الإعلامُ السعودي… صناعةٌ جديدة تَبحَثُ عن مكانِها بين الاقتصادِ والقوّة الناعمة (3 من 3)

لم يَعُد الإعلام مجرّد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح صناعةً اقتصادية وركيزةً من ركائز القوّة الناعمة في العالم. وفي السعودية، يتجاوز التحوّل الجاري تحديث المؤسسات الإعلامية إلى محاولة بناءِ اقتصادٍ إبداعي جديد، يطرح أسئلة تتعلق بالمنافسة والاستدامة والتأثير. في هذه السلسلة، من 3 حلقات، تقرأ “أسواق العرب” هذا التحوُّل في سياقه العربي والدولي، بعيدًا من الانطباعات والأحكام المسبقة.

تنوّعٌ إعلامي يعكس حيوية المشهد السعودي.

الحلقة الثالثة والأخيرة

الاختبارُ الحقيقي… هل يستطيع الإعلام السعودي بناءَ صناعةٍ إعلامية عالمية؟

 

راغب الشيباني*

خلال الحلقتين السابقتين، حاولنا قراءة التحوُّل الذي يشهده الإعلام السعودي من زاويتين: الأولى تتعلق بانتقاله من قطاعٍ خدمي إلى أحد مكوّنات الاقتصاد الإبداعي، والثانية تضعه في سياق المنافسة الإقليمية مع المراكز الإعلامية العربية التقليدية.

لكن، إذا كان من السهل قياس حجم الاستثمارات، وعدد التراخيص، وحجم السوق، فإنَّ هناك أسئلة لا تجيب عنها الأرقام وحدها. فكلُّ تجربةٍ إعلامية كبرى في العالم مرّت بلحظة حاسمة انتقلت فيها من مرحلة البناء إلى مرحلة الاختبار. وفي هذه المرحلة لا يعود السؤال: كم أنفقت الدولة؟ بل: ماذا أنتجت؟ وما مقدار تأثيره؟ وهل يستطيع أن يعيشَ في سوقٍ مفتوحة لا تعترف إلّا بالجودة؟

وهذا هو الامتحان الذي يبدو أنَّ الإعلام السعودي يقترب منه اليوم.

هل يمكن شراء الإبداع؟

منذ بداية التحوُّل الذي تقوده رؤية السعودية 2030، ضخّت المملكة استثمارات كبيرة في قطاعات السينما، والإنتاج التلفزيوني، والمنصّات الرقمية، والألعاب الإلكترونية، والمهرجانات الثقافية، والبنية التحتية الإعلامية. وقد نجحت هذه الاستثمارات في خلق سوق أكثر حيوية، وفي جذب شركات عالمية، وفي تشجيع القطاع الخاص على الدخول إلى مجالاتٍ لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.

لكن التجربة العالمية تُعلّمنا درسًا بالغ الأهمية: المال يشتري الصناعة، لكنه لا يشتري الإبداع.

هوليوود لم تُصبح أكبر صناعة سينمائية في العالم بسبب حجم الإنفاق وحده، بل لأنها بنت منظومة متكاملة من الجامعات، والمعاهد، والاستوديوهات، والنقابات، وشركات التوزيع، ووكالات المواهب، ومؤسسات التمويل، قبل أن تنتج الأفلام التي يعرفها العالم اليوم.

والأمر نفسه ينطبق على كوريا الجنوبية، التي لم تتحوّل إلى قوة ثقافية عالمية لأنَّ حكومتها دعمت الدراما والموسيقى فقط، وإنما لأنها استثمرت لعقود في التعليم الفني، وتطوير المواهب، وفتح الأسواق الخارجية، وبناء صناعة قادرة على المنافسة.

ومن هنا، فإنَّ السؤال الذي سيواجه السعودية خلال السنوات المقبلة ليس: كم ستستثمر؟ بل: هل تستطيع تحويل هذا الاستثمار إلى ثقافة إنتاج مستدامة؟

صناعة المحتوى تبدأ من الإنسان

ربما يكون أكبر تحدٍ أمام أي صناعة إعلامية ناشئة هو بناء رأس المال البشري.

فالاستوديوهات يمكن بناؤها خلال أشهر، أما الكاتب الجيد، أو المخرج المبدع، أو الصحافي المحترف، أو مصمم الألعاب، أو مهندس المؤثرات البصرية، فيحتاج إلى سنوات طويلة من التدريب والخبرة والتجريب.

ولا يخفي تقرير “حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار 2025” هذه الحقيقة؛ إذ يشير إلى أنَّ نقص الكفاءات المتخصّصة، ومحدودية الطاقة الإنتاجية للمحتوى، والحاجة إلى تطوير مهارات العاملين، لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه القطاع. كما يلفت إلى أهمية الاستثمار في التدريب، وتطوير التعليم، وتعزيز حماية الملكية الفكرية إذا أريد للإعلام السعودي أن يُحقّقَ كامل إمكاناته.

وهذا الاعتراف مهم، لأنه يعكس إدراكًا بأنَّ الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية.

فالاقتصاد الإبداعي، بخلاف الصناعات التقليدية، لا يعتمد على الآلات بقدر ما يعتمد على الأفكار.

الصحافة… هل تستطيع أن تجد مكانها من جديد؟

إذا كانت السينما والألعاب الإلكترونية تمثلان وجهًا جديدًا للإعلام، فإنَّ الصحافة تبقى الاختبار الأكثر صعوبة.

فالصحافة في كل أنحاء العالم تواجه أزمة مزدوجة: تراجع الإيرادات من جهة، وتغيُّر عادات القراءة من جهة أخرى.

وقد فقدت المؤسسات الصحافية احتكارها للأخبار، بعدما أصبحت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومات بالنسبة إلى ملايين المستخدمين.

لكن هذا لا يعني أن الصحافة انتهت. بل يعني أنَّ دورها تغيّر.

فالخبر أصبح متاحًا للجميع، أما التحقق، والتحليل، والتحقيق الاستقصائي، وتفسير الأحداث، فهي وظائف تزداد أهميتها في عصر التضليل والمعلومات المضللة.

وبالنسبة إلى السعودية، فإنَّ نجاح الصحافة لن يقاس بعدد المواقع الإلكترونية أو الصحف المطبوعة، بل بقدرتها على إنتاج صحافة اقتصادية، وعلمية، وتحليلية، واستقصائية، تضيف قيمة حقيقية إلى النقاش العام.

إنَّ صناعة إعلام قوية تحتاج إلى صحافة قوية، لأنَّ الصحافة ليست مجرّد وسيلة لنقل الأخبار، بل هي المدرسة التي تُخرِّجُ الكفاءات التي تنتقل لاحقًا إلى التلفزيون، والمنصات الرقمية، والإنتاج الوثائقي، وحتى الاتصال المؤسسي.

الابتكار يحتاج إلى بيئة

وإذا كانت الصحافة تمثّل المدرسة الأولى التي تتكوّن فيها الكفاءات الإعلامية، فإنَّ السؤال التالي يتعلق بالبيئة التي تعمل فيها هذه الكفاءات. فالإبداع لا ينمو في الفراغ، ولا يُفرَضُ بقرار إداري، بل يحتاج إلى حرية ومناخ مهني يشجع على التجريب، ويكافئ الأفكار الجديدة، ويمنح المبدعين فرصة تطوير أدواتهم باستمرار.

وتكشف التجارب العالمية أنَّ الصناعات الإبداعية لا تنمو بالاستثمار وحده، بل تحتاج أيضًا إلى بيئةٍ تحتضن المواهب وتحوّل الأفكار إلى منتجات قادرة على المنافسة. فالأعمال التي غيّرت وجه السينما، أو الصحافة، أو الإنتاج التلفزيوني، لم تكن في الغالب ثمرة تخطيط إداري، بل نتيجة مناخ سمح للمبدعين بأن يختبروا أفكارًا جديدة ويطوّروا أساليب مختلفة في السرد والإنتاج.

وبالنسبة إلى السعودية، فإنَّ بناء صناعة إعلامية عالمية لن يتوقف على حجم الاستثمارات أو عدد المؤسسات الجديدة فحسب، بل أيضًا على قدرتها على توفير بيئةٍ تحتضن المواهب، وتُشجّع الابتكار، وتُحوّل الأفكار المُمَيَّزة إلى منتجات ثقافية قادرة على المنافسة داخل المملكة وخارجها.

الذكاء الاصطناعي… الفرصة والمخاطرة

لا توجد صناعة إعلامية اليوم تستطيع تجاهل الذكاء الاصطناعي.

فالخوارزميات أصبحت تكتب الأخبار المالية، وتنتج الترجمات، وتلخص التقارير، وتقترح العناوين، وتحلل سلوك الجمهور، بل وتنتج الصور والفيديوهات.

وهذا التحوُّل يمنح المؤسسات الإعلامية فرصًا هائلة لخفض التكاليف، وتسريع الإنتاج، وتحسين استهداف الجمهور.

لكن في المقابل، يفتح الباب أمام تحديات غير مسبوقة. ولذلك، فإنَّ المؤسسات الإعلامية التي ستنجح في العقد المقبل لن تكون تلك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر من غيرها، بل تلك التي تعرف أين تتوقف الآلة، وأين يبدأ دور الإنسان.

كيف يمكن التحقّق من صحة المحتوى الذي تنتجه الآلة؟

ومَن يتحمّل المسؤولية إذا نشر الذكاء الاصطناعي معلومات خاطئة؟

وكيف يمكن حماية حقوق المؤلف في زمنٍ أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على إنتاج نصوص وصور وأعمال فنية خلال ثوانٍ؟

هذه الأسئلة لا تخص السعودية وحدها، لكنها ستكون جُزءًا من مستقبل إعلامها، خصوصًا في ظلِّ الرهان الكبير على التحوُّل الرقمي.

ولهذا فإنَّ التحدّي الحقيقي لن يكون في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في استخدامه بصورة مسؤولة، بحيث يبقى أداةً تُعزّز العمل الصحافي والإبداعي، لا بديلًا منه.

المُلكية الفكرية… الاقتصاد الذي لا يُرى

من القضايا التي كثيرًا ما تُهمل في النقاش العربي حول الإعلام قضية الملكية الفكرية.

والحقيقة أنَّ قيمة معظم الشركات الإعلامية الكبرى لا تكمن في المباني أو المعدات، بل في ما تملكه من حقوق. ففيلمٌ ناجح، أو مسلسل ناجح، أو لعبة إلكترونية ناجحة، قد يدرُّ عائدات لعقود، إذا كانت حقوقه محفوظة وقابلة للتوزيع والتطوير.

ولهذا، فإنَّ تعزيز حماية الملكية الفكرية لا يمثل مسألة قانونية فحسب، بل ضرورة اقتصادية.

وقد أولى تقرير “حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار 2025” هذا الجانب اهتمامًا واضحًا، باعتباره أحد الشروط الأساسية لجذب المستثمرين وتشجيع الإنتاج المحلي.

ومن دون هذه الحماية، يصعب بناء صناعة إعلامية مستدامة.

من السوق المحلية إلى العالمية

من أهم مزايا السوق السعودية أنها كبيرة بما يكفي لدعم الإنتاج المحل. لكن الأسواق المحلية، مهما بلغ حجمها، تبقى محدودة إذا كان الهدف هو بناء قوة ناعمة ذات تأثير دولي.

فالمحتوى الذي لا يغادر حدوده الجغرافية يظل منتجاً محليًا، حتى لو حقق نجاحًا تجاريًا.

أما الصناعة الإعلامية العالمية، فهي تلك التي تستطيع أن تصدر قصصها، وشخصياتها، وأفكارها، إلى جمهور لا يعرف بالضرورة ثقافة البلد الذي أنتجها.

ولذلك فإنَّ نجاح الإعلام السعودي لن يُقاس فقط بعدد المشاهدين داخل المملكة، بل بعدد الأعمال التي تستطيع أن تجد مكانها على المنصات العالمية، أو في دور العرض الدولية، أو في قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، أو في بطولات الألعاب الإلكترونية.

وهذا يتطلّب شيئًا لا يمكن فرضه بقرار إداري: قصة جيدة تُروى بطريقة جيدة.

بين الاقتصاد والثقافة

ربما تكون الميزة الأهم في التجربة السعودية أنها لا تفصل بين الاقتصاد والثقافة.

فالإعلام لم يعد مجرّد أداةٍ للتواصل، ولا مجرّد قطاع اقتصادي، بل أصبح مساحة يلتقي فيها الاستثمار بالهوية، والتقنية بالإبداع، والسوق بالقيم الثقافية.

غير أنَّ الحفاظ على هذا التوازن ليس مهمة سهلة.

فكلما اتسعت الصناعة، زادت الضغوط التجارية، وكلما ارتفعت التوقعات الاقتصادية، أصبح الحفاظ على الجودة أكثر صعوبة.

ومن هنا، فإنَّ نجاح الإعلام السعودي لن يقاس فقط بحجم مساهمته في الناتج المحلي، وإنما أيضًا بقدرته على إنتاج أعمال تضيف إلى الثقافة العربية، وتوسع مساحة الحوار، وتقدم صورة أكثر ثراءً عن المجتمع السعودي وتحولاته.

ما بعد 2030… البداية لا النهاية

قد يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية على تجربة لم يمض على انطلاقها سوى سنوات قليلة.

لكن من الواضح أنَّ السعودية نجحت في إنجاز مرحلة التأسيس بوتيرة سريعة، وأنها نقلت الإعلام من هامش السياسات الاقتصادية إلى قلبها، وربطته بمشروع أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

غير أنَّ التجارب الكبرى لا تُقاس بسرعة الانطلاق، بل بقدرتها على الاستمرار. والسنوات التي تلي عام 2030 قد تكون أكثر أهمية من السنوات التي سبقته.

ففي تلك المرحلة، سيتراجع دور التمويل التأسيسي تدريجيًا، وتصبح السوق هي الحكم الأول، والجمهور هو المقياس الحقيقي، والمنافسة العالمية هي الاختبار النهائي.

وعندها سيظهر ما إذا كانت المملكة قد بنت قطاعًا إعلاميًا كبيرًا، أم أنها نجحت في بناء صناعة إعلامية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

خاتمة

على امتداد عقود، كان النفط هو المورد الذي عرّف المملكة العربية السعودية في الاقتصاد العالمي. أما اليوم، فإنها تحاول أن تضيف إلى مواردها موردًا مختلفًا، لا يُستخرَج من باطن الأرض، بل من الأفكار والصور والقصص والإبداع.

إنَّ الاستثمار قادرٌ على بناء المدن الإعلامية، والاستوديوهات، والمنصّات، لكنه لا يستطيع أن يختصر الزمن اللازم لتكوين كتّاب كبار، أو مخرجين مؤثّرين، أو صحافة راسخة، أو أعمال فنية تعيش في الذاكرة. فالصناعات الإبداعية، بخلاف معظم الصناعات الأخرى، لا تُقاس بما يُنفَق عليها، بل بما تتركه من أثر.

ولهذا، فإنَّ السؤال الذي سيبقى مطروحًا بعد انتهاء خطط التحوُّل ليس ما إذا كانت السعودية نجحت في تطوير قطاعها الإعلامي، بل ما إذا كانت استطاعت أن تبني نموذجًا عربيًا جديدًا، يجعل من الإعلام صناعة اقتصادية مستدامة، ومن الثقافة قوة ناعمة، ومن الإبداع أحد أهم موارد المستقبل.

وإذا نجحت في ذلك، فلن تكون قد أضافت قطاعًا جديدًا إلى اقتصادها فحسب، بل ستكون قد أسهمت في إعادة رسم خريطة الإعلام العربي لعقود مقبلة.

  • راغب الشيباني هو مراسل “أسواق العرب” في المملكة العربية السعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى