هِلِن طروادة: الحورية والأُسطورة (5 من 5)

هِلِن بريشة دانتِه روزيتّي (القرن التاسع عشر).

هنري زغيب*

في الميثولوجيا اليونانية، وتحديدًا في “أُوديسَّة” هوميروس، أَنَّ هِلِن ولدَت من بيضةٍ بزواج كبير الآلهة زوس من ليدا ملكة سْبارطة. نشأَت هِلِن في سْبارطة، واشتُهرت بأَنها أَجمل امرأَة في الكَون. يُعزى إِليها نُشُوب حرب طروادة الأُسطورية التاريخية بين الإِغريق (الآخيين) وشعب طروادة (حاليًّا: الأَناضول التركية).

في الحلَقَات الأَربع السابقة مهَّدتُ للموضوع وأَشخاصه، وما جرى من ظروف وأَحداثٍ سبَّبَت الحرب، وكيف مينيلاس استردَّ زوجته هِلِن.

في هذه الحلقة الخامسة والأَخيرة أَختُم الحلقة بأَثَر هِلِن في الآداب والفنون.

هِلِن في المسرح.

في العبادات…

أَحدُ أَقدم المعابد على اسم هِلِن كان في مدينة تيراپْنيه Thérapné  قرب سپارطة. وفيه كانت هِلِن رمزَ الزوجة الصالحة الناضجة، تُقَدَّم إِليها الأُضْحيات كي تمنح عابديها صفاتٍ جاذبة. وعن هيرودوت (في كتابه “التواريخ”) أَن زوجة الملك آريستون الثالثة تغيَّرَت من امرأَة بشعة إِلى امرأَة جذابة، بفضل أُعجوبةٍ من هِلِن في معبد تيراپْنيه. وعن المؤَرخ والعالم الجغرافي پوزانياس (في القرن الثاني الميلادي) في كتابه “المواصفات” أَن السكان كانوا يؤْمنون بأَن مينيلاس وهِلن مدفونان في تيراپْنيه، ولذا أُقيم فيها معبدُها نحو سنة 700 (ق.م.) قرب قصرٍ ميسيني من القرن الخامس عشر (ق.م.)، وكان من مستطيل حجري واسع فيه معبد صغير، على تلة تعلو المدينة. ومن الحفريات هناك تبيَّن أنْ كانت تُقَدَّم فيه نُذُور وأُضحيات إِلى الثنائي، وظل هذا الأَمر حتى القرن الميلادي الأَول.

هلن في البيضة منحوتة قديمة.

… في الآداب

طويلًا كانت قصة هِلِن وحرب طروادة (خارج نصوص هوميروس – القرن الثامن ق.م.) موضوعَ كتب ودراسات ومؤَلَّفات وتواريخ وأَبحاث وقصص شعبية وأَدبية، تراوحَت بين الأُسطورة والخيال الروائي، فباتت جُزْءًا نابضًا من الأَدب العالمي الكلاسيكي. منها مثلًا ما وردَ في نص “أَغاممنون” لأَشيل (القرن الخامس ق.م.) وفي نص “الإِنيييد” لـفرجيل (القرن الأَول ق.م.). وفي مأْساة “الطرواديات” لأُوريـپـيـد (القرن الخامس ق.م.) تَظهر هِلِن أَمام النساء المحتَجَزات في طروادة، وتدافع عن تصرُّفها المعتَبَر خيانة زوجية، مبررة إِياه بأَنها كانت لعبةً ضعيفةً بين أَيدي الآلهة، ولم يكن لها خيار في تلافي مصيرها. بينما هي في مسرحية أُوريـپـيـد لم تصل إِلى طروادة، بل -كما سرد هيرودوت – بقيَت في مصر ولم تغادرها.

وكان المعلّم جوجياس (القرن الرابع ق.م.) قدَّم صورة ساخرة عن هِلِن، يرجِّح الدارسون أَن نصَّه لعبةٌ بلاغية بيانية أُسلوبية أَكثر منه تاريخيًّا موثَّقًا.

تلة تيراپْنيه وفيها معبد هِلِن.

… في الفنون

في الفنون البصرية، ظهرَت هِلِن مولودةً من بيضة في فخاريات كثيرة من القرن (ق.م.). وعملية خطفها ظهرَت كذلك على فخَّاريات حمراء قديمة جدًّا. كما تَظهر في مشاهد على فخاريات أُخرى (سوداء أَو حمراء) من المرحلة الكلاسيكية، بعضُها لــپارِس وهو يخطف هِلِن، وبعضها الآخر لمينيلاس يهدِّدها في بعض الفخاريات، أَو هو يصفح عنها في فخاريات أُخرى.

هكذا، منذ القديم، مرورًا بالعصور الكلاسيكية ووصولًا إِلى العصور الحديثة، شكَّلَت هِلِن صورة المرأَة الجميلة الجذَّابة، خصوصًا في عصر النهضة، وظهرت في لوحاتٍ كثيرةٍ أَبرزها لوحات تينْتوريتُّو (القرن السادس عشر)، وفي قصائدَ عدةٍ أَبرزُها لـكريستوف مارلو (1564-1593) ودانته روزيتّي (القرن التاسع عشر).

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى