تركيا والسعودية… تَقاطُعُ المصالح وإعادةُ رَسمِ توازُنات الشرق الأوسط
كابي طبراني*
تتردّد في واشنطن وعدد من العواصم الإقليمية سردية مفادها أنَّ تركيا والسعودية تتّجهان نحو بناء محور استراتيجي صلب، قد يتطوّر إلى ما يشبه “ناتو إسلاميًا” مُوَجَّهًا ضمنيًا ضد إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. تبدو القصة مُنسَجِمة ظاهريًا مع تسارُعِ التقارب التركي–السعودي، ومع حديث أنقرة عن الانضمام إلى اتفاق الدفاع المشترك بين الرياض وإسلام آباد. غير أنّ هذه القراءة تُبالِغُ في تقدير ما يجري فعليًا، وتغفلُ طبيعة التحوُّل الأعمق الذي تشهده سياسات البلدين.
ما يتشكّلُ اليوم ليس محورًا مُغلقًا ولا بُنية تحالف عسكري على النمط الأطلسي، بل تقاطُع مصالح جيوسياسي–اقتصادي بين قوَّتين إقليميتين أعادتا تقييم تجربتهما خلال العقد الماضي، وخلصتا إلى قناعةٍ مشتركة: أنَّ الفوضى، وتَفَكُّك الدول، وحروب الوكلاء لا تُنتِجُ نفوذًا مُستدامًا ولا أسواقًا مُستقرّة، بل تستنزفُ الموارد وتُقوِّضُ الأمن والاستثمار والتجارة.
بالنسبة إلى تركيا، جاءت هذه المُراجعة بعد تجربةٍ مُكلفة أعقبت “الربيع العربي”. فقد راهنت أنقرة على صعودِ قوى سياسية قريبة إيديولوجيًا منها، وساندت حركاتٍ سَعَت إلى إسقاطِ أنظمةٍ مركزية قائمة. لكنَّ النتائجَ كانت عكسية: في سوريا، تدفّقَ ملايين اللاجئين إلى الداخل التركي، ونشأ كيانٌ كردي شبه مستقل على حدودها الجنوبية؛ وفي ليبيا، ضاعت مليارات الدولارات من عقود الشركات التركية؛ وفي مصر، أُغلِقَت أبوابُ شرق المتوسط أمام الطموحات التركية في الطاقة والنقل البحري.
وبحلول نهاية العقد الفائت، بات واضحًا لصنّاع القرار في أنقرة أنَّ انهيارَ الدول لا يخلق شركاء اقتصاديين ولا ممرّات تجارة آمنة، بل فراغات أمنية وأسواقًا عالية المخاطر. منذ العام 2020، تحرّكت تركيا بهدوء في اتجاهٍ مُعاكِس: دعم الدول المركزية، تخفيف الاحتكاك الإيديولوجي، وإعادة ترميم العلاقات مع القوى الخليجية، وعلى رأسها السعودية والإمارات. هذه المقاربة الجديدة لا تنبعُ فقط من حساباتٍ أمنية، بل من حاجةٍ اقتصادية مُلحّة، في ظلِّ هشاشة الليرة واعتماد أنقرة المتزايد على الاستثمارات والتدفّقات الرأسمالية الخليجية.
أما السعودية، فقد خضعت بدورها لتحوُّلٍ استراتيجي لا يقلُّ عمقًا. فـ”رؤية 2030″ ليست برنامجًا اقتصاديًا فحسب، بل إطارًا جيوسياسيًا يتطلّبُ بيئةً إقليمية أقل توتُّرًا وأكثر قابلية للتكامل التجاري والاستثماري. لا يمكن جذب مئات المليارات من الاستثمارات الأجنبية، ولا تحويل المملكة إلى مركزٍ محوري لوجستي وسياحي عالمي، فيما البحر الأحمر يشتعل، واليمن مُفَكَّك، والسودان غارقٌ في الحرب.
من هنا جاء الانفتاح السعودي على خصوم الأمس: تسوية الخلاف مع قطر، تهدئة المسار مع إيران بوساطة صينية، والانخراط في مسار احتواء النزاع اليمني بدل تصعيده. وفي هذا السياق، بات دعم الدول المركزية —من اليمن إلى سوريا والسودان— أداةً لحماية الاستقرار الإقليمي الضروري لإنجاح التحوُّل الاقتصادي السعودي.
عبر ساحاتٍ عدة، بدأ هذا التقاطع التركي–السعودي يتجلّى بوضوح.
في سوريا، يدعمُ الطرفان قيامَ سلطةٍ مركزية فاعلة في دمشق، باعتبارها المدخل الوحيد لضبط الميليشيات، ووقف تجارة الكبتاغون، وتقليص النفوذ الإيراني. بالنسبة إلى أنقرة، تُمثّلُ سوريا المُستقرّة فرصةً لمعالجة ملف اللاجئين، وإعادة دمج القوات الكردية ضمن الجيش السوري، وتأمين حدودها الجنوبية. وبالنسبة إلى الرياض، فإنَّ إعادةَ سوريا إلى الفضاء العربي تفتحُ البابَ أمام إعادة الإعمار، واستئناف التجارة البرية بين الخليج وتركيا وأوروبا.
في السودان، يقف البلدان إلى جانب الجيش في مواجهة “قوات الدعم السريع” المدعومة إماراتيًا. فالسعودية ترى في الفوضى على الضفة الغربية للبحر الأحمر تهديدًا مباشرًا لمشاريعها العملاقة ولممرّات الملاحة، بينما تنظرُ تركيا إلى السودان بوصفه بوابةً استراتيجية إلى أفريقيا وسوقًا واعدة لصادراتها الدفاعية والغذائية.
وفي ليبيا، حيث كان الطرفان على طرفي نقيض، باتا اليوم أقرب إلى دعم الحكومة المُعترف بها دوليًا في طرابلس، بما يحفظ وحدة البلاد ويؤمّن مصالح الطاقة والنقل البحري. وفي الصومال، يتقاطع موقفهما في دعم الحكومة الفيدرالية ومقاومة مسارات تكريس الانفصال، وخصوصًا في “أرض الصومال”، لما لذلك من أثرٍ مباشر على أمن خليج عدن والبحر الأحمر.
هذا المشهد عزّزَ الانطباعَ بأنَّ أنقرة تصطفُّ إلى جانب الرياض في مواجهة محور إماراتي–إسرائيلي يُتَّهَمُ بتغذية النزعات الانفصالية. غير أنّ هذه الصورة تظلُّ ناقصة. فتركيا، رُغم خلافاتها العميقة مع إسرائيل وقلقها المتزايد من الدور الإماراتي في اليمن والقرن الأفريقي، لا تستطيع تحمُّلَ قطيعةٍ جديدة مع أبوظبي.
الإمارات اليوم ليست مجرّدَ خصمٍ سياسي مُحتَمَل، بل شريكٌ اقتصادي بُنيوي لتركيا. فهي أكبر شريكٍ تجاري خليجي لأنقرة، وأحد أبرز المستثمرين في قطاعات الطاقة واللوجستيات والدفاع، فضلًا عن اتفاقات تبادل العملات التي تدعم استقرار الليرة. أيُّ تصعيدٌ تركي مباشر ضد أبوظبي يهدّد بنسفِ سنواتٍ من إعادة التطبيع، ويُعيدُ أنقرة إلى عزلةٍ إقليمية مُكلفة اقتصاديًا.
من هنا يُمكنُ فَهمُ سلوك تركيا حين انفجر الخلاف السعودي–الإماراتي في جنوب اليمن. لم تصطفّ علنًا مع الرياض، بل عرضت الوساطة، وتجنّبت تحميل أبوظبي المسؤولية. الرسالة كانت واضحة: أنقرة تريد التهدئة لا الاصطفاف.
الأمرُ نفسه ينطبق على اهتمام تركيا بالانضمام إلى اتفاق الدفاع السعودي–الباكستاني. فرُغمَ اللغة الرنّانة حول “أي اعتداء على أحد الطرفين هو اعتداء على الآخر”، فإنَّ الاتفاق أقرب إلى رسالةٍ سياسية–ردعية منه إلى التزامٍ عسكري تلقائي على نمط المادة الخامسة في حلف “الناتو”. وهو يعكسُ رغبة الرياض وأنقرة في تأكيد قدر من الاستقلالية الاستراتيجية، في لحظةٍ تتآكل فيها الثقة بمظلّة الأمن الأميركية.
في المحصّلة، ما يتشكَّلُ ليس محورًا مُغلقًا ولا “ناتو إسلاميًا”، بل تقاطُع مصالح مَرِن بين قوَّتين إقليميتين أعادتا اكتشاف فضيلة الدولة القوية، وأولوية الاستقرار، وقيمة الأسواق المتكاملة.
إنّه رهانٌ على الجغرافيا السياسية بوصفها شرطًا للازدهار الاقتصادي، وعلى تهدئة النزاعات بوصفها مدخلًا لجذب الاستثمار وتوسيع التجارة. الشرقُ الأوسط لا يُعاد تشكيله اليوم عبر تحالفات كبرى صاخبة، بل عبر تحوُّلاتٍ هادئة وبراغماتية.
وتركيا والسعودية، كلٌّ لأسبابه الخاصة، قررتا أنَّ زمن المقامرة بالفوضى قد انتهى. والسؤال المفتوح لم يَعُد إن كان هذا التقارب سيتحوّلُ إلى تحالُفٍ صلب، بل ما إذا كان قادرًا على الصمود أمام عواصف الإقليم المقبلة — من غزة إلى البحر الأحمر، ومن واشنطن إلى طهران.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



