150 سنة على تأْسيس “الأَهرام” (2 من 2)

داود بركات

هنري زغيب*

كان ذلك صباح السبت 5 آب/أغسطس سنة 1876 – الموافق 15 رجب الفرد سنة 1393 … وظهر في المكتبات ومع الباعة في شوارع الإِسكندرية العدد الأَول من جريدة جديدة: “الأَهرام”. على جبينه كلمة “الأَهرام” بين هرَميَن، وفي الزوية اليُسرى العليا أَن جميع المكاتبات يجب أَن تكون خالصة الأُجرة باسم سليم أَفندي تقلا محرر الأَهرام / ومحل إِدارتها على شارع البورس (المقصود: ابورصة) أَمام بنك الرهونات”.

في الحلقة الأُولى سردتُ كيف كانت بداية تلك المغامرة الصحافية الكبرى.

في هذه الحلقة  أُكمل كيف تطَوَّرت؟

نهضة الأَهرام

منذ انطلقت “الأَهرام” بدأَت مغايرة، وهكذا بقيَت مدى سنواتها المديدة، من كتابة الخبر إِلى التغطية المسؤُولة. ومنذ البدايات كانت حريصةً على كلّ جديد: سليم تقلا يحرِّر المقالات الناصعة، شقيقُه بشارة يتولَّى جمْعَ الأَخبار والنصوص من الوكالات وترجمَتَها عن الفرنسية. وتُـقِـرّ ربـيـبـتُـها “الهلال” (1892) بأَن الجـوّ الذي كان يـبسطه الخديوي إِسماعيل في مصر أَتاح تَفَتُّح تلك النهضة وازدهارَها.

صحيحٌ أَنّ معظم اللبنانيين غادروا أَرض الأَرز طمَعًا بالأَمان والحرية في أَرض الكنانة، لكنَّ للخديوي إِسماعيل إِسهامًا في ذاك التشجيع على ارتياد مصر، بما أَمَّنَـه من أَجواء مريحة لصحافيين وتجَّار ورجال أَعمال قصَدوا مصر وأَسهموا في نهضتها. وعن “الهلال” أَيضًا أَنّ ما ساعد على انتشار “الأَهرام” في مصر وسائر الأَقطار العربية حرصُ الشقيقَين المؤَسِسَين على الـمُسالَمَة والاعتدال، ما شجَّع الكثيرين من أَصحاب المناصب المصرية العليا على دَعمها وتوسيع دائرة الاشتراكات، حتى بلَغ مشتركوها آلافًا زيدوا على مشتركيها من القرّاء في ربوع مصر والعرب.

هكذا تَوَسَّع انتشار “الأَهرام” بفضل شبكةٍ عريضةٍ من العلاقات الداخلية والخارجية، رسميَّـتـها والخاصة. وبهذا الانتشار الواسع تهافَت على دعمها أَصحابُ المؤَسسات الخاصة والرساميل الأَجنبية. وكانت “الأَهرام” تحظى برضى القنصلية الفرنسية ودعْمها، وقطْف ولاء الجريدة في زمن الاحتلال البريطاني. فهي كانت تنقل البرقيات من وكالات الأَنباء العالمية، أَبرزُها وكالة “هاڤـاس” بالفرنسية و”رُوْيْترز” بالإِنكليزية، ما وسّع دائرة الأَخبار فيها إِلى أَخبار العالم.

أَنطون الجميِّل

اللغة الصحافية الرشيقة

لم تقتصر فرادةُ “الأَهرام” على التغطيات الواسعة، بل تنصَّعت لغتُها الصحافية في ذلك الزمان. ارتفعَت عن سجَعٍ بليدٍ كان رائجًا فترتئذٍ، واعتمدَت نشْر المسلسلات القصصية، فزاد إِقبالُ القرّاء على اقتنائها ومتابعة مسلسلاتها. وبين جزالة الأُسلوب بقلَم سليم تقلا، ونشاط شقيقه بشارة في إِجراء مقابلاتٍ صحافية مع رؤَساء الحكومات والوزراء وكبار المسؤُولين، كانت جديدةً عصرئذٍ على الصحافة، وباتت حاجةً يومية لقرائها، ما زاد في إِعلاناتها التجارية تملأُ صفحاتِـها وتغذّي إِنتاجَها. وزاد من توسُّعها في صفوف الشعب قيامُ پِــتْـسِي تقلا (تولَّت إِدارةَ الجريدة بعد وفاة زوجها بشارة) بالدعوة إِلى تحرير الفتاة العربية، وإِطلاق حرية المرأَة، وإِعلان حقِّها في العلْم والعمَل، والدعوة إِلى التآخي المذهبي بين الطوائِف والمذاهب والأَديان، ونَبْذِ المناكفات والصراعات الطائفية.

داود بركات

بعد زوجة المؤَسس الشقيق جاء عهد داود بركات (1868-1933). نَقَل “الأَهرام” من جريدة بأَربع صفحات إِلى ثمانٍ فاثنَتَي عشْرة، ما جعلها عهدئذٍ أَوسَع الصحُف انتشارًا في مصر وخارجها، بما كان بركات يمتلك من قُدرةٍ كتابية وثقافةٍ رحبة وخبرةٍ صحافية بناها منذ إِصداره سابقًا جريدةَ “الأَخبار” مع الشيخ يوسف الخازن. وكان ذا نزعة أَدبية، فأَنشأَ في “الأَهرام” أَبوابًا وزوايا جديدة لتشجيع التراث الأَدبي، منها “تقريظ التأْليف”، “المؤَلِّفون والانتقاد”، “ثمرات الأَقلام”،… وزوايا ثابتة أُخرى كانت جديدةً يومها على الصحافة. وزاد من المصداقية فـتْـحُ داود بركات صفحاتِ “الأَهرام” لدعوات الفضيلة يُطْلقها علماءُ الأَزهر لنشْر قِــيَـم الإِسلام الخلُقية، ولتبنّي الجريدة سائرَ القضايا الدينية السامية.

نسيب وهيبه الخازن

أَنطون الجميِّل

بعد داود بركات تولى المسؤُولية أَنطون الجميّل (1887-1948)، خطيبُ ذاك العصر والاسمُ الرائج في الصحافة. وكان قبلذاك اكتسبَ خبرةً من تحريره “البشير” في بيروت، ثم إِصداره “الزهور” (1910) في القاهرة مع أَمين تقي الدين. نقَل “الأَهرام” إِلى حقْبة زاهرة من مجدها الصحافي والأَدبي، وجعل مقرَّها ملتقى كبار المصريين السياسيين والمثقَّفين. نال الجنسية المصرية وانتُخب عضوَ مجلس الشيوخ المصري، وعضوَ المجمع اللغوي في مصر والمجمع العلْمي في دمشق، وكان وفيًّا لِـمصر فمنحَتْه لقب “باشا”.

العهد الثاني: لبنانيون آخرون

وغنِمت “الأَهرام” من أَبناء الأَرز خبرة جُلَّى، بين تحرير حبيب جاماتي وابن عبَيه نجيب كنعان وافتتاحيات نسيب وهيبة الخازن وآخرين، فبسطت جناحَيها على مدى وسيع من الزمن الصحافي المبارك، وواصلت تأَلُّقها الصحافي في سماء مصر وفضاء العالم العربي.

تلك حكاية النجاح اللبناني في مصر، نسج خيوطَها الأُولى شقيقان من كفرشيما: سليم وبشارة تقلا، فحقَّقا حُلمًا جميلًا بدأَ في الإِسكندرية سنة 1875، ولم يُدركا يومها أَنَّه سيمتدُّ بعدَهما قرنًا ونحو نصف القرن، فتعلو”أَهرامُهما” هرَمًا آخر تعتز به مصرُ خلودًا وثباتًا. حسبُهما أَنهما أَدَّيا الوفاءَ للبنان والولاءَ لمصر، فحفظ لبنانُهما وفاءَهما، وبسطَتْ مصرُ ولاءَهما على تاريخها الحديث مؤَسَّسَةً ناهضةً نبيلةَ السُطوع على إِرث مصر كما على تراث لبنان.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى