٌ في هوليوود، أَو في احتفالات “الأُوسكار”، بثوب رائع من توقيع اللبناني إِيلي صعب، وهُنَّ يَسِرْن في مهابة وجلال وجمال على السجَّادة الحمراء.

وهذا “الانخراع” بالأَجنبي ينسحب أَيضًا على توزيع الأَلقاب. فلبنان هو “سويسرا الشرق”، وهذا المغنِّي هو “خوليو العرب”، وذاك الشاعر هو “شكسبير العرب”، إِلى آخر ما ضُعفاءُ الإِيمان بنتاج لبنان يستنْبطون من تسمياتٍ، ينسبُونها إِلى الغرب أَو الأَجانب وهي تسمياتٌ ليست أَفضلَ قيمةً وأَهميةً وجمالًا وأَصالةً عما يكون “صُنِعَ في لبنان”، أَو عن علَمٍ لبنانيٍّ في خبرةٍ، أَو مَهارةٍ، أَو دُربةٍ من دُرَب الآداب والعلوم والفنون.

هذه الظاهرة نجدها أَيضًا على أَسماء الشوارع، وخصوصًا في العاصمة. وبين الأَسماء مَن لم يكُن أَصحابُها إِيجابيِّين حيال دولة لبنان إِبان الحقْبة الْكانوا خلالها في لبنان، خصوصًا في فترة الانتداب وصراع النفوذ على أَرضنا بين الفرنسيين والإِنكليز.

على أَيِّ حال، ليس المجالُ هنا للنقاش في هذه النُقطة، بل هو للدلالة على “الانخراع” أَمام تسمياتٍ أَجنبيةٍ تُغْدَقُ على لبنانيين نتاجُهُم أَرقى من أَنْ يُلْصَقَ باسمهم أَيُّ نعتٍ أَو تشبيهٍ أَو استعارةِ لقَبٍ أَجنبيّ.

بلى: إِنَّ هذا اللبنانَ الضئيلَ الجغرافيا خارطةً، والقليلَ الديموغرافيا أَبناءً، هو جليلٌ بالإِبداعوغرافيا وبمبدعيه في كلِّ حقْل، حتى ليَأْتي على ذكرهم كبارٌ في العالم يُكْبِرُون إِبداعَ لبنانَ المشعَّ في عددٍ وافرٍ من بلدان العالم.

كلُّ هذا الأَعلاه، وعندي غيرُهُ كثيرٌ بعد، ذكَرْتُهُ نماذجَ فقط، لأَدعو إِلى التخلِّي عن “الانخراع” بالغَرب، والتشبُّهِ بأَعلامه، مع كلِّ الاحترام لِما لديه من قيَمٍ وأَعلام. فنحنُ أَيضًا لدينا قيَمٌ وأَعلامٌ نعتزُّ بها وبهم، ونكْبُر بها وبهم، من دون اللجوء إِلى التَعَكُّز على الأَجنبي لنُعلي أَو نعلو أَو نتباهى.

إِنَّ من لا يعرفُ جواهرَ تراثِنا في كلِّ حقْل وكلِّ مجال، فَلْيَسْأَلْ عنها قبل أَنْ يتصرَّفَ أَو يبادرَ أَو يُسمِّي، وسيكتشفُ أَنَّ في لبناننا ثرواتٍ جديرةً بأَن يتباهى الأَجنبيُّ بها، لا أَن نتباهى نحن بما نَستعيرُهُ من عند الأَجنبي.

هكذا… نستحقُّ فعلًا أَن نكونَ أَبناء لبنان.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى