البلدية حبَّة القمح

هنري زغيب*

أَسعدَني أَنَّ صداقتي مع المحامي نهاد نوفل امتدَّت سحابةَ نصف قرن، تابعتُهُ خلالها رئيسَ بلدية زوق مكايل ورئيسَ اتحاد بلديات كسروان/الفتوح، وعاينتُ نَقْلَه “الزوق” من ضيعةٍ هادئة على شطِّ كسروان، إِلى مدينةٍ شَكَّها على خارطةِ كبرى المدُن العالَمية إِنماءً وحضارةً وعمرانًا، وواحةً ثقافيةً توَّجَتْها قبل ربع قرن جائزة الأُونسكو:”زوق مكايل مدينة للسلام في العالم العربي لسنة 2001″.

سمَّيتُ زوق مكايل لأَنني عاينتُ تباعًا مع نهاد نوفل تحوُّلَها الثقافي والعمراني. لكنني أَعرف أَنَّ بلدياتٍ كثيرةً أُخرى في لبنان شهدَت أَيضًا هذا التحوُّل نحو نهضة مُشَرِّفة. وانطلاقًا من روح الدستور اللبناني، أَنَّ رئيسَ البلدية هو رئيسُ جمهورية بلديتِه، وأَنَّ المجلس البلدي معه هو حكومة هذه الجمهورية الصغرى، تصبح المسؤُوليةُ تحريكَ المبادرة. أَقولُها مع إِدراكي ما تمرُّ به بلدياتٌ كثيرةٌ من صعوبات مالية وعينية، معظمُها تقصيرُ الدولة في تغذية الصندوق البلدي المستقل من موارده المتعدِّدة المصادر.

على أَنَّ المبادرة يجب أَلَّا تصطدم بانتظار الموارد. ففي البلدة مشاريعُ عدةٌ يمكن أَن تنفِّذَها البلدية بما يتوفر من تغطية المصاريف، أَو مشاريعُ لا تحتاج ميزانية ضخمة، منها أَنشطة ثقافية أَو سياحية أَو اجتماعية أَو رياضية، إِنما تضع البلديةَ على خارطة الأَنشطة التي يدعمُها رعاة ومتبرِّعون وناشطون، من أَهل البلدة في لبنان والعالَم، أَو من مؤَسسات وجمعيات ومنظَّمات دولية تُسهم في الدعم شرط أَن تلمِس في البلدية ديناميةً في النشاط والتطوُّر.

البلديةُ في الدولة هي أَصغر الحلقات. يعني أَنها حبَّةُ القمح التي، إِن رُوِّيَتْ بالنشاط والعمل والتطوير وإِرادة المثابرة وتجاوُز الصعوبات، تُطْلِعُ الحبَّةُ سنبلةً، ثم سنابلَ، فتُصبح البلديةُ جمهوريةً مثاليةً صُغرى في الجمهورية اللبنانية الكبرى. هذا ما فعلَه نهاد نوفل في زوق مكايل بالممْكن لديه، فاستقطبَ إِليها انتباهَ لبنان والخارج، حتى قال عنه سعيد عقل: “لو نستطيع أَن نستنسخَ نهاد نوفل في سرايانا، لَـجعَلْنا لبنان جنة على الأَرض”.

وهذا ليس مستحيلًا، بل ممكنٌ بإِرادةِ رئيس بلديةٍ رؤْيويٍّ ومجلسٍ بلديٍّ متعاونٍ، لتصبح مثاليةً جمهوريةٌ صُغرى في النطاق البلدي، تُستنسخ إِلى جمهورياتٍ صُغرى شبيهةٍ، حتى يُصبحَ لبنان مجموعَ بلدياتٍ مثاليةٍ صُغرى تُشّكِّلُ جمهوريةً مثاليةً كبرى.

لهذا شبَّهْتُ البلديةَ بـحبَّة القمح، عسى يُرَوِّيها أَولياؤُها، فَتَتَسنْبَلُ مذَهَّبةً في الشمس، حاملةً إِلى بلدتِها نهضةً عمرانيةً ثقافيةً حضاريةً تُعيد لبنان، كما كان، لؤْلؤَةً فريدةً على شاطئ المتوسط.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى