غزّة بعد الإبادة الجماعية: نهوضُ الفلسطينيّات من تحتِ الأنقاض
في أعقاب الإبادة الجماعية التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزّة، تقود النساء الفلسطينيات جهود البقاء والتعافي، في حين لا يزلن مُستبعدات من العمليات السياسية التي ترسم ملامح مستقبلهنّ.

دلال عريقات*
في 19 أيلول (سبتمبر) 2023، قبل أسابيع من السابع من تشرين الأول (أكتوبر) واندلاع حرب الإبادة الجماعية التي دمّرت قطاع غزّة، اجتمعت 80 امرأة فلسطينية داخل الأراضي المُحاصَرة لمناقشة المستقبل. كنّ قائدات مُتمكّنات ورائدات أعمال ناجحات وسيّدات أعمال محترفات وأكاديميات مُلتزمات ومهندسات وعالمات مبتكرات، جمعتهنّ رؤية مشتركة تحت مظلّة شبكة “سيّدات الأعمال والمهنيات” في فعالية إطلاق قمّة النساء الفلسطينيات لعام 2024. لم تكن هؤلاء النساء جُزءًا من الحضور فحسب، بل صاحبات رؤى يحملن عزيمةً لا تُقهر لتأديةِ دورٍ فاعل في رسم مستقبل فلسطين من خلال قنوات الابتكار الاقتصادي والتقدّم الأكاديمي والقيادة السياسية.
لم تُبصِر القمة المُخطّط لها النور. واليوم، فقدت الغالبية العظمى من هؤلاء النساء أعمالهنّ وبيوتهنّ وعائلاتهنّ وسُبل كسب عيشهنّ بالكامل. وهؤلاء النساء أنفسهنّ اللاتي كرّسنّ أنفسهنّ في ما مضى من أجل بناء مستقبلٍ مشرقٍ ومُفعمٍ بالأمل والتقدّم المجتمعي، قد وجدن أنفسهنّ مشرّدات من منازلهنّ ومجتمعاتهنّ ويعشن في ظروفٍ غير إنسانية ومحرومات من أبسط حقوقهنّ الأساسية والأصيلة.
ووسط الأرقام المروّعة عن عدد الوفيات وحجم الدمار، تظلُّ قصص هؤلاء النساء في طيّ النسيان على الرُغم من أنّهنّ الوجه الحقيقي للمعاناة والفقر اللذين تنقلهما صور غزّة. ومع ذلك، هنّ، من بين النساء الفلسطينيات الأخريات، اللواتي سيكون على عاتقهنّ جمع ما تبقّى وإعادة بناء ما دُمِّر. وعلى الرُغم من هذه المكانة المحورية والأجندة الدولية اللتين يُفتَرَض أن تدعما تمكينَ النساء في بناء السلام وإعادة الإعمار بعد الصراع، فإنهنّ لا يزلن مُستبعدات من دوائر صنع القرار الرسمية التي يتوقّف عليها مصيرهنّ.
ركائز مجتمع مضطهد
هذه هي الحقيقة القاسية التي تواجه النساء الفلسطينيات، وهي حقيقة لم تبدأ في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بل تعود إلى زمنٍ طويل سبقه. فالإبادة الجماعية التي يشهدها قطاع غزّة اليوم ليست سوى امتدادٍ لمخطّط إسرائيلي مُمَنهج يستهدفُ تفكيك المجتمع الفلسطيني وتهجيره من أرضه ومحو ذاكرته. وفي هذه العملية، تتحمّل النساء العبء الأكبر، لا من خلال الفظائع المباشرة للحرب فحسب، ولكن أيضًا عبر آثارها الطويلة الأمد. ففي قلبِ كلِّ شعبٍ هناك عائلات، وفي كلِّ قلبِ كلِّ عائلة هناك امرأة. وبالتالي، فإنّ الهجوم على الشعب الفلسطيني هو قبل كلِّ شيء هجوم على نسائه.
منذ العام 1967، ترزحُ النساء الفلسطينيات تحت أعباءٍ يومية هائلة نتيجة الاحتلال العسكري الإسرائيلي، الذي أضفى طابعًا منهجيًا على العنف القائم على النوع الاجتماعي ضدهنّ، وذلك عبر سياسة التهجير القسري المُتعمّدة وتفكيك الحياة الأسرية والاعتداء المباشر على صحّتهنّ الجسدية والنفسية. وقد أدّى الصراع المستمرّ والحرمان المنهجي والتجريد الدائم من الحقوق إلى دفع فلسطين نحو حالةٍ دائمة من الأزمة، ما فاقم العنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب التهميش الاقتصادي والسياسي.
اليوم، لا يقتصر تدمير غزّة على تحقيق أهداف عسكرية فحسب، بل هو أيضًا هجوم على النسيج الاجتماعي للوجود الفلسطيني. لقد استهدفت القوات الإسرائيلية المدنيين بطريقةٍ منهجية، وشكّل النساء والأطفال نحو 70 في المئة من مجمل القتلى. ولكن، وبصرف النظر عن الأرقام الصادمة، يمثّل هذا الصراع ضربةً لدور النساء كحجرٍ أساس للمجتمع الفلسطيني، باعتبارهنّ الراعيات والحاميات وركائز الصمود.
عندما تَحدُث الإبادات الجماعية، لا يكون استهدافُ المنازل والمدارس والمستشفيات عشوائيًا، بل محاولة مقصودة لتدمير البنية التحتية التي تُشكّلُ دعامة للمجتمع. وبعد كلّ هذا الدمار، تُترَك للنساء الفلسطينيات وحدهنّ مهمّة جمع ما تبقّى من شتات مجتمعهنّ، فيقُدن جهود الإغاثة ويعتنين باليتامى ويحاولن ترميم حياة عائلاتهن المشتّتة. ولكن كيف يمكن لهنّ إعادة البناء عندما لا تنتهي الحرب؟ كيف يمكن لهنّ التعافي عندما لا تنتهي الصدمة؟
النساء الفلسطينيات لسن مجرّد ضحايا للحرب، بل هنّ أوّل المُستجيبات لها، والقائدات غير المُعترَف بهنّ للبقاء ما بعد الحرب. في غزّة، حيث تظل الإغاثة الدولية شحيحة ومتقطّعة، تبتكر النساء الحلول ويتحرّكن ويقاتلن من أجل بقاء أسرهنّ ومجتمعاتهنّ. هنّ مَن يُدِرنَ العيادات الطبّية السرّية ويوزّعن الطعام ويؤسِّسن المدارس المؤقّتة ويُقدّمن الرعاية النفسية للأطفال المُصابين بالصدمة الذين لم يعرفوا في حياتهم سوى الحرب.
تفوق الخسائر المُوَثّقة بين النساء في غزّة الوصف. فقد كشف الكثير من تقارير الأمم المتّحدة ومنظّمات حقوق الإنسان عن مقتل الآلاف من النساء أو إصابتهنّ بجروحٍ خطيرة، فيما تُرِكت أخريات أرامل مُضطَرّات لمواجهة قسوة الحياة بمفردهنّ في أثناء رعاية أطفالهنّ اليتامى. فضلًا عن ذلك، تسبّب التدمير الواسع لمراكز الرعاية الصحّية الخاصّة بالأمهات في ارتفاع حادّ في معدّلات وفيات الأمّهات وظهور مضاعفات خطيرة في أثناء الولادة، إلى جانب انهيار شبه كامل في خدمات الرعاية الصحّية الإنجابية الأساسية التي تُعدّ شريان حياة للنساء وأسرهنّ. في عشية السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، كان هناك حوالي 50 ألف امرأة حامل في غزّة، ولكن لا أحد يعلم مصيرهنّ أو مصير أطفالهنّ.
اليوم، تضطرُّ الغالبية الساحقة من النساء للولادة في ظروف غير آمنة، وغالبًا في خيام مؤقّتة ومن دون أيِّ رعايةٍ طبّية. أمّا من الناحية النفسية، فإنّ الندوب التي خلّفتها الحرب مروّعة على حدّ سواء، إذ تتصاعد معدّلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق بين النساء الفلسطينيات وهنّ يشهدن الدمار المستمرّ لأسرهنّ ومنازلهنّ وسُبل عيشهنّ. وعلى الرُغم من الخسائر الفادحة التي يتحمّلنها وما يليها من صدمات عميقة، تُواصل نساء غزّة النهوض من تحت الأنقاض ويحملن على عاتقهنّ قيادة جهود الإغاثة، ويقمن ببناء شبكات دعم سرّية ومعقّدة وابتكار وسائل جديدة للحفاظ على الحياة وسط الدمار الهائل. إنّ بقاءهنّ واستمرارهنّ هو فعل مقاومة بحدّ ذاته، ورسالة واضحة لكلّ القوى التي تحاول القضاء عليهنّ ومحو وجودهنّ.
النساء كصانعات قرار
على الرُغم من أنهنّ العمود الفقري لبقاء شعب غزّة على قيد الحياة، لا تزال النساء مُستَبعدات من المفاوضات السياسية والتخطيط الإنساني وإعادة الإعمار. يتفاوض الرجال على وقف إطلاق النار، بينما تتولّى النساء مهمّة إعادة بناء المجتمعات.
وفي حال أُشرِكَت النساء فعليًا في هياكل الحكم وآليّات العدالة الانتقالية، لكانت عملية إعادة إعمار غزّة أكثر عدلًا وإنصافًا واستدامة. لكنهنّ يُستَبعَدنَ عمدًا، ويُصوَّرنَ كأيقونات لتقمّص دور الضحية بدلًا من الاعتراف بهنّ كقوى فاعلة للتغيير.
على الرُغم من مرور ما يقرب من ربع قرن على اعتماد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325، الذي أرسى أجندة النساء والسلام والأمن، وشدّد على ضرورة أن تضطلعَ النساء بدورٍ كامل ومتساوٍ في حفظ السلام والأمن وتعزيزهما، لا تزال النساء الفلسطينيات يُقصَين عمدًا وبشكلٍ منهجي من القيادة السياسية واتخاذ القرار وإعادة بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع. لقد أنفق المجتمعُ الدولي مليارات الدولارات على مبادرات تمكين النساء، إلّا أنّ أيّاً منها لم يُترجَم إلى نفوذٍ سياسي حقيقي للنساء الفلسطينيات. لماذا؟ لأنّ الاستعمار الإسرائيلي رسّخ الأنظمة الأبوية التي تكرّس عسكرة الذكورة وتدفع النساء بشكل ممنهج خارج دوائر القيادة. وفي ظلّ صراع الفلسطينيين المستمرّ من أجل البقاء في مواجهة نظام القمع والحرمان الإسرائيلي، تجد النساء الفلسطينيات أنفسهنّ عالقات في منظومةٍ مجتمعية أبوية غير مُصمّمة بالأساس لإعطائهنّ مواقع قيادية.
ومع ذلك، لا تُعتبر النساء الفلسطينيات مجرّد ناجيات، بل هنّ أيضًا صانعات المستقبل. لا ينبغي أن تكون قيادتهنّ في إعادة الإعمار مجرّد فكرة ثانوية، بل لا بدّ من إضفاء الطابع المؤسّسي على قيادتهنّ وضمان دورهنّ المركزي في هذه العملية. يجب أن تعكس قيادتهنّ حجم آلامهنّ وتضحياتهنّ ودورهنّ المشروع في رسم ملامح المسعى الفلسطيني نحو تحقيق العدالة. إذا كان العالم جادًّا في التزامه بالسلام، فتحتاج النساء الفلسطينيات إلى التمكين لا مجرّد الحماية. فمعركتهنّ ليست مجرّد نضالٍ من أجل البقاء، بل نضال لإعادة بناء أمة بأكملها.
بعد 17 شهرًا من القصف المتواصل، تحوّلت غزة إلى ركام. ومع ذلك، أثبت الفلسطينيون تصميمهم على البقاء وإعادة البناء بمجرّد أن بدأ وقف إطلاق النار في كانزن الثاني (يناير) الماضي، حيث توجّهوا سيرًا على الأقدام في جموع غفيرة عائدين إلى منازلهم المدمّرة. وعندما يحين الوقت، يمكن للرجال إزالة الأنقاض، لكن إعادة الإعمار لا تتمّ من دون النساء.
دلال عريقات هي أستاذة مساعدة في حل النزاعات والديبلوماسية والتخطيط الإستراتيجي في الجامعة العربية الأميركية في فلسطين منذ العام 2015. شغلت منصب مستشارة الاتصالات الإستراتيجية في مكتب رئيس الوزراء الفلسطيني بين العامين 2017 و2018، كما عملت كبيرة المستشارين في إعداد تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بفلسطين في العام 2015. درَّسَت عريقات في كلّية الحقوق والإدارة العامة بجامعة بيرزيت بين العامين 2011 و2012.
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.