اليوم التالي

الدكتور ناصيف حتي*

مع انتهاء مهام قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) نهاية هذا العام، أو بالأحرى مع قرار إنهائها، يبرز السؤال الأساسي: ماذا عن اليوم التالي؟ فمن الضروري التذكير بأنَّ “اليونيفيل 2″، التي ولدت في آب (أغسطس) 2006 مع صدور قرار مجلس الأمن الرقم 1701، تميّزت بتعزيز عديد القوة وإمكاناتها ومهامها، مقارنة بـ”اليونيفيل” الأولى التي أُنشئت عام 1978 بموجب قرارَي مجلس الأمن 425 و426.

ولم تنجح محاولات لبنان لتمديد مهمة “اليونيفيل”، ولو لفترة قصيرة تقلُّ عن عام، على الرغم من الدعم الذي وفّرته دولٌ صديقة، في مواجهة ما يمكن وصفه بـ”فيتو” أميركي عبّر عن موقف واضح وحازم بإنهاء مهمة القوة الدولية. وقيل إنَّ لبنان كان ينبغي أن يبدأ مساعيه للتمديد قبل وقتٍ طويل من صدور قرار مجلس الأمن الرقم 2790 في 28 آب (أغسطس) 2025، الذي مدّد ولاية “اليونيفيل” للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول (ديسمبر) 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية خفض عديدها وانسحابها بصورة منظمة خلال عام.. لكن واقع الأمر أنَّ القرار الأميركي في هذا الشأن كان قد اتُّخذ، ولم يكن متوقَّعًا أن تنجح محاولات “إقناع” واشنطن بتغييره.

أما السؤال الملحّ عشية “اليوم التالي” فهو: ما العمل؟ ثمة ثلاثة عوامل ضاغطة ينبغي التعامل معها بنجاح. أوّلها عامل الوقت، إذ إننا نتجه إلى المجهول بعد أقل من ثلاثة أشهر. وثانيها التطورات الميدانية، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية وتصعيدها، سواء في القوة النارية أو في اتساع رقعتها الجغرافية، كما نذكّر دائمًا، وترسيخ الحرب منذ البداية جزءًا من المشهد التفاوضي وعنصرًا أساسيًا في إدارة المفاوضات. أما العامل الثالث، فيتعلق بتحديد طبيعة المهمة المطلوبة من أي قوة قد يجري تشكيلها، والدول المشاركة فيها، في ظل “الفيتو” الإسرائيلي على مشاركة دول عدة، وفي مقدمها فرنسا، فضلًا عن تحديد مهام هذه القوة ومرجعيتها القانونية الدولية.

حتى الآن، يبقى التعثر سيد الموقف، خصوصًا أنَّ المهمة المطلوبة أصعب من تلك التي اضطلعت بها “اليونيفيل”. فالمسألة لم تعد تقتصر على الحفاظ على وضعٍ قائم والمساهمة في تثبيته أو تعزيزه وإدارته، بل بات المطلوب مواكبة مسار جديد يُفترض أن ينطلق من المفاوضات، وصولًا إلى إمساك الجيش اللبناني، كليًا ومنفردًا، بالوضع على الأرض من جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية للبنان. وتشكّل هذه الخطوة مرحلة أولى تمهّد وتساعد على احتكار السلطة اللبنانية للسلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وكذلك لقرارَي الحرب والسلم؛ وهو الشرط الضروري والمعيار الأهم لعودة الدولة، كأيِّ دولة، إلى الاضطلاع الكامل بمهامها ومسؤولياتها ووظيفتها الأساسية.

ولا يزال هذا المسار متعثّرًا، بل إنَّ هناك مخاوف موضوعية من انفجار كبير قد يقود إلى حرب مفتوحة، ومن العودة مجددًا إلى محاولة احتواء الموقف عبر “سياسة المراهم” أو التفاهمات المؤقتة والمتجددة. ومثل هذا الوضع لا يشجّع أي طرف دولي على الانخراط في مهمة يغلب عليها الغموض، وتبقى رهينة انتظار تفاهمات دولية وإقليمية قد تفضي إلى تهدئة غير مستقرة، لكنها لا تنزع فتيل الانفجار.

وفي هذا السياق، يطرح البعض، كحلٍّ مؤقت، اللجوء إلى هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO)، الموجودة منذ عام 1948. فيما يطرح آخرون خيارًا “مؤقتًا وانتقاليًا” أيضًا، يقوم، كما نسمع، على تعزيز دور وقدرات مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان (UNSCOL). لكن هذا الخيار بدوره لا يفي بالهدف المنشود، في ظل ما أشرنا إليه من تحديات ومخاطر متزايدة وشديدة التعقيد، فيما يقترب لبنان أكثر فأكثر من المجهول.

وفي خضم هذا السباق مع الوقت، تبرز مفارقة لافتة: كل تأخير تفرضه التحديات والصعوبات القائمة يؤدي بدوره إلى زيادة هذه التحديات والصعوبات وتعقيدها. لذلك، يبقى المدخل الصحيح والواقعي والموضوعي لـ”اليوم التالي”، ولأيِّ مسار أممي أو دولي يفترض أن يواكبه، هو تحقيق توافق فعلي وفعّال بين أصحاب القرار الدولي المعنيين، وفي مقدمهم واشنطن، بوصفها مهندس المفاوضات وراعيها.

والمطلوب هو توافق على اعتماد “استراتيجية فعل” تقوم على ثلاثية واضحة: أولًا، الوقف الكامل للحرب الإسرائيلية المتصاعدة والمستمرة، التي تشكّل، كما نذكّر دائمًا، الورقة الأساسية والفعلية التي تستخدمها إسرائيل في إدارة المفاوضات؛ ثانيًا، اعتماد مبدأ التزامن في الخطوات المطلوبة من الطرفين؛ وثالثًا، اعتماد مبدأ التبادلية في تنفيذ تلك الخطوات، في ظلِّ مواكبة دولية وأممية.

هذا هو الطريق الوحيد نحو مسار التغيير المطلوب و”عودة الدولة” إلى الجنوب، ومعها عودة الدولة فعليًا وكليًا إلى لبنان. إنه مسار صعب، لكنه ليس مستحيلًا، وهو الكفيل بتوفير الاستقرار الذي يشكّل شرطًا أكثر من ضروري لسلوك طريق الإنقاذ الوطني والازدهار.

  • الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى