بيروت ودمشق تُفاوضان إسرائيل: تَخادُم من دون تنسيق

محمّد قوّاص*

من حقّ سوريا الكامل أن تقارب العلاقة مع إسرائيل بالسُبُل التي تحقّق مصالح البلد. من حقّ لبنان أيضًا أن يذهب المذاهب التي يراها مواتية لوقف الحرب وكبح الكارثة. ووفق قوانين المصلحة التي تفرضها سيادة البلدين، وجب على دمشق وبيروت إدارة ملف التفاوض.

ولئن تجري دمشق مفاوضات، كانت سبّاقة على بيروت، مع إسرائيل، فليس خطأً أن تذهب العاصمتان إلى مفاوضاتهما بالشروط السورية وتلك اللبنانية بما لا يتطلّب تنسيقًا مسبقًا وارتهانًا متبادلًا للمواقف والمقاربات. يكفي ما يصدر عن دمشق من عزم على احترام سيادة لبنان واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه لينسحب ذلك على ملف التفاوض مع إسرائيل.

وإذا ما ذهبت سوريا بعد أيام من هجمات إسرائيل على مطار أبو الظهور إلى إرسال وزير الخارجية للقاء رئيس الموساد بدفع أميركي، فإنَّ في ذلك ما يدفع بيروت إلى الاستفادة من هذا التطوّر لاستدراج واشنطن إلى تدخُّل يرقى إلى مستوى ذلك الذي عبّر عنه المبعوث الرئاسي الأميركي توم برّاك، سواء في عدم الاعتراف باحتلال الجولان المثير للجدل في واشنطن أو بإدانة قصف “أبو الظهور” ورسائله.

لا يحتاج التفاوض اللبناني مع إسرائيل إلى تنسيق مسبق مع سوريا. فلا نوايا في بيروت للقفز إلى تفاهمات تنال من أمن سوريا ومنعتها. ولئن تبقى مزارع شبعا ملفًا متداخلًا بين لبنان وسوريا وإسرائيل، غير أنَّ الأمر ليس أولوية داهمة لكافة الأطراف تحتاج حسمًا فوريًا.

وإذا ما تقارب دمشق صراعها مع إسرائيل وفق منطق ثوابتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية ومتطلّبات البراغماتية التي نعتمدها عقيدة ونهجًا، فإنَّ سرعة استجابتها للتطوّرات الميدانية الأخيرة تقوم على سيطرة على الداخل واحتضان لديناميات سياساتها من قبل الخارج.

قد تكون إسرائيل مستفيدة من واقع تعاملها مع “الساحات” بشكل منفصل لا مشتركات بينها. وعلى هذا تتعامل حكومة بنيامين نتنياهو مع ملفات غزّة وسوريا ولبنان وإيران وفق قواعد مختلفة، تحكمها قواعد عمل متعددة، وضعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كثيرًا من أمرها الواقع.

فلا علاقة لخطة ترامب في القطاع بمذكرة التفاهم المبرمة بين واشنطن وطهران. ولا علاقة لاتفاق الإطار مع لبنان بالتفاهمات بين إسرائيل وسوريا التي يجري اختراقها.

ناهيك من أنَّ العالم العربي قد تغيّر وتخلّى عن لغة وحدوية حيال الصراع ثبت أنها متقادمة خشبية اللغة، تغذي البيانات الرسمية، من دون أن يكون لها وقع ناجع على موازين القوى.

يدعم النظام الإقليمي والدولي مسعى بيروت كما دمشق لاستعادة قوة الدولة وحلّ ملفات النزاع والوصل السليم مع النظام الدولي العام. غابت تمامًا ضغوط رافضة أو متحفّظة، إلّا من تلك التي تنطلق من طهران بارتباك يقود هذه الأيام إلى توسّل وقف الصراع في إيران، واستحسان المفاوضات والوصل مع واشنطن من قبل ذراعها في لبنان.

ووفق هذا الواقع يعمل لبنان وسوريا، بناءً على ظروفهما الخاصة، على الاستفادة من مناخات دولية مشجعة لتفكيك الألغام والألغاز، وجعل الظاهرة الإسرائيلية داخل منظومة ضغوط واشنطن. تتنبّه العواصم لعدّة الشغل التي تحتاجها انتخابات الكنيست، لعلَّ في مآلاتها ما يمكن أن يغيّر شيئًا من قواعد لعبة باتت لعنة على المنطقة منذ “طوفان” غزّة قبل ثلاث سنوات.

اضطرت إسرائيل، على وقع الضغوط، أن تغيّر من لهجتها حيال سوريا وأن تعوّم الآراء المنتقدة للتصعيد مع تركيا. عرضت في اجتماع رئيس الموساد ووزير الخارجية السوري لائحة من الشروط تنحصر داخل أبجديات الأمن والدفاع والتخوّف والتوجس.

وهي في ما تدفعه من سياسات تجاه لبنان لا تخرج عن هذه الأبجديات التي ما زالت منذ “الطوفان” تجدها قابلة للتسويق لدى واشنطن والعالم.

وإذا ما استنتجنا تنسيقًا غائبًا بين بيروت ودمشق، فإنَّ تخادمًا يدور حول هدف الاهتداء إلى تفاهمات أمنية الطابع تسهّل إدارتها، من دون أي مخاطرة في القفز إلى اتفاق سياسي ما زال دونه استعصاء تتفهّمه كافة المناخات.

  • الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى