“أميركا أوَّلًا”… والعالَمُ أخيرًا: كَيفَ تُفرِغُ واشنطن مجموعةَ العشرين من معناها؟

كابي طبراني*

على مدى أربعةِ أعوامٍ مُتتالية، عاشت مجموعةُ العشرين لحظةً نادرةً من إعادةِ التعريف. فبقيادة دولٍ من الجنوب العالمي—إندونيسيا ثم الهند فالبرازيل وأخيرًا جنوب أفريقيا—خرجت أجندةُ المُنتدى من إطارها التقليدي الضيِّق، لتقتربَ أكثر من همومِ غالبية سكان العالم: الديونُ الخانقة، هشاشةُ التنمية، اتِّساعُ فجواتِ اللامساواة، وتكلفةُ التحوُّل المناخي على الاقتصادات النامية. لم يَكُن ذلك تحوُّلًا شكليًا، بل محاولةٌ جادة لإعادةِ التوازُنِ إلى الحَوكَمة الاقتصادية العالمية.

اليوم، ومع انتقالِ رئاسة المجموعة، منذ بداية كانون الأول (ديسمبر) الجاري، إلى الولايات المتحدة، يلوحُ في الأُفُقِ انعطافٌ حاد. فالعودةُ الأميركية ليست مجرَّدَ استعادةٍ لدورٍ دوري، بل تُمثِّلُ، في ظلِّ إدارة دونالد ترامب، قطيعةً واضحة مع الروحِ التوسُّعية التي سادت في السنوات الأربع الماضية. وما يُطرَحُ تحتَ شعار “العودة إلى الأساسيات” يُهدّدُ بتحويل مجموعة العشرين من منصَّةٍ جامعة إلى إطارٍ أَضيَق تحكُمهُ الأولويات الوطنية الأميركية، لا التحدّيات العالمية المُشتَرَكة.

لقد كانَ تتابُعُ رئاسات الجنوب العالمي استثنائيًا بكلِّ المقاييس. لأوَّلِ مرة، لم تَكُن قضايا الدول النامية مجرّدَ بنودٍ هامشيّة، بل أصبحت جُزءًا من صلبِ النقاش الاقتصادي الدولي. انضمامُ الاتحاد الأفريقي كعضوٍ دائمٍ شَكّلَ علامةً فارقة، ليس فقط من حيث التمثيل، بل من حيث الرسالة السياسية: أنَّ الاقتصاد العالمي لا يُمكِنُ إدارتهُ بفاعلية من دون أفريقيا. كما إنَّ إدراجَ موضوعاتٍ مثل الحماية الاجتماعية، الفقر، والجوع في بياناتِ القادة عَكَسَ إدراكًا متزايدًا بأنَّ الاستقرارَ الاقتصادي لا ينفصِلُ عن العدالة الاجتماعية.

الأمرُ ذاته ينطبقُ على ملفِّ المناخ. فبدل التعامُل معه كقضيّةٍ بيئية تقنية، جرى رَبطُهُ بالتنمية والإنصاف والقدرة على التكيُّف. هذه المُقاربة، التي دافعت عنها دول الجنوب، كشفت التناقُضَ العميق في الخطاب الدولي: كيف يُطلَبُ من دولٍ تُعاني نقصَ الكهرباء والتمويل أن تتحمَّلَ كلفةَ انتقالٍ أخضر لم تصنع أسبابه؟

غير أنَّ هذه الطموحات اصطدمت بواقعٍ سياسي دولي مُتَشَظٍ. الحربُ في أوكرانيا، وتصاعُد التنافس الأميركي–الصيني، حَوَّلا مجموعة العشرين إلى ساحةٍ تَعكِسُ الانقساماتَ العالمية بدل أن تتجاوزها. صحيحٌ أنَّ المنتدى ليس جهازًا تنفيذيًا، بل منصّة لبناء التوافق، لكن غياب الحدِّ الأدنى من الثقة جعلَ حتى التوافق اللفظي إنجازًا بحدِّ ذاته.

قمة جوهانسبُرغ (جنوب أفريقيا) الأخيرة كانت التعبير الأوضح عن هذا المأزق. الغيابُ الأميركي الكامل، لأوَّل مرة في تاريخ المجموعة، لم يَكُن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالةٌ سياسية صريحة. ومع ذلك، مضت القمة قُدُمًا، وأُقرّت وثيقةً ختامية بدعمِ غالبية الأعضاء. هذا المشهدُ كشفَ مُفارقةً أساسية: مجموعةُ العشرين قادرةٌ على الاستمرار من دون الولايات المتحدة، لكنها تَفقُدُ الكثير من ثقلها وتأثيرها في غياب أكبر اقتصاد في العالم.

الرئاسة الأميركية الحالية تَعِدُ بأجندةٍ “أكثر رشاقة”، تُركّزُ على النمو، وأمن الطاقة، والتكنولوجيا، مع تقليصٍ واضحٍ للاهتمام بقضايا المناخ والتنمية واللامساواة. من حيثُ المَبدَإِ، ليس كلُّ تقليصٍ خطأ. فالتوسُّعُ المُفرِط في مسارات العمل واللجان أضعفَ أحيانًا قدرةَ المجموعة على التركيز. لكنَّ الفارقَ كبيرٌ بين ترشيد الأجندة وإفراغها من مضمونها الجماعي.

الخشيةُ الحقيقية أن يتحوَّلَ “التخفيف” إلى “تفريغ”، وأن تُصبِحَ مجموعة العشرين منصّةً تعكسُ أولويات واشنطن وحدها. الرمزية المُصاحِبة لبداية الرئاسة الأميركية —من حذف أرشيف الرئاسات السابقة إلى التلويح بإقصاءِ دولٍ بعينها— تُعزّزُ هذا القلق. فإذا كُسِرَت أعرافُ الاستمرارية والشمول، سيتحوَّلُ المنتدى إلى أداةٍ سياسية ظرفية، لا مؤسّسة مُتعدِّدة الأطراف ذات مصداقية.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من نقاطِ التقاءٍ مُحتملة. ملفُ إعادة هيكلة الديون السيادية يهمُّ واشنطن كما يهمُّ دول الجنوب، لما يحملهُ من مخاطر على الاستقرار المالي العالمي. وكذلك قضية المعادن الحيوية، حيث تتقاطعُ مصالح التنمية الصناعية للدول المُنتِجة مع هواجس الولايات المتحدة المُتعلِّقة بأمنِ سلاسل الإمداد. هذه المساحات المُشتَرَكة قد تُشكّلُ أرضيةً لتعاوُنٍ عملي، إذا ما أُديرت بروحٍ جماعية لا بمنطقِ الصفقات الثُنائية.

لكنَّ الاتجاهَ العام يوحي بأنَّ جُزءًا من العمل مُتعدِّد الأطراف قد يُهاجِرُ خارج مجموعة العشرين. تحالفاتٌ مُصغَّرة، ومنصّات موضوعية، وتعاونٌ بين دول الجنوب، كُلُّها قد تملأ الفراغ الذي يَتركُهُ انكفاءُ المجموعة عن قضايا أساسية. هذا لا يعني نهاية التعاون الدولي، بل يعني تراجُع دور مجموعة العشرين كجسرٍ بين الشمال والجنوب.

في المحصّلة، اختبارُ “أميركا أوَّلًا” لمجموعة العشرين ليس تقنيًا، بل وجودي. هل يُمكِنُ للمُنتدى أن يصمدَ أمامَ نزعةٍ قوميّة تُشكّكُ في جوهر التعدُّدية؟ وهل يستطيع أن يكونَ أكثرَ تواضُعًا في أجندته بدون أن يفقدَ روحه؟ الإجابة عن هذين السؤالَين ستُحدّدُ ما إذا كانت مجموعة العشرين ستخرجُ من هذه المرحلة أكثر نحافةً لكنها مُتماسِكة، أم أضعف وأقرب إلى مجرّد إطارٍ رمزي في عالمٍ يتّجه نحو الانقسام.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادرَين من لندن. ألّف خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabarielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على:  @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى