خوفي أَن أَجيْءَ إِلى النوم ولم…
هنري زغيب*
في عاداتي اليومية أَن يكونَ طويلًا نهاريَ بين الكتابة والتأْليف، إِلى نشاط ثقافي متواصل بين محاضراتٍ ولقاءَاتٍ إِعلاميةٍ، وإِدارةِ “أَكاديمْيا فيليب سالم للتراث اللبناني” في الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU.. لذا لا يجيْءُ زمنُ النوم إِلَّا والليلُ ساحبٌ ساعاتِهِ حتى منتصفه.. مع ذلك، لا أَخلُدُ إِلى السرير قبل أَن أُطفئَ هاتفي الخَلَوي، وأُتمِّمَ نظامًا يوميًّا ليليًّا لا يؤَخِّرَني عنه عائقٌ أَيًّا يَكُن..
من هذا النظام، أَن يكون حدِّي على منضدَة السرير كتابٌ أَو أَكثر، أَبدأُ بقراءَته، أَو أُكْملُ ما أَكونُ بدَأْتُ بقراءته في الليلة السابقة أَو الليالي قبلها.. لِماذا أَكثرُ من كتابٍ حدِّي؟ كي تظلَّ عندي رغبةُ التنقُّل بين أَثرٍ أَدبي وآخَر، فلا يأْسرني الكتاب ذاتُهُ كلَّ ليلة، ليظلَّ بي شوقُ العودة إِلى كتابٍ بدأْتُ بقراءَته في ليلةٍ أَو ليالٍ سابقة..
ومن هذا النظام أَن يكون حدِّي دفترٌ صغيرٌ أَكونُ دوَّنتُ فيه صباحًا برنامجي اليومي، فأُتابعُ ما أَنجزْتُ منه وما لَم، وأُدوِّنُ فيه ما عليَّ إِنجازُه وما هو برنامجي (مواعيد، كتابات، تحضير، …) في اليوم التالي..
ومن هذا النظام أَن يكون حدِّي أَيضًا دفترٌ كبيرٌ أَكونُ دوَّنتُ فيه أَبياتًا من قصيدةٍ لإِكمالها، أَو أَفكارًا لقصيدةٍ جديدة، أَو نقاطًا رئيسَةً (وربما مَطْلعًا نثريًّا) لِمقالٍ أَكتُبُه في اليوم التالي.. أُحبُّهُ هذا الدفتر.. إِنه رفيقي الدائم حين أَستيقظُ ليلًا لتدوينِ أَبياتٍ من قصيدة، أَو فكرةٍ مداهمة، فلا أُضطر للنهوض إِلى مكتبي في الغرفة المجاورة كي أَأْتَمِنَ على تدويني مكابسَ الكومپيوتر..
لذا أُرَدِّد دائمًا، في ذاتي أَو علَنًا للآخرين في جلسة أَو مقابلة إِعلامية: يا خوفي إِذا جئْتُ إِلى النوم ولم أَكُن هيَّأْتُ منضدتي الليلية وما عليها..
ولأَنني بهذا الانتظام الدقيق الصارم ذاتيًّا، أَستطيعُ أَن أُنجزَ كلَّ ما أَنا إِليه، كتابةً متواصلة، أَو تأْليفًا متتابعًا، أَو مواعيدَ متلاحقةً لعملٍ أَو لقاءَاتٍ مختلفة.. فمن نِعَم الحياة عليَّ: معرفتي ترتيب وقتي في دقَّة مدروسة تُناقض كلِّيًّا ذاك القول المغلوط الشائع بأَنَّ “الشاعر هائمٌ يعيش في الغيوم” وأَنه “بوهيميٌّ في وقته وحديثه وملْبَسه ومنْظره وتعامُلِه مع الناس”.. مش صحيح أَبدًا.. الشاعر يكون مغايرًا بنتاجه لا بسلوكه.. فالذي يهندس شعره ونثره تنصيعًا جماليًّا، ونحتًا ساطعًا كلمةً كلمة، ليس بوهيميًّا ولا فاشلًا في تنظيم وقته.. معرفةُ استخدام الوقت تُوَسِّعُ الوقت.. وأَنا لا وقتَ عندي لإِضاعة الوقت، ولا لِمن عندهم وقتٌ يضيِّعونه هَدرًا بلا نتاج.. والإِنتاج الأَدبي (شعرًا ونثرًا) يفترض توسيعَ وقتٍ له ضمن الوقت.. الكتابةُ ليست إِلهامًا (كما يدَّعي البعض)، ولا استيحاءً (كما يتوهَّم كثيرون)، بل هي صناعةٌ جمالية، وعملٌ متواصل، ودأْبٌ مستمرٌّ على التفاعل مع الذات ومع الآخرين (مع المرأَة لشعر الغزَل، ومع السوى والأَحداث لاكتناز المواضيع،…)..
هكذا أَفهم الوقت، وهكذا أَتفاعل معه وأَنفعل به.. ومَن لا ينفعِل، لا يفعَل ولا يتفاعَل.. وأُفيدُ من دلالة أَنَّ الوقت في الأَلمانية حالةٌ مؤَنَّثة، لأُخصِبَ أُنوثَتها فأَستولدَها نتاجًا، كما الرجلُ يُخصب أُنثاه ليستولَدها أَطفالًا..
الوقت… الوقت… الوقت… هذا الظالمُ الذي يَقْضِم العمر: لا يتوقَّف، ولا ينتظر أَحدًا، وليس يرجع ولا خطوة واحدة إِلى الوراء، وهذا الرحُوم الرائع الذي يُتيح لنا صدرَه كي نَتَنَفَّسَ منه فنُنْتجَ، شرطَ أَن لا نخونَهُ بـهَدْر العمر على تُرَّهاتٍ عقيمة لا نفع منها ولا نتاج.. بهذه الهندسة أَحرص على استعمال وقتي نبْضةً نبْضة، فأَفرح بثمار استعماله، وأَصرف العمر بالإِنتاج عوضَ أَن يصرفني هو بقسْوته فيغْدرني قبل أَن أَكونَ استكملتُ ما أَنا إِليه (هل فعلًا سَـــ”أَستكمل” فأَكون جاهزًا للرحيل؟)..
وهكذا، في انتظار ما سيأْتي غدًا، أَتأَنَّى في صرف وقتي يوميًّا، بكل استعداد، بَادئًا بـخَوفي أَن أَجيْء إِلى النوم ولم أَكُن هيَّأْتُ مُفَصَّلًا دفترَ غَدي حدِّي على منضدة السرير…
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).



