فنزويلا بعد مادورو: من نصرٍ عسكري إلى مأزقٍ سياسي

كابي طبراني*

كانت الصُوَرُ كفيلةً بإيصالِ الرسالة: الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خارج كاراكاس، في قبضة الولايات المتحدة، ونهايةُ مُفاجِِئة لحقبةٍ طويلة من الحكم السلطوي. بالنسبة إلى الكثيرين من الفنزويليين، حملَ المشهدُ شعورًا بالارتياح وربما الأمل. أما في واشنطن، فقد بدا وكأنه انتصارٌ حاسم، دليلٌ على أنَّ القوة المباشرة نجحت حيث فشلت سنواتٌ من العقوبات والضغوط والديبلوماسية.

لكنَّ التاريخَ نادرًا ما يُكافئ هذا القدر من اليقين. فما جرى لم يَكُن نهايةَ الأزمة، بل انتقالًا إلى مرحلةٍ أكثر تعقيدًا وخطورة. الولايات المتحدة ربحت الجولة الأولى، لكن ما يليها أصعب بكثير: إدارةُ تداعياتِ دولةٍ مُنهارة من دون الوقوع في فخِّها.

إسقاطُ حاكمٍ أسهل دائمًا من تفكيكِ النظام الذي أبقاه في السلطة. نظامُ مادورو لم يَكُن قائمًا على شخصٍ واحد أو إيديولوجيا فقط، بل على شبكة معقّدة من المحسوبيات، والقمع، والاقتصاد غير المشروع، والعلاقات الأمنية المتشابكة داخل الدولة. هذه البُنية لم تختفِ مع خروجه، بل تصدَّعت. والتصدُّعُ قد يفتحُ بابَ الإصلاح… أو بابَ الفوضى.

السؤال الجوهري الآن: هل تُدرِكُ واشنطن هذا الفرق؟

إعلانُ الرئيس دونالد ترامب أنَّ الولايات المتحدة ستتولى “إدارة فنزويلا” لفترة، لم يَكُن مجرَّدَ استعراضٍ للقوة. كانَ إعلانَ مُلكيّةٍ سياسية كاملة لما سيأتي لاحقًا. ومنذ تلك اللحظة، لم تَعُد التحدّيات السياسية والاقتصادية والأمنية داخل فنزويلا شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبحت عبئًا أميركيًا مباشرًا.

هذا الخيارُ يَستحضرُ تجارب سابقة، حين تحوّلت النجاحات العسكرية السريعة إلى التزاماتٍ طويلة ومُكلِفة. الخطرُ هنا ليس أن تتحوَّلَ فنزويلا إلى نسخةٍ من العراق، بل أن تُكرِّرَ الولايات المتحدة خطأ مألوفًا: الخلط بين السيطرة والشرعية، وبين السرعة والاستدامة.

فنزويلا اليوم ليست مجرّدَ دولةٍ فقيرة، بل دولة مُفرَغة من الداخل. الخدماتُ العامة شبه مُعطَّلة، والمؤسسات قائمة شكليًا، والاقتصاد تقلّصَ إلى جُزءٍ ضئيلٍ من حجمه السابق، رُغمَ امتلاكِ البلاد واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم. الملايين غادروا، والشبكات الإجرامية تعمل في ظلِّ الدولة أو من داخلها.

في هذا السياق، لا تنتقل السلطة بسلاسة. القياداتُ العسكرية تُراقِبُ وتُناوِر، والنُخب المدنية تنتظرُ لترى أين يستقرُّ الميزان، والجماعات المسلّحة تبحث عن فُرَص. الخطر الأكبر ليس حربًا أهلية فورية، بل حالة فراغ طويلة: سلطةٌ انتقالية ضعيفة، شرعيةٌ محلّ نزاع، واقتصادٌ عاجزٌ عن دعم إعادة الإعمار.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يخلقُ هذا الواقع مُعضِلة دقيقة. الانسحابُ السريع قد يتركُ فنزويلا في حالة فوضى دائمة، تستمرُّ في تصدير الهجرة غير النظامية والجريمة وعدم الاستقرار إلى الإقليم. أما البقاء الطويل، فيحملُ خطرَ الانزلاق إلى التزامٍ مفتوح لم يُعرَّف بوضوح منذ البداية، ويستنزفُ الموارد والشرعية معًا.

هذه هي مُفارقةُ التدخُّل الخارجي: القليلُ منه يفتح الباب للفوضى، والكثيرُ منه يخلقُ مقاومةً واستنزافًا. والهامش بينهما ضيِّقٌ للغاية.

هناك أيضًا اختبارٌ أعمق يتعلّقُ بمكانة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. فعلى مدى سنوات، تراوحت السياسة الأميركية بين الإهمال والضغط. إزاحةُ مادورو تُعيدُ التذكير بأنَّ النفوذَ العسكري الأميركي ما زال حاسمًا في الإقليم. لكنَّ النفوذَ اليوم لا يُقاسُ بالقوّة وحدها.

المنافسة الحقيقية في أميركا اللاتينية لم تَعُد عسكرية في جوهرها، بل اقتصادية وتكنولوجية ومالية. الصين أدركت ذلك مُبكِرًا، فاستثمرت في البنية التحتية والطاقة والموانئ والشبكات الرقمية وسلاسل التوريد. القوة قد تُزيلُ العقبات، لكنها لا تبني اقتصادات ولا مؤسّسات. ومن دونِ رؤيةٍ اقتصادية واضحة، قد يتحوَّلُ النجاحُ العسكري إلى عبءٍ استراتيجي، يُعزّزُ الانطباع بأنَّ واشنطن تُقدّمُ السيطرة، بينما يُقدّمُ آخرون التنمية.

يتجلّى هذا التحدّي بوضوح في ملف النفط. تعافي فنزويلا مرهونٌ بإعادة تشغيل قطاع الطاقة واستخدام عوائده في إعادة بناء الدولة. السيطرةُ على عائدات النفط ليست مسألة فنية، بل جوهر السيادة. إذا جرى توجيهُ هذه العائدات إلى الخارج أو إخضاعها لترتيباتٍ غامضة، فسيبقى أيُّ حُكمٍ جديد ضعيفًا، مهما كانت شرعيته الانتخابية.

مثل هذا السيناريو سيُقيِّدُ الولايات المتحدة بدورٍ إشرافي دائم، وهو نقيضُ النجاح. كما سيضمنُ استمرار عدم الاستقرار، إذ تتنافس القوى المحلية على ما تبقّى من موارد ونفوذ.

الإغراء بتحويل النفوذ إلى مكاسب سريعة مفهوم، خصوصًا في ظلِّ الكلفة السياسية والمالية للتدخُّل. لكن المكاسب قصيرة الأجل قد تفضي إلى فشلٍ طويل الأمد. فنزويلا العاجزة عن حُكمِ نفسها ستظلُّ عبئًا لا انتصارًا.

ردودُ الفعل الإقليمية تعكسُ هذا التوازُن الدقيق. دولٌ عدة انتقدتَ طريقة إزاحة مادورو، وإن كانت مُرتاحة لرحيله. الموقف الأوروبي اتسم بالحذر: دعم مبدئي للتغيير الديموقراطي، وتحفُّظ واضح على الأسلوب والتداعيات. القبول بالنتيجة موجود، لكن الثقة في إدارة ما بعدها مشروطة.

وهذا بحدِّ ذاته تحذير. الشرعية لا تُمنَحُ مرّة واحدة، بل تُبنى ويُحافَظ عليها بالانضباط وضبط النفس وتقديم الاستقرار على الاستعراض.

ثلاثةُ مساراتٍ محتملة تلوح في الأفق.

الأول انتقالٌ مُدار، بطيء ومليء بالتسويات، لكنه يُركّزُ على إعادة بناء الاقتصاد والمؤسّسات. هذا هو المسار الأكثر أملًا، لكنه يتطلب دعمًا اقتصاديًا عاجلًا وضمانات تُقلِّل من شهية المُعرقلين.

الثاني تغييرٌ شكلي: وجوهٌ جديدة فوق شبكاتٍ قديمة، واستمرار الفوضى تحت غطاءٍ إجرائي.

الثالث تصعيد: صراعٌ على السلطة يتحوَّلُ إلى عنف، وضغوطٌ لتدخل أميركي جديد، وتطبيع متزايد لاستخدام القوة في إدارة الإقليم.

أيُّ مسارٍ سيسود لن يتحدّدَ بعملية إزاحة مادورو، بل بالخيارات التي تُتَّخذ بعدها. إغراء إعلان النصر والمضي قدمًا سيكون قويًا، كما سيكون إغراء التحكُّم المفرط. وكلاهما خطير.

فنزويلا اليوم اختبارٌ ليس لقوة الولايات المتحدة، بل لحكمتها. النجاح الحقيقي لن يُقاسَ بالصور ولا بالسيطرة، بل بقدرة فنزويلا على أن تَحكُمَ نفسها، وتُعيدَ بناء اقتصادها، وتعودَ إلى محيطها من دون وصاية خارجية.

انتهى المشهدُ الأول. أما القصة الحقيقية، فلم تبدأ بعد.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادرَين من لندن. ألّف خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى