الهوية اللبنانية
رشيد درباس*
الطائفية سحقت فردانية الفرد داخل طائفته
د. حارث سليمان*
في قراءتي لكتاب الدكتور حارث سليمان (خراب في عباءات قداسة)، تمهيدًا لتقديم مُداخَلة عنه في إطار معرض الكتاب، لفتني فصل معمَّق عن الهوية اللبنانية التي تأسست على فكرة أنَّ لبنان شرفة العرب، ونافذة الشرق إلى العالم، وفق ما كان يُعلنه المؤسّسون الذين ذهبوا إلى صيغة جديدة في إطار دولة لا دينية، متعددة الطوائف، ذات دستورٍ لا يحدد لها دينًا، مستلهمٍ في معظم مواده من روح الدستور الفرنسي.
هذا لا يعني أنَّ الهوية اللبنانية أمر جرى اختراعه مع إعلان لبنان الكبير، ذلك أنَّ الجبل كان له نوع من الحكم الذاتي تراوح بين الانكماش والتوسع، في علاقات ملتبسة مع الحكم العثماني ومع دول متعددة، بما يفيد أنَّ هذه الهوية شكلٌ عصري لانتماءات تراكمت تاريخيًّا، وعلاقات متداخلة عبر البر الشامي وصولًا إلى مصر التي شهدت نهضة ثقافية وفكرية واقتصادية وفنية وصحافية بإسهامِ أعلام لبنانيين اكتسب بعضهم لقب الباشوية، وما زالت أسماءُ بعضهم محفورة على صروح أسسوها.
وما أنوِّه به في كتاب الدكتور حارث، أنَّ الانسان حمَّال هويات متعددة، وهذا سر تطوّره وحيويته، فلا يمكن أن تختصر هويته في طائفته، إذ له أن يتمرّد عليها ثقافيًّا وإنسانيًّا ومصلحيًّا، حتى إنه لا ينبغي لها على الإطلاق أن تطبق على أفرادها وتحرمهم من فردانيتهم.
وإذا ما ذهبنا في قراءة سريعة للاشتباكات الطائفية التي أخذت أشكالها الحادة بعد دخول المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، وجدنا أنها كانت تتأرجح في نطاق زئبقي رجراج لن أحاول تفسيره نظريًّا بل أكتفي بجولة سريعة مع بعض الأحداث الجسام التي عصفت بلبنان في تواريخها المعروفة.
من المآسي التي لا تنسى اجتياح الدامور في 16/7/1976 من قبل القوات المشتركة للحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية. وبين 1983 و1984 اندلعت حرب الجبل بعد الانسحاب الإسرائيلي. في الخامس من شباط (فبراير) قامت حرب العلمين بين حركة “أمل” والحزب الاشتراكي؛ ثم اغتيلت شخصيات محورية بدءًا بطوني فرنجية وبشير الجميل وكمال جنبلاط ورشيد كرامي والمفتي حسن خالد، مع شخصيات سياسية أخرى، ظهر بعدها لبنان وكأنه تشظّى إلى غير التئام.
نشبت حرب بين زغرتا وطرابلس، دامت إلى ما قبيل أحداث أهدن، وأنشأوا في طرابلس دولة إسلامية سلفية أسموها دولة التوحيد الإسلامي. انقسمت العاصمة إلى شرقية وغربية، فكاد البيروتي أن ينفصم عن نفسه. انتشرت الحواجز كالفطر السامّ في جسد الوطن، ولكن الحاجزين اللذين تركاني في حيرة وضيق، هما حاجز السوديكو الذي لم يفتح أبدًا إلّا بعد وقف الحرب، فعادت بيروت إلى اندماج شرقها بغربها، لدى سقوط أول حجر منه. أما الحاجز الثاني الألعن، بالنسبة لي على الأقل، فهو حاجز البربارة الذي أجبرني على مدى خمسة عشر عامًا أن أسلك طريق الأرز أو الهرمل لأصل إلى بيروت الغربية. ولا أسقط من هذا السرد حروب “أمل” و”حزب الله”.
في المقابل اندمجت طرابلس وزغرتا في حلف متين بقيادة الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي، وتحوّل الخلاف الشيعي الدامي إلى ثنائي شيعي. وحلَّ المثلث الرحمات البطريرك صفير ضيفًا على وليد جنبلاط في المختارة في الرابع من آب (أغسطس) 2001، لإقفال مأساة حرب الجبل إلى الأبد. بعد ذلك خاضت “القوات اللبنانية” مع الحزب الاشتراكي الانتخابات في لوائح متحالفة، وانتخبت طرابلس نائبًا من القوات. وأما المسألة الطريفة، فهي أنَّ رئيس حاجز البربارة الذي جشمني مشاق الانتقال الطويل إلى بيروت، أصبح زبونًا عندي، ورافعت عنه في المحكمة العسكرية مجانًا، وحصلت له على حكم براءة من محكمة التمييز بعدما أُدين في المحكمة العسكرية الدائمة بجريمة عقوبتها الإعدام؛ ولكن المحامين في “القوات اللبنانية” انتخبوا ضدي عندما ترشحت لمنصب نقيب المحامين في طرابلس عام 1998. وإذا استطردت أقول إن اللبنانيين كانوا يشعرون جميعًا أنهم أبطال التحرير في العام 2000، وكان اعتزازهم بهويتهم اللبنانية عاليًا جدًّا، ولكن احتكار الانتصار، وتحويله الى وسيلة في الصراع الإقليمي، واستثماره في إلقاء القبض على مفاصل الدولة، جعل الهوية تعاني اضطرابًا ولجلجة، شعارها (ما بيشبهونا).
وإذا تذكرنا أنَّ حرب الإلغاء لم تحل دون لقاء معراب حيث أعلن ترشيح العماد ميشال عون للرئاسة، نجد أن الذبذبات السياسية لا تنتج هويات ولا تغيرها. وعلى هذا أعتقد بأنه ليس بعيدًا اليوم الذي سنرى فيه تحالفات جديدة تضم “غير المتشابهين”، وذلك إيمانًا مني بأنَّ الطائفة الشيعية أكثر الطوائف مصلحة في وحدة الدولة، لأسباب جغرافية وتاريخية.
جرب اللبنانيون التعادي، كلُّهم بلا استثناء، إلى أن جاءت لحظة الحقيقة التي تجاهلناها في السابق، ففرضت نفسها علينا، وهي أنَّ في كلِّ مسلم شيئًا من المسيحية وفي كل مسيحي شيئًا من الإسلام، كما يقال، وهذا تراكُمٌ تمَّ خلال مئة سنة من عمر لبنان. إنَّ الدول الوطنية التي نشأت بعد انهيار السلطنة تم تشكلها بين العثرات والصعوبات، ولكنها أصبحت كيانات تطبع مواطنيها بهوياتها التي تجبرهم على العيش معًا، لأنَّ الدولة أي دولة هي حاجة فردية تندمج في الحاجة الوطنية الكبرى.
تعادى اللبنانيون، وتجاوزوا خلافاتهم عبر تقلُّب الأحداث، لكن الخطر يكمن في أن تكون هناك شقوق بين الطوائف تسمح بتسرُّب النفوذ الإسرائيلي إلى النسيج الوطني، ليدس بذور انشقاقات متوالية.
الهوية ليست أقنعة تتبدل وتسقط وفق تبدل المشاهد والاستحلاب الفكري، بل هي وشيج نسغ بين الغصن والجذر، بين التربة ومن يقف عليها أو ينام في باطنها.
إنها “هو” و”هي” و”أنتم” و”نحن” ضمائر ظاهرة على سطح الأرض، وأخرى لم تزل مستترة داخل الأرحام.
- رشيد درباس هو وزير لبناني سابق يعمل بالمحاماة، كان سابقًا نقيبًا لمحامي شمال لبنان.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



