لغز النفط: لماذا لم يَنفَجِر السعر رُغمَ اختناق الخليج؟

على الرغم من اضطراب إمدادات الخليج وإغلاق الممرات البحرية، بقي النفط بعيدًا من سيناريو الـ200 دولار. لكن خلف هذا الهدوء النسبي رهانٌ هش: أن تنتهي الحرب وتُفتَح المضائق قبل أن تفقد الأسواق صبرها.

البحرية الأميركية تفرض حصارًا على إيران ومضيق هرمز.

فريدريك شنايدر*

في 31 آذار (مارس)، سجّل خام “برنت”، المعيار العالمي لأسعار النفط، مستوى مرتفعًا بلغ 126.69 دولارًا للبرميل، وسط توقعات بأن يؤدي استمرار الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز إلى دفع الأسعار نحو مستويات أعلى بكثير. فقد قال فريدون فشاركي، الرئيس الفخري لإحدى شركات استشارات الطاقة العالمية، لوكالة “بلومبيرغ” إنَّ إغلاقًا مطوَّلًا وشبه كامل للمضيق قد يرفع سعر البرميل إلى ما بين 150 و200 دولار في غضون أسابيع. وفي الاتجاه نفسه، توقّع “جي بي مورغان” (JPMorgan)  وصول السعر إلى 150 دولارًا خلال شهرٍ من الإغلاق الكامل، فيما وضعت المؤسسة المالية “آي أن جي” (ING)  مستوى 140 دولارًا للبرميل ضمن أسوَإِ السيناريوهات.

لكن مسار السوق جاء أقل حدّة من تلك التوقعات. فبعد سبعة أيام، بلغ “برنت” ذروته عند 138.21 دولارًا للبرميل، قبل أن يتراجع. وخلال أكثر من أربعة أشهر تلت ذلك، شهدت الأسعار تقلبات متكررة، من دون أن تلامس مستوى 150 دولارًا في أيِّ يوم تداول. بل بقي “برنت” دون 100 دولار في 64% من تلك الأيام، مسجّلًا متوسّطًا بلغ 94.10 دولارًا. وحتى تجدّد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران في تموز (يوليو) لم يكن كافيًا لدفع الأسعار بصورة ملموسة فوق عتبة 100 دولار.

صحيح أنَّ الأسعار لا تزال أعلى بكثير من مستوياتها قبل اندلاع الحرب في أواخر شباط (فبراير)، لكن الفجوة بين ما توقعته الأسواق في البداية وما حدث فعليًا تطرح أسئلة تتجاوز حركة الأسعار اليومية. فما الذي كشفته الأزمة عن هشاشة سوق النفط وقدرتها على امتصاص الصدمات؟ وما الذي يقف وراء التقلبات الحادة منذ بداية الحرب؟ والأهم، ماذا يمكن أن يحدث إذا استمرت الضغوط على إمدادات الطاقة العالمية لفترة أطول؟

يبدو أنَّ جُزءًا أساسيًا من الإجابة يكمن في الرهان الذي لم تتخلَّ عنه السوق حتى الآن: أنَّ مضيق هرمز، الذي أُعلن إغلاقه ست مرات خلال خمسة أشهر، سيُعاد فتحه قريبًا وبصورة دائمة. وهذا الرهان هو ما أبقى الأسعار أدنى بكثير مما قد يوحي به حجم الإمدادات المفقودة، لكنه في الوقت نفسه جعل السوق شديدة الحساسية لأيِّ تطوّر يثير الشك في إمكان إعادة فتح المضيق. ولذلك، لا تعكس القفزات السعرية المتلاحقة نقص الإمدادات وحده، بل تعكس أيضًا اهتزاز الثقة بهذا الافتراض.

وهنا تكمن المخاطرة الأكبر: إذا اقتنعت الأسواق بأنَّ إغلاق هرمز لم يعد اضطرابًا موقتًا، وأنَّ عودة الملاحة الطبيعية ليست قريبة كما كانت تتوقع، فقد تتغير آلية التسعير نفسها. وعندها قد لا يكون السؤال مقدار النفط المفقود فحسب، بل مقدار “علاوة المخاطر” التي ستضيفها السوق إلى كلٍّ برميل، وهو ما قد يفتح الباب أمام قفزة سعرية أكثر حدّة من تلك التي شهدناها حتى الآن.

لغز الأسعار

على مدى ما يقرب من ستة أشهر، بقي إنتاج الهيدروكربونات وصادراتها في منطقة الخليج تحت ضغط الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران. وتكشف الأرقام حجم الصدمة التي أصابت الإمدادات: فقد صدّرت السعودية نحو 7.28 ملايين برميل من النفط الخام يوميًا في شباط (فبراير)، قبل أن تتراجع صادراتها إلى 3.99 ملايين برميل يوميًا في نيسان (أبريل)، بانخفاض بلغ نحو 45 في المئة.

وكانت الصدمة أشد وطأة على دول الخليج التي لا تملك مسارات تصدير بديلة تتجاوز مضيق هرمز. ففي الكويت، على سبيل المثال، هبطت صادرات النفط الخام من 1.21 مليون برميل يوميًا في شباط (فبراير) إلى نحو 41 ألف برميل يوميًا فقط في نيسان (أبريل).

ومع ذلك، لم تتحرك الأسعار بالصورة التي كان يمكن توقُّعها أمام صدمةٍ بهذا الحجم. فقد اختفى فعليًا ما يقرب من 15 في المئة من إمدادات النفط العالمية بين عشية وضحاها، بالتزامن مع أضرار مادية أصابت البنية التحتية للإنتاج والخدمات اللوجستية، ووسط غموض جيوسياسي كبير بشأن مدة الحرب ومآلاتها. ورغم ذلك، بقيت أسعار النفط أدنى بكثير من التقديرات التي سادت مع بداية الأزمة.

يمكن تفسير جُزء من هذه المفارقة بعوامل العرض والطلب. فقد رفع المنتجون من خارج الخليج إنتاجهم، وعلّقت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على روسيا، وعلى إيران في المرحلة الأولى، فيما تبنّت وكالة الطاقة الدولية نهج “بذل كل ما يلزم” في السحب من الاحتياطيات. وفي الوقت نفسه، خفّضت الصين وارداتها بعد سنوات من بناء المخزونات وتقليص اعتمادها على الخام الخليجي، بينما عمد مستهلكون صناعيون إلى خفض استهلاكهم.

لكن هذه العوامل، على أهميتها، لا تبدو كافية لتفسير الفجوة الكبيرة بين الأسعار الفعلية والمستويات التي توقعتها المؤسسات والأسواق في بداية الحرب، والتي تراوحت تقديراتها بين 50 و110 دولارات إضافية للبرميل. كما إنها لا تفسّر وحدها حدة التقلبات التي شهدتها السوق.

بل إنَّ الضغوط على الإمدادات ازدادت مع استمرار الحرب. ففي 13 نيسان (أبريل)، فرضت واشنطن حصارًا بحريًا على إيران، ما حال دون وصول ما يُقدَّر بنحو 1.7 مليون برميل يوميًا إلى الأسواق، كان معظمها متَّجهًا إلى الصين. ثم جاءت صدمة أخرى في 20 تموز (يوليو)، عندما أعلنت جماعة “أنصار الله” اليمنية (الحوثيون) حصار حركة الشحن السعودية عبر مضيق باب المندب، وأُضرمت النيران في ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر.

ومع إغلاق مضيق هرمز أصلًا، أدى تعطل الممر البحري الحيوي عند الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية إلى تهديد وصول نحو خُمس صادرات النفط العالمية إلى الأسواق. وهنا يصبح “لغز الأسعار” أكثر وضوحًا: كميات ضخمة من الإمدادات خرجت من السوق أو أصبحت مهددة بالخروج منها، ومع ذلك بقيت الأسعار بعيدة من المستويات التي توقعتها السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا.

لكن جُزءًا من تفسير هذا اللغز يكمن أيضًا في السعر الذي ننظر إليه أصلًا عندما نتحدث عن النفط.

فالسعر الذي تتناقله وسائل الإعلام عادة هو سعر العقود الآجلة، أي السعر المتفق عليه اليوم لتسليم النفط في موعد لاحق. أما سعر خام برنت الفعلي، أي السعر المدفوع مقابل شحنة يتم تسليمها بالفعل، فقد بقي أعلى بصورة مستمرة خلال ذروة الأزمة.

وفي الظروف الطبيعية، يكون الفارق بين السعرين محدودًا؛ إذ بلغ متوسطه نحو 0.88 دولار للبرميل في عام 2025. لكن الصورة تغيرت بصورة حادة في نيسان (أبريل) 2026، عندما قفز متوسط الفارق إلى 15.19 دولارًا، ووصل في 7 نيسان إلى 28.94 دولارًا للبرميل.

بمعنى آخر، كان السعر الذي يظهر في العناوين أقل بكثير، في معظم أيام ذلك الشهر، من السعر الذي يدفعه مَن يريد الحصول على برميل فعلي من النفط.

ثم بدأت هذه الفجوة تضيق إلى أن اختفت تقريبًا علاوة الخام الفعلي، في إشارةٍ بدت وكأنَّ السوق بدأت تراهن على اقتراب نهاية الأزمة وعودة الإمدادات إلى طبيعتها. لكن هذا الاطمئنان لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما عادت العلاوة إلى الظهور، فيما واصل سعر العقود الآجلة نفسه تحركاته الحادة صعودًا وهبوطًا مع تغير توقعات المتعاملين بشأن موعد انتهاء الحرب.

وهذا يعيدنا إلى جوهر المسألة: السوق لا تسعّر فقط كمية النفط المتاحة اليوم، بل تسعّر أيضًا ما تعتقد أنه سيحدث غدًا. ولذلك، فإن جزءًا كبيرًا من تقلب الأسعار منذ اندلاع الحرب لا يعكس فقط حجم الإمدادات المفقودة، وإنما الصراع المستمر بين واقع مادي شديد الاضطراب ورهان مالي على أنَّ هذا الواقع لن يستمرَّ طويلًا.

أسواق متقلبة

يعكس بقاء الأسعار عند مستوياتٍ أدنى من التوقّعات، في جوهره، رهانًا مستمرًا على أنَّ الاضطراب الراهن موقت، وأنَّ تسويةً ما باتت قريبة. لكن الثقة بهذا السيناريو، عندما يتعلق الأمر بالحرب مع إيران، تبدو شديدة الهشاشة وسريعة التأثر بأيِّ تطوّرٍ سياسي أو عسكري.

وتكشف مستويات التقلب في خام “برنت” حجم هذا القلق. فقد ارتفع معدل التقلب الفعلي من نحو 34 في المئة على أساسٍ سنوي خلال الشهرين السابقين للحرب إلى أكثر من 100 في المئة في نيسان (أبريل). ثم تراجع إلى 49 في المئة بحلول حزيران (يونيو)، قبل أن يعاود الصعود إلى نحو 85 في المئة، أي ما يقارب ضعفي ونصف مستواه قبل اندلاع الحرب.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد سوق مضطربة، بل دورة متكررة من الرهانات: تتشكل قناعة بقرب التسوية، ثم تتبدّد، قبل أن تعود السوق إلى الرهان عليها من جديد. ويصبح هذا النمط أكثر وضوحًا عند مقارنة حركة الأسعار بالتسلسل الزمني لتطوّرات الحرب، إذ تبدو السوق وكأنها تنتقل بسرعة بين الاطمئنان والقلق تبعًا لكلِّ إشارة سياسية أو ميدانية جديدة.

ولعلَّ أحد أكثر المؤشرات دلالة أنَّ أربعًا من أكبر خمس حركات يومية للأسعار خلال الحرب كانت في اتجاه الهبوط. وهذا يعني أنَّ المفاجآت الكبرى لم تكن مرتبطة دائمًا بالخوف من التصعيد، بل كثيرًا ما جاءت نتيجة تجدُّد الرهان على قرب انتهاء الأزمة.

وتؤكد طريقة استجابة السوق لأحداث التصعيد هذه المفارقة. فمن بين 23 واقعة تصعيد محددة، أدت سبع منها بالفعل إلى انخفاض الأسعار، فيما بلغ متوسط الاستجابة لجميع الحالات ارتفاعًا بنحو 2.4 في المئة فقط. وهذا يوحي بأنَّ المتعاملين لم يَقرَؤوا كل تصعيد باعتباره خطوة نحو حرب أطول، بل تعاملوا معه أحيانًا باعتباره تطوّرًا قد يسرّع الوصول إلى تسوية.

لكن السوق أظهرت في الوقت نفسه قدرة واضحة على التمييز بين أنواع المخاطر. فالهجمات على السفن دفعت الأسعار إلى الارتفاع بمتوسط بلغ نحو 4 في المئة، بينما لم تؤدِّ الضربات الأميركية ضد إيران إلّا إلى حركة بمتوسط 1.7 في المئة، وهي نسبة لا تختلف كثيرًا عن التحركات التي تشهدها الأسعار في الأيام العادية.

وهذا الفارق مهم، لأنه يكشف ما تخشاه السوق فعلًا. فالمشكلة بالنسبة إلى المتعاملين ليست التصعيد العسكري في حد ذاته بقدر ما هي قدرة هذا التصعيد على منع النفط فعليًا من الوصول إلى الأسواق. ولذلك تبدو مخاطر اعتراض الشحنات أو تعطيلها أكثر تأثيرًا في الأسعار من الضربات العسكرية التي لا تؤدي مباشرة إلى وقف تدفق النفط.

لكن السوق، حتى الآن، ظلت مستعدة في كل مرة تقريبًا للمراهنة على أنَّ حركة الشحن ستُستَأنَف قريبًا.

وتظهر حالة عدم الاستقرار نفسها عند النظر إلى الفارق بين خام “برنت” وخام غرب تكساس الوسيط (WTI). فـ”برنت” هو المعيار الأهم للنفط المتداول بحرًا، ولذلك يتأثّر بصورة مباشرة بالمخاطر التي تهدد الممرات البحرية ونقاط الاختناق. أما خام غرب تكساس، وهو المعيار الأميركي، فيرتبط بنفطٍ مُخزَّن داخل الولايات المتحدة، بعيدًا من مضيق هرمز ومخاطر الملاحة في الخليج.

ومن هنا، يمكن النظر إلى الفارق بين سعرَي الخامَين باعتباره مؤشرًا مهمًا إلى الكلفة التي تضعها السوق على المخاطر المرتبطة بإخراج النفط من الخليج ونقله بحرًا إلى المستهلكين.

وقد تحرك هذا الفارق بصورة حادة منذ بداية الحرب. ففي أوائل نيسان (أبريل)، اتسع إلى نحو 26 دولارًا للبرميل، قبل أن ينكمش بصورة شبه كاملة ليصل إلى 1.20 دولار فقط بحلول منتصف تموز (يوليو)، عندما تعززت قناعة السوق بأنَّ التسوية باتت قريبة. لكنه عاد بعد ذلك إلى الاتساع ليبلغ 8.49 دولارات، أي أكثر من ضعفي متوسطه في عام 2025 البالغ 3.58 دولارات.

المهم هنا أنَّ الفارق لم ينخفض تدريجيًا ليستقر عند مستوى جديد يعكس تحسنًا فعليًا في الإمدادات. بل انكمش عندما ساد التفاؤل، ثم اتسع مجددًا عندما عادت المخاوف.

والأكثر دلالة أنَّ كل ذلك حدث من دون تحسُّن موازٍ في حركة الملاحة البحرية. ففي تموز (يوليو)، بقيت تدفقات النفط السعودي والإماراتي عبر ساحل الخليج أدنى بنحو ثلاثة أرباع مستوياتها السنوية، فيما ظل مضيقا هرمز وباب المندب مغلقين فعليًا.

وهنا نصل إلى جوهر التقلب الذي تشهده السوق: ما يتغير بسرعة ليس حجم الخطر نفسه، بل تقدير المستثمرين للمدة التي سيستمر فيها هذا الخطر.

فالسوق تعرف أنَّ جزءًا كبيرًا من الإمدادات معطل أو مهدد، لكنها لا تزال تتصرف على أساس أنَّ هذا الوضع لن يدوم طويلًا. ولذلك تنخفض الأسعار مع كل إشارة إلى تسوية محتملة، ثم تقفز عندما يتراجع احتمالها، من دون أن يكون الواقع المادي للإمدادات قد تغير بالقدر نفسه.

وحتى الآن، لم تكن كلفة هذا التذبذب في التوقعات كبيرة بالقدر الذي يمكن أن تكون عليه. فكل موجة تشاؤم أعقبتها تقريبًا عودة للتفاؤل، وكل ارتفاع حاد وجد لاحقًا ما يعيده نحو المستويات السابقة.

لكن هذا الرهان ينطوي على مخاطرة غير متكافئة.

فالأسعار الحالية تفترض، بدرجات متفاوتة، أنَّ الممرات البحرية ستُفتح في نهاية المطاف وأنَّ تدفقات النفط ستعود إلى طبيعتها. أما إذا بدأت السوق تفقد الثقة بهذا الافتراض، فلن يكون أمامها مجرد تعديل محدود للأسعار، بل إعادة تسعير كاملة لمخاطر الإمدادات.

وعندها يصبح السيناريو الذي بدا مبالغًا فيه في بداية الحرب —وصول النفط إلى نطاق 150 أو حتى 200 دولار للبرميل— أكثر قابلية للعودة إلى الحسابات. فالسؤال الذي يحدد اتجاه السوق لم يعد فقط: كم برميلًا فُقد؟ بل بات أيضًا: إلى متى تستطيع السوق الاستمرار في الرهان على عودته؟

الآفاق المستقبلية

تكشف حركة السوق أنَّ سعر النفط الحالي لا يعكس فقط حجم الإمدادات المتاحة اليوم، بقدر ما يعكس تقديرًا سياسيًا واستراتيجيًا لما ستكون عليه هذه الإمدادات غدًا. فالسوق تراهن، في جوهر الأمر، على أنَّ المضائق المحيطة بشبه الجزيرة العربية ستُفتح مجددًا، بصورة دائمة وفي وقت غير بعيد، وأنَّ التعطيل الراهن سيبقى استثناءً لا يتحوَّل إلى واقع طويل الأمد.

لكن هذا الرهان اختُبر مرارًا منذ شباط (فبراير)، وخسرته السوق أكثر من مرة. حدث ذلك بعد محادثات إسلام أباد، ثم بعد التوقف الموقت لعملية “مشروع الحرية” (Project Freedom) في أيار (مايو). أما الرهان الأكثر كلفة فجاء بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في 17 حزيران (يونيو)، عندما اندفع المتعاملون إلى تسعير احتمال انتهاء الأزمة.

وبفعل هذا التفاؤل، هبط خام “برنت” إلى 68.53 دولارًا للبرميل في 2 تموز (يوليو)، وهو مستوى منخفض لم يُسجَّل إلّا في ظروف استثنائية خلال الحرب. لكن الهدنة انهارت بعد ستة أيام فقط، لتتبدل توقعات السوق بسرعة، ويعاود السعر الصعود إلى 100 دولار في أقل من ثلاثة أسابيع.

هذه التحركات الحادة تختصر ما حدث طوال الأشهر الماضية: لم تكن السوق تراهن على تحسُّنٍ فعلي ومستدام في تدفقات النفط بقدر ما كانت تراهن على نجاح الديبلوماسية في إعادة فتح الطريق أمام هذه التدفقات.

وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة. فكلما طال أمد الحرب، تقل قدرة السوق على التعامل مع إغلاق الممرات البحرية باعتباره اضطرابًا موقتًا. ومع مرور الوقت، قد يبدأ السؤال بالتحوُّل من “متى ستُفتح المضائق؟” إلى سؤال مختلف تمامًا: “ماذا لو لم تعد إلى العمل بالطريقة التي عرفتها الأسواق قبل الحرب؟”.

وقد بدأت عوامل عدة تدفع في هذا الاتجاه. فالصراع والإغلاق امتدّا إلى فترة أطول مما كانت السوق تتوقعه، فيما فُقد أيضًا أحد أهم مسارات التصدير البديلة مع تعطّل خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب. وفي الوقت نفسه، أصبح من الصعب افتراض أنَّ مضيقًا استراتيجيًا أُعلن إغلاقه ست مرات خلال خمسة أشهر يمكن التعامل معه باعتباره ممرًا سيعود سريعًا إلى العمل بصورة مستقرة وموثوقة.

والأخطر أنَّ العودة إلى الوضع السابق لم تعد السيناريو الوحيد الممكن. فإذا طال أمد الأزمة، قد تبدأ السوق بالتعامل مع مستوى أعلى من السيطرة الإيرانية على حركة العبور في هرمز باعتباره جزءًا من “الوضع الطبيعي” الجديد، بما قد يشمله ذلك من ترتيبات للمرور أو رسوم أو قيود جديدة. وفي هذه الحالة، لن تكون المشكلة مجرد انقطاع موقت للإمدادات، بل تغيُّرًا هيكليًا في المخاطر المحيطة بأحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

لكن العامل الأكثر حساسية يبقى سياسيًا. فالديبلوماسية التي بنت عليها الأسواق جانبًا كبيرًا من رهاناتها لم تنجح حتى الآن في ردم الهوة بين أطرافٍ تتمسّك بمواقف متباعدة، في ظلِّ غياب شبه كامل للثقة المتبادلة. وكلما تكررت محاولات التسوية ثم انهارت، ازدادت صعوبة إقناع المتعاملين بأنَّ المحاولة التالية ستكون مختلفة.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما أورده الطبري عن العرب في الجاهلية، حين كانوا “عالقين على صخرة بين أسدين: فارس والروم”. وبعد قرون، تبدو منطقة الخليج وكأنها تقف مجددًا على صخرة بين قوى متصارعة، فيما أمضت سوق النفط أشهرًا تراهن على أنَّ أحد “الأسدين” سيتراجع وأنَّ الأزمة ستجد طريقها إلى الحل.

لكن ماذا يحدث إذا توقفت السوق عن هذا الرهان؟

عندها لن يكون التغيير مجرد ارتفاع إضافي في سعر البرميل. فانتقال السوق من تسعير “أزمة موقتة” إلى تسعير “اختلال طويل الأمد” يمكن أن يطلق موجة مختلفة تمامًا، تعيد مستويات 150 إلى 200 دولار إلى دائرة الاحتمال، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع تكاليف النقل والصناعة والغذاء، وتجدد الضغوط التضخمية، وتهديد النمو في الاقتصادات المستوردة للطاقة، وصولًا إلى خطر ركود إقليمي وعالمي.

وهنا تكمن المفارقة التي حكمت سوق النفط منذ بداية الحرب: الأسعار لم تبقَ دون التوقعات لأنَّ صدمة الإمدادات كانت محدودة، بل لأنَّ السوق ظلت مقتنعة بأنها لن تدوم.

ولذلك، قد لا يكون التطور الأخطر في المرحلة المقبلة إغلاق مضيق جديد أو فقدان بضعة ملايين إضافية من البراميل. الأخطر هو اللحظة التي تقتنع فيها الأسواق بأنَّ ما كانت تعتبره أزمة عابرة أصبح واقعًا جديدًا.

فعندها لن تعيد السوق تسعير النفط وحده، بل ستعيد تسعير الحرب نفسها.

  • فريدريك شنايدر هو زميل أول غير مقيم في “مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية”. وهو أيضًا مستشار سياسات مستقل عمل مع مؤسسات دولية مثل كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، والمنتدى الدولي للخليج، ومعهد دول الخليج العربية في واشنطن (AGSIW)، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وغيرها.
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى