منصور الرحباني “شرطيًّا قضائيًّا”

منصور باللباس العسكري (في سلْك الشرطة القضائية)

هنري زغيب*

سنة 1941، عمَد منصور الرحباني (م. 1925)، لضروراتٍ معيشية، إِلى تكبير سنِّه كي يستطيع التقدُّم من امتحان الدخول إِلى سلْك الشرطة القضائية في بيروت. وهكذا كان. بقي في السلْك بضعَ سنواتٍ، قبل أَن يغادر البزَّة العسكرية، وينصرف إِلى العمل الفني مع شقيقه الأَكبر عاصي (م. 1923)، ليشكِّلا ثنائيًّا فنيًّا غيَّر وجه الشرق الموسيقي.

منصور “أَفندي” الرحباني

خلال أَيام منصور في الشرطة القضائية، كان له زميل في السلْك: الشرطي فهد فرحات. خدَم بعده في السلْك طويلًا حتى بلغ رتبة “مفوَّض عام ممتاز” (توفي قبل بضع سنوات). بعد تقاعُده في مطلع السبعينات من القرن العشرين، طلَب منه قائدُ الشرطة القضائية العميد أَنْوَر يحيا أَن يكتب ذكرياته عن الفترة التي أَمضاها في الخدمة. وإِذا بين تلك الذكريات، بخطّه، صفحتان عن مُزامَلَتِهِ “الشرطيّ” منصور الرحباني، أَختصِرُ هنا أَبرز ما فيهما، مع الشكْر للعميد أَنوَر يحيا الذي أَمدَّني بهما.

جاء في ذكريات فهد فرحات: “بعد نحو سبعين سنة من الفراق، واحدنا عن الآخَر،  لم أَتصل بالأُستاذ منصور سوى مرة واحدة. وكان اتصالًا هاتفيًّا لم يفِ ولم يَسُدَّ ذلك الفراغ وتلك الغربة الطويلة بين رفاق دورة الأَمن الواحدة”.

بيروت: جناحان ومعهد واحد

يتبسَّط فرحات بالشرح: “أَنا من مواليد الضاحية الجنوبية من بيروت، وتحديدًا برج البراجنة. ومنصور من مواليد الضاحية الشرقية، وتحديدًا أنطلياس. التقَينا في معهد الشرطة، وتعارفْنا أَوَّلًا في استراحة الغداء. يومها، كنا نفتح الزوادة معًا، ونجلس على مقعدٍ واحدٍ مستطيلٍ، واحدُنا قبالة الآخَر، فلم تكن في المعهد طاولة مخصَّصة للطعام. وأَذكر عبارة كان يردِّدها ضابط من الدرك الفرنسي، متداوَلةً بين الجنود الفرنسيين: “دَبِّر حالَك” (Débrouillez-vous). كانت زوادتُنا إِجمالًا رغيفًا من الخبز المرقوق، وعلبة لبنة مع زيت الزيتون، وبعض حبوب الزيتون الأَسود والبني المكبوسَين، ورأْس بصَل أَحمر من النوع الحار جدًّا. وحين لم يكن واحدُنا يشبع من أَكل الزوادة، كان يقصد بائع البَسترمة “المعلم أَرتين” قرب مدخل المعهد. هكذا تزاملْنا، منصور وأَنا، وأَمضَينا دورةً خُفِّضتْ مدَّتُها إِلى ستة أَشهر بسبب الحرب في تلك الفترة. كانت الدورة ترتكز عمومًا على النظام المرصوص، والانضباط، واستخدام السلاح الخفيف، والتعرُّف إِلى قرارات تركية معدَّلة كان يستخدمها الفرنسيون، تتعلَّق بأَنظمة السير، والنظافة العامة، والمحالّ التجارية المصنَّفة، ومخالفات إِقلاق الراحة، وغيرها”.

الأُسرة الرحبانية. في المقدمة من اليمين: عاصي، الياس، إِلهام. خلفَهم: أُمّ عاصي، ووراءَها من اليَسار: سلوى، نادية، ومنصور باللباس العسكري.

دوريات ليلية

في مقطع آخر من الذكريات في تينِك الصفحتين، جاء: “كنا غالبًا ننطلق معًا، أَنا ومنصور، في دوريات ليلية للتحقُّق من إِطفاء أَنوار المنازل والسيارات، ودُور الملاهي الليلية المنتشرة على شاطئ بيروت الشمالي والغربي، لأَن الطائرات الحربية كانت تأْتي من فلسطين لتقصف الثكُنات العسكرية الفرنسية المواليةَ حكومةَ فيشي، والتأَكُّد من تنفيذ قرار الإِقفال.

بعد رفع قرار الإِقفال ذات فترة قصيرة، كنا نقوم بجولتنا العادية، في ليلة ممطرة وعاصفة مجنونة، قارسة البرد. اشتدَّت الرياح بسرعة، وأَخذَت أَمواج البحر الهائجة تتكسَّر على رصيف الشارع قبالة الشاطئ، فيتَطاير رذاذُها حتى مدخل فنادق المنطقة. وفيما كنا نتجوَّل، إِذا بمنصور يطلب مني أَن نتوقَّف أَمام مدخل أَحد الملاهي. انتظَرَ خروجَ روَّاد الملهى وانصرافَ صاحب الملهى إِلى التدقيق في فواتيره اليومية، فدخل إِلى بهو الملهى، وجلس إِلى آلة البيانو وراح يعزف عليها بأَصابع رشيقة، دلَّت على خبرة راسخة وإِتقان في العزف. تساءَلتُ كيف تسنَّى له أَن يكون عازفًا ماهرًا إِلى هذه الدرجة. ثم اقترب منه صاحب الملهى وسأَله مستغربًا: “يا أَفندي، مَن أَنت؟ وأَين درستَ الموسيقى”؟ فأَجابه: “أَنا منصور الرحباني. أَنتمي إِلى أُسرة تُجيد الفن وتُتْقن العزف على جميع الآلات الموسيقية القديمة والحديثة. تَطَوُّعي في سلْك الشرطة القضائية مُوَقَّت. لن أَمكث طويلًا، وسأَعود للانضمام إِلى أَفراد أُسرتي لمتابعة مسيرة الفن”…وفعلًا، بعد سنواتٍ قليلة أَمضيناها معًا، استقال منصور، فغابت معه الفرحة والبهجة، وحلَّ مكانها قصف جوي وبحري على العاصمة بيروت، فازدادت العتمة في الشوارع، وحلَّت الغصة في القلوب”.

المبدع منصور

يختم فرحات ذكرياته: “قبل فترةٍ أَطلَق الأُستاذ منصور مسرحيةً فيها الكثير من الأَحاسيس الروحية المتصلة بملكوت السماء والأَرض. سمعتُها بأَحاسيس من صميم قلبي وتمتمتُ: “حيَّاك الله يا منصور على هذا العمل الرائع الذي يُفرح القلب ويُريح النفوس المتعَبة”. توجهتُ إِلى الهاتف طالبًا من عاملة الاستعلامات رقمَ الأُستاذ منصور كي أَتَّصلَ به وأُهنِّئَه، علَّه ما زال يذكر ماضينا المشترك البعيد. اتصلتُ فأَجابت السيدة زوجته. قلتُ لها: “أَنا زميل قديم للأُستاذ منصور من أَيام الشرطة القضائية. لم أُشاهده ولم أَتَّصل به منذ ثلاثة أَرباع القرن”. فأَجابتْني بكلام رقيق لطيف قائلةً: “منصور يعاني من وجع في ظهره، وأَلَمٍ في فخذه. مع ذلك خرج يشارك في مأْتم هنا غير بعيد. قد يعود بعد ساعة”. وحين اتصلتُ مرة ثانية، أَجاب منصور بصوته الجهوري: “مين عميحكي”؟  قلتُ: “فهد فرحات. هل تتذكَّر هذا الاسم”؟ قال: “طبعًا. بْهنِّيك يا فهد. أَنت نجحت في السلْك، وأَنا نجحتُ في الفن”. تمنيتُ له الشفاء من آلامه، وكان ذلك اتصالَنا الوحيد. بعد سنواتٍ طويلة على ذلك الاتصال، غاب الأُستاذ منصور إِلى جوار ربِّه، تاركًا أَطيب الأَثر لدى جمهور كبير واسع من مقدِّري أَعماله المميَّزة الرائعة”.

الشمس الرحبانية

من ذكريات فهد فرحات، يتضح أَن الفن لدى منصور الرحباني كان أَقوى من الوظيفة والحاجة إليها، لأَن قدَره أَن يخاصر شقيقه عاصي إِلى شُعلةٍ من الشعر والموسيقى كانت شمسًا أَشرقت إِبداعًا فريدًا على لبنان، ومنه شعَّت نتاجًا رحبانيًّا غيَّر وجه الشرق بأَعمالٍ خالدة حمَلَتْها فيروز بصوتها الخالد إِلى آخر الدُنيا.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.com أو عبر منصة (X): @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دُبَي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى