إعادةُ التفكير في النظام العالمي

الأمير تركي بن فيصل آل سعود*

فيما بدأ العالم التعافي من واحدة من أكبر الأزمات في العقود الأخيرة، اندلعت أزمةٌ أخرى في أوروبا. تمامًا كما أكدت جائحة كوفيد-19 على إنسانيتنا المشتركة، ذكّرتنا حرب روسيا على أوكرانيا بمدى هشاشة عالمنا وتشابكه وترابطه. وكما يقول الصينيون، “الكل واحد تحت الجنة”.

إن اشتدادَ المواجهات بين القوى العظمى وتراجُعَ العَولمة يُهدّدان السلام والأمن العالميَين. يبدو أن الأزمات الجديدة تندلعُ في كل زاوية، لكن الحلول المناسبة لا يمكن رؤيتها في أيِّ مكان، لا في الشرق الأقصى أو جنوب آسيا أو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أو إفريقيا جنوب الصحراء أو أوروبا الشرقية أو أميركا اللاتينية. لقد أظلمَ المزاج الشعبي، وأعاد تنشيط الشعبوية والقومية وكراهية الإسلام وغيرها من الاتجاهات التافهة التي تُهدّدُ الإنجازات التقدّمية التي حققتها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية.

الأزمة الأوكرانية نفسها هي أحد أعراض المشاكل الهيكلية الأعمق في النظام الدولي. لقد فشل هذا النظام، بقيادة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي (الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، في الالتزام بمبادئ الحكم الرشيد المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

تميل الأنظمة الدولية الجديدة إلى الظهور بعد حروبٍ كبرى. في حالة الحرب العالمية الثانية، أنشأ المنتصرون هياكلَ مُصَمَّمة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين. ولكن في حين أن عالمنا الذي يزداد تكاملًا قد تغيّر بشكلٍ كبير منذ تأسيس الأمم المتحدة، فإن مبادئنا التنظيمية لا تزال تعكس عقلية حقبة ما بعد الحرب والحرب الباردة. في الإطار الحالي، فإن الفشل في الاستجابة للتحديات العالمية هو فشلٌ للمجتمع الدولي بأسره.

هل يمكن إصلاح النظام؟ تلقّت الدعوات منذ أوائل التسعينات الفائتة لإعادة هيكلة نظام الأمم المتحدة، الصورة الرمزية للنظام الدولي الأوسع، آذانًا صماء باستمرار. والأسوأ من ذلك، أن روسيا والصين تستخدمان الآن مقاعدهما على رأس النظام الدولي للدفع باتجاه نظامٍ مُتعدّد الأقطاب. بدلًا من العمل على إصلاح الإطار الحالي، فإنهما يتحدّان صلاحيته.

إن الإنجازات الجماعية التي حقّقتها البشرية على مدى العقود السبعة الماضية هي شهادة على سبب وجوب العمل معًا لجعل نظام الأمم المتحدة أكثر عدلًا وشمولًا ومُراعاةً لاحتياجات الناس وتطلعاتهم. في الواقع، كانت تلك هي مهمة الفريق الرفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير الذي شكّله الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في العام 2003.

هذه اللجنة المؤلفة من 16 شخصية بارزة من مختلف أنحاء العالم، وترأسّها رئيس الوزراء التايلاندي السابق أناند بانياراتشون، قامت بتحليل التهديدات المعاصرة للسلم والأمن الدوليين؛ وتقييم مدى نجاح السياسات والمؤسسات القائمة في التصدي لتلك التهديدات؛ وقدمت توصيات تهدف إلى تعزيز الأمم المتحدة وتمكينها من توفير الأمن الجماعي للقرن الحادي والعشرين.

وقد أوضح التقرير النهائي للجنة أن جميع الأجهزة الرئيسة للأمم المتحدة بحاجة إلى إصلاح، بما فيها مجلس الأمن الدولي، الذي قالت اللجنة إنه ينبغي توسيعه. لسوء الحظ، تجاهل الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن الذين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) توصيات اللجنة، ما مهّدَ الطريق لشلل المجلس اليوم واختلال وظيفته.

يحتاج الشرق الأوسط بشكلٍ خاص إلى نظامِ أُمَمِ مُتّحدة يعمل بشكلٍ جيد ومُمَثَّلٌ بشكلٍ حقيقي. لا توجد منطقة عانت أكثر من الديناميكيات غير العادلة لثنائية القطب وأحادية القطب في الماضي. لقد كنّا المذبح الذي يتم فيه التضحية بشكل روتيني بمبادئ النظام الدولي. كما أن المبادئ عينها التي أدت إلى إنشاء دولة إسرائيل أدّت أيضًا إلى حرمان الفلسطينيين من وطنهم وحرمانهم من حقوقهم الأساسية في تقرير المصير وإقامة دولة.

مع انتقالِ الشرق الأوسط من حربٍ إلى أخرى، ومن كارثة إلى أخرى، ومن قرارٍ للأمم المتحدة إلى آخر، فقد استعصت العدالة باستمرار على إيجاد حل. في كل مرة تظهر فيها قضية عربية أو إسلامية أو شرق أوسطية، يصبح نفاق القوى العظمى التي تقود النظام الدولي واضحًا وضوح الشمس.

يحتاج قادة تلك القوى إلى العودة إلى رشدهم. يتطلّب إصلاح النظام الحالي تفكيرًا جديدًا من قبل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها الدول الأعضاء الخمسة الدائمة في مجلس الأمن. لا يمكن للنظام الدولي أن يحافظ على السلم والأمن إلّا بالقدر الذي يكون فيه مُنصفًا وقادرًا على مواجهة التحديات التي تواجهها البشرية. وبخلاف ذلك، ستستمر الاضطرابات الجيوسياسية في تهديد السلم والأمن العالميين.

  • الأمير تركي بن فيصل آل سعود هو رئيس مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، كان المدير العام للمخابرات العامة السعودية من 1977 إلى 2001، وشغل منصب سفير المملكة العربية السعودية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى