سابقة الملك الثانية: أول امرأة ترأس حكومة المغرب
محمّد قوّاص*
مرت “ثورة” الشباب في فرنسا عام 1968 بأيامٍ ثقيلة هدّدت استقرار البلد ووحدة مصيره. تحكي الروايات أنَّ الرئيس الفرنسي آنذاك الجنرال شارل ديغول اختفى عن المشهد لساعاتٍ عدة ولم يعرف أقرب المُقرَّبين إليه مكانه. عُرف لاحقا أنه توجّهَ بمروحية إلى بادن بادن في ألمانيا، حيث كانت تتمركز قوات فرنسية، للقاء الجنرال جاك ماسو والتشاور معه ومعرفة موقف الجيش. وحين عاد أعلن حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة.
في المغرب تعرّض البلد خلال المرحلة الأخيرة لقلاقل لا ترقى إلى مستوى ما حصل في فرنسا، لكنها تؤشر إلى مخاضٍ اجتماعي، سواء في مشهد الهجرة الجماعية لأكثر من 72 ألف مهاجر باتجاه مدينة سبتة التي تديرها إسبانيا في تموز (يوليو) الماضي، أو قبل ذلك بعام مع الحراك الواسع لـ”جيل زد” الذي هزّ الشارع المغربي. اهتزت فرنسا عام 1968 ولم يهتز المغرب. في فرنسا اختارت صناديق الاقتراع “الدولة” فاجتاح الديغوليون البرلمان، فيما أدار المغاربة الظهر لجلبة الشوارع واختاروا في الصناديق الدولة والاستقرار والنظام.
تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر (أيلول). حصل الحزب على 97 مقعدًا من أصل 395. جاء التجمع الوطني للأحرار ثانيًا بـ66 مقعدًا، تلاه حزب الاستقلال بـ65 مقعدًا، ثم حزب العدالة والتنمية بـ54 مقعدًا. بلغت نسبة المشاركة نحو 38 في المئة، مقابل 50.86 في المئة في انتخابات 2021، أي بتراجع يقارب 13 نقطة. هكذا يعيش المغرب تجربته الديموقراطية مُلتزمًا بالعودة إلى الصناديق وعدم الاستسلام لمواسم الفوضى والعبث.
حافظت أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمّع الوطني للأحرار، وهي الأحزاب الثلاثة التي شكلت الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته، على مواقع متقدّمة في المشهد البرلماني، مع تسجيل تداول في المراتب. فيما شهدت تيارات المعارضة تبدُّلًا أهمها عودة حزب العدالة والتنمية بحصة بلغت 54 مقعدا، بعدما كان قد حصل على 13 مقعدًا فقط في انتخابات 2021. ويأتي الاقتراع في سياق الإصلاح الدستوري الذي أطلقه الملك محمد السادس عام 2011 وأُقِرَّ عبر استفتاءٍ شعبي، والذي عزّز دور المؤسسات المنتخبة وحدد في الفصل 47 آلية تعيين رئيس الحكومة.
أجريتُ في عام 2015 لقاءً تلفزيونيًا مع السيدة زينب العدوي، التي كان ملك البلاد قد عيّنها ذلك العام في منصب والي جهة الغرب -شراردة -بني حسن، وعامل إقليم القنيطرة، مُسَجِّلًا بذلك سابقة في تاريخ المملكة لجهة أنها أول امرأة تتولّى منصب والي في المغرب. روت العدوي ماذا تعنيه هذه السابقة وما واجهته من نفور وتحفّظ حتى من داخل الإدارة نفسها. وفيما فرض الملك السابقة وجعلها من عاديات تطوُّر لا يتوقف في يوميات المملكة، فإنه من دون تردد “ارتكب” سابقة جديدة.
عين الملك، الثلاثاء، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة كأول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة. استقبلها العاهل المغربي في القصر الملكي بالرباط وكلّفها بتشكيل الحكومة الجديدة بمقتضى الفصل 47 من الدستور. اختار الملك مرشحة الحزب المتصدر، الأصالة والمعاصرة، كما ينص الدستور. يعني هذا القرار احتراما للآلية الدستورية مع رسالة سياسية واضحة. يمثل تعيين امرأة في أعلى منصب تنفيذي إشارة إلى انفتاحٍ وتحديث. تأتي المنصوري من خلفية قانونية وإدارية، فهي محامية، وشغلت منصب عمدة مراكش ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. يعكس الاختيار رغبة في تجديد الوجوه من دون القطع مع التوازنات القائمة.
تحتاج رئيسة الحكومة أولا إلى بناء ائتلاف يضمن أغلبية برلمانية، إذ لا يملك حزبها الأغلبية المطلقة. يفرض ملف التشغيل نفسه بقوة بعد احتجاجات الشباب وموجة سبتة. ويتطلّب قطاعا الصحة والتعليم إصلاحات عميقة ومستدامة لاستعادة الثقة. وتستعدُّ البلاد لاستضافة كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال، مما يستدعي توازُنًا دقيقًا بين الاستثمارات الكبرى والاحتياجات الاجتماعية اليومية. وتبقى قضايا الجفاف والماء والتضخم والهجرة غير النظامية والعدالة الاجتماعية حاضرة بقوة على طاولة الحكومة المقبلة.
سيحكم المغاربة على الحكومة الجديدة بقدرتها على مواجهة التحديات بسياسات ناجعة. اختاروا المؤسسات، واختار الملك أول امرأة لتقود الحكومة للاستجابة لتطلّعات البلد وشعبه.
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).



