مئوية منصور الرحباني (1 من 8)

في هذه السلسلة من ثماني حلقات، يعود الشاعر هنري زغيب إلى ذاكرة منصور الرحباني في مئويته، ليكشف محطّات إنسانية ومهنية سبقت المجد الفني. من الوظيفة الرسمية إلى خشبة المسرح، حكايات موثّقة ومفارقات طريفة ترسم ملامح البدايات التي صنعت أحد أعمدة الإبداع العربي.

منصور الشرطي القضائي

شرطي بلدي وشرطي قضائي

 هنري زغيب*

في الأَسابيع الأَخيرة من مئوية منصور الرحباني (آذار/مارس 2025 – آذار/مارس 2026) أَعود إِلى ذاكرة منصور (1925- 2009). ومن جلساتي الطويلة معه، أَقطف ذكريات من سيرته الشخصية ومسيرته الفنية مع شقيقه عاصي (1923-1986). ملامح من هذه الذكريات ورد قسمٌ منها في كتابي “طريق النحل”، وقسمٌ ثانٍ في طبعته المزيدة “في رحاب الأَخوين رحباني”، وبقي في أَوراقي قسمٌ ثالث أَخير لم يصدر بعد، أُوردُه في هذه السلسلة.

هنا الحلقة الأُولى عن مطالع منصور وعاصي في الوظيفة.

عاصي للبلدية ومنصور للشرطة القضائية

بعد نجاح الشابَّين عاصي ومنصور الرحباني في مزاولة هوايتهما الفنية: مسرحياتٍ شعرية وموسيقية في بلدة مولدهما أنطلياس، كان لا بدَّ من انخراطهما في وظيفة تُعيلُهما، انسجامًا مع مقولة والدهما “أَبو عاصي” إِنَّ “الفن لا يُطعم خبزًا”.

هكذا اختار عاصي وظيفة بوليس لدى بلدية أنطلياس، واختار منصور وظيفة شرطي لدى سلْك الشرطة القضائية في بيروت. سوى أَنَّ أَحداثًا ومفارقات حصلت لهما إِبَّان مزاولتهما وظيفتَيهما، جعلتْهما يغادران ثوب “وظيفة الدولة” إِلى قدَرٍ كبيرٍ كان ينتظرهما ليشكِّلا ثنائيًّا غيَّرَ وجه الشرق في الشعر المغنَّى والمسرح الغنائي والتأْليف الموسيقي.

عاصي رئيس البلدية (في فيلم “بنت الحارس)

عاصي: 3 مسؤُوليات

سنة 1939 بلغ عاصي السادسة عشرة، لكنه كان دون السن القانونية التي تتيح له تَوَلِّي وظيفة حكومية. لذا، واضطرارًا إِلى البحث عن عمل ثابت، دون التخلِّي عن هوايته الفنية، عمَدَ إِلى تكبير سنِّه كي يحقَّ له التقدُّم من امتحان الوظيفة. وهو ما تَمَّ له عند قبوله في بلدية أنطلياس بمهمَّتَين: بوليس بلدية وأَمين سر في المجلس البلدي. وكثيرًا ما كان يتباهى مازحًا بأَن معه في البلدية السلطتين التشريعية والتنفيذية معًا: مسؤُولية أَمين السر يدوِّن القرارات البلدية أَو يأْخذ علمًا بها، ومسؤُولية البوليس ينفِّذ تلك القرارات المتَّخذة. وبعد أَشهر من بدايته في الوظيفة، أُسنِدَت إِليه مسؤُولية ثالثة: مكافحة الكلاب والقطط الشاردة، وما قد يستجدُّ من قضايا البلدية.

منصور أَطوَل من المطلوب

سنة 1941 بلغَ منصور السادسة عشرة. لكنه، هو أَيضًا، كان دون السن القانونية التي تتيح له تَوَلِّي وظيفة حكومية. لذا، واضطرارًا إِلى البحث عن عمل ثابت، دون التخلِّي عن هوايته الفنية، عمَدَ إلى تكبير سنِّه كي يحقَّ له التقدُّم من امتحان الوظيفة. وهو ما تَمَّ له عندما تقدَّمَ من امتحان الدخول إِلى سلْك الشرطة القضائية في بيروت. يومها سقطَ في الفحص الجسماني، مع أَنه كان سمينًا وبدينًا. لكنَّ الطول المطلوب لهذه الوظيفة هو ١٧٠ سنتم، بينما طوله كان ١٧٩ سنتم، فلم يقْبلوا به. لذا لجأَ إِلى إِدوار أَبو جودة (فترتئذٍ أَمين سر إِدارة البوليس في بيروت) فتوسَّط له عند أَحد النافذين. وحين ذهب بعد يومين إِلى بيروت يتفقَّد النتيجة، وجد اسمه “منصور حنا الرحباني” بين الناجحين. وغالبًا ما كان في مطلع حياته الوظيفية (وهو في أَواخر سنته الخامسة عشرة) يَسمع الناس حوله يتهامسون: “هَالبوليس أَجرودي” (حليق الوجه).

عاصي بدأَ عازفًا في فرقة موسيقية

عاصي عضو فرقة موسيقية

في تلك الفترة كان عاصي، إِلى وظيفته نهارًا في البلدية، يشتغل ليلًا عازفَ كمان في بعض المقاهي (أَبرزُها “مقهى سعادة” في محلة “الدورة” – مدخل بيروت الشرقي) وعضوًا في فرقة موسيقية تعزف لمطربين ومطربات تلك الحقبة. وكان دَرَسَ العزف على إِدوار جهشان (بات في ما بعد عازف كمانٍ ثالثًا في فرقة الأَخوين رحباني)، والتحقَ بالـ”أَلبا” (الأَكاديمْيَا اللبنانية للفنون الجميلة) بصفة عضو عاديٍّ في الكورس، وأَدى مرةً واحدةً دورًا غنائيًا صغيرًا في “قدَّاس” بيتهوفن “ميسا سوليمنيس”.

أَبونا بولس

في تلك الحقبة جاء إِلى رعية أنطلياس الأَب بولس الأشقر، وشكَّل جوقة للتراتيل الدينية. وبين ما علَّم طلابه: إِطلالات على فن الأُوبرا، كي يوسِّعَ مداركهم، فزاد شغَف عاصي ومنصور بالموسيقى. ومن حظِّ الأَخوين أَنَّ رئيس بلدية أنطلياس عهدذاك (وديع الشمالي) كان يحب الموسيقى ويعزف الكمان، ويستضيف أَحيانًا في بيته أَصدقاء فيدعو عاصي ومنصور كي يقدِّما وصلاتٍ موسيقية في سهرات عزف وغناء.

عاصي ومنصور كأَنهما توأَمان

صوَّب على الكلْب فأَصاب البقرة

سوى أَن الشمالي، في شؤُون البلدية، كان ينقلب بخيلًا مقتصِدًا حتى التقتير. فذات يومٍ اتخذَ المجلس البلدي قرارًا بقتل الكلاب المسعورة الشاردة، لخطرها على أَهالي الضيعة. وافق عاصي أَمين السر، وكان على عاصي البوليس أَن ينفِّذ المهمّة. لكنَّ رئيس البلدية لم يسمح له سوى بخرطوشة واحدة. ذهبَ عاصي ذات يوم يلاحق كلبًا شاردًا، وكان يخاف من السلاح وإِطلاق النار. تراكم حوله الأَولاد متبرِّعين بإِرشاده إِلى مكان الكلب المسعور، وكان من فصيلة الكلاب الكبيرة الحجم. كثُر حوله الهياج والصراخ، وفجأةً أَطلَّ الكلب فصرخ الأَولاد: “ها هو الكلب… ها هو الكلب”. ارتعد عاصي من منظره، وأَطلق النار بدون تصويب، فأَخطأَ الكلب وأَصاب بقرة في البعيد فَنَفقت. هجمَ عليه أَصحابها فهرب في بساتين الليمون. يومها تكفَّلت البلدية بدفع تعويض لأَصحاب البقرة، وتكفَّلت بتأْنيب عاصي وحسم جزءٍ من راتبه لسوء استعماله سلاحَ البلدية.

دفن الحمار حيًّا في الرمل

ومرة أُخرى، طلب رئيس البلدية أَن يذهب عاصي فيقتل حمارًا أَجرب يشكِّل خطرًا على الصحة العامة. كان عاصي لا يحبُّ قتل الحيوانات، فأَخذ معه عاملًا، وضربا الحمار بالرفش ضرباتٍ متتالية حتى سقط. ظنَّاه مات، فدفنَاه في الرمل على شاطئ أنطلياس، وقفلا عائدَين. وإِذ التَفَتَا، وجداه دابًّا وراءَهما ينفض عنه ما علِقَ به من رمل، فهرعَ عاصي مجدَّدًا إِلى الهرب خوفًا من انتقام الحمار. هكذا بات الهرب دأْب عاصي دومًا وهو في الوظيفة. لذا كان يهرب طوال ليالي الشهر، ويعزف في حفلاتٍ غنائية كانت تدُرُّ عليه بعض النقود. وكان رئيس البلدية يعلم ببعضها، ويغضُّ النظر لأَنه يحب الموسيقى، لكنه بدوره كان يهرب من عاصي أَواخر الشهر للتأْخير في دفع معاشه الشهري… وبقيَت هذه الذكريات الطريفة كثيرة من أَيام البلدية في بال عاصي ومنصور، وظهرَت لاحقًا في بعض أَعمالهما، منها  شخصية “الشاويش” (كما في “بياع الخواتم”)، ومنها أَخبار البلدية ورئيس البلدية (كما في “المحطة”)، حتى أَن عاصي لعب دور رئيس البلدية في فيلم “بنت الحارس”.

الحلقة المقبلة: منصور البوليس الفاشل.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني:henrizoghaib.com أو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت – دبي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى