استراتيجيّة ائتمانيّة لإعادة إعمار سوريا… مَن سيُمَوِّل الاقتصاد الجديد؟

مع عودة سوريا تدريجًا إلى النظام المالي الدولي، قد يصبح الائتمان أكثر توافرًا، لكن التحدي لن يكون في حجمه وحده. فإعادة الإعمار ستتوقف أيضًا على مَن يحصل على التمويل، وإلى أي قطاعات ومناطق يتجه.

الرئيس أحمد الشرع: أمامه مهمة صعبة ومعقدة…

هادون بارث*

تلقت سوريا واحدًا من أهم الأنباء الاقتصادية منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، مع بدء الولايات المتحدة إجراءات شطب البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ومن شأن هذه الخطوة أن تخفف أحد أبرز العوائق التي حالت دون دخول شركات أبدت اهتمامًا بالسوق السورية، لكنها أحجمت عن الاستثمار بسبب ما يترتب على التعامل مع سوريا من مخاطر قانونية ومخاطر مرتبطة بالسمعة.

وقد يكون الأثر الأهم لهذا التحوُّل في القطاع المصرفي. فرَفعُ هذا القيد من شأنه أن يقلّصَ العقبات التي تواجه المؤسسات المالية الأميركية في إعادة بناء علاقاتها مع البنوك السورية، واستئناف الخدمات المالية الأساسية، والمساهمة في توسيع نطاق التمويل المتاح لعملية إعادة الإعمار. وبالنسبة إلى اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء قدرته الإنتاجية واستعادة علاقاته المالية مع الخارج، فإنَّ عودة الائتمان تمثّل خطوة ضرورية، وإن لم تكن كافية في حد ذاتها.

فالسؤال لا يتعلق فقط بحجم الائتمان الذي يمكن أن يتوافر، بل بكيفية تخصيصه ومَن يستطيع الوصول إليه. ومع اتساع إمكانات التمويل، تقع على عاتق صنّاع السياسات السوريين مسؤولية ضمان ألّا يتركّز الائتمان مجددًا داخل الشبكات السياسية والتجارية الضيقة التي هيمنت تاريخيًا على جانب كبير من المشهد المالي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية ائتمانية تستهدف القطاعات والمناطق التي ظلت لفترات طويلة مُستَبعَدة من قنوات التمويل الرسمي، وتساعد على توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي بدل إعادة إنتاج أنماط التركّز السابقة.

وفي هذا الإطار، يمكن للبنوك الحكومية السورية المتخصصة أن توفّر أداة قائمة بالفعل، وإن كانت بعيدة من المثالية. فإصلاح هذه المؤسسات، وتعزيز حوكمتها، وتحديد وظائفها الائتمانية بوضوح، يمكن أن يمكّنها من أداء دور مكمّل للبنوك الخاصة والأجنبية، من خلال توفير التمويل للمقترضين والقطاعات التي قد تظل خارج نطاق اهتمام المؤسسات التجارية.

ولا تكمن الحجة هنا في تفضيل المصارف الحكومية على المصارف الخاصة، بل في اختلاف الوظيفة الاقتصادية لكلٍّ منها. فالمصارف التجارية ستظل محكومة، على نحو طبيعي، باعتبارات المخاطر والعائد والجدارة الائتمانية، وهو ما قد يدفعها إلى تركيز التمويل في الشركات والمناطق الأكثر قدرة على تلبية شروط الإقراض. أما في اقتصاد خارج من سنوات طويلة من الحرب والعزلة والعقوبات، فقد يؤدي الاعتماد على هذه الآلية وحدها إلى إبقاء أجزاء واسعة من الاقتصاد خارج دورة التمويل في المرحلة التي تكون فيها حاجتها إليه أشد.

مبرّرات الإقراض المُوجَّه

لا يزال النظام المصرفي السوري صغير الحجم، تهيمن عليه الدولة، ويعاني محدودية واضحة في انتشاره الجغرافي. ويتألف القطاع من ستة مصارف عامة و15 مصرفًا خاصًا، بينها 11 مصرفًا تقليديًا وأربعة مصارف إسلامية. وفي عام 2024، قُدّرت أصول القطاع المصرفي بنحو 12 مليار دولار، استحوذت المصارف العامة على 69% منها، في مقابل 19% للمصارف الخاصة التقليدية و12% للمصارف الإسلامية. ويظل الوصول إلى الخدمات المصرفية محدودًا أيضًا، بمتوسط لا يتجاوز أربعة فروع مصرفية وخمسة أجهزة صراف آلي لكل 100 ألف بالغ.

غير أنَّ هذه الأرقام، على تواضعها، قد تعطي صورة أكبر من الواقع عن الدور الذي يؤديه القطاع المصرفي في الاقتصاد. فالميزانيات العمومية للمصارف تحمل أعباء تراكمت على مدى سنوات من الخسائر والقروض المتعثرة وتدهور جودة الأصول. ووفق الأرقام الرسمية المعلنة، بلغت القروض المتعثرة نحو 42% من إجمالي قروض المصارف العامة بنهاية عام 2023، بعدما كانت لا تتجاوز 4% في عام 2010. أما قروض العملاء، فلا تزيد حاليًا إلّا قليلًا على 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى شديد الانخفاض ويعكس ضآلة دور الوساطة الائتمانية في الاقتصاد.

لهذا، تبدو إصلاحات واسعة للقطاع المصرفي حتمية، فيما تبرز الخصخصة كأحد الخيارات المطروحة. وتشير تقارير عن تقييم أجرته أخيرًا شركة “أوليفر وايمان” (Oliver Wyman) إلى دراسة ثلاثة مسارات للمصارف العامة: تحويلها إلى شركات مساهمة، أو خصخصتها بالكامل، أو إدخالها في شراكات مع مؤسسات عربية ودولية.

وقد تساعد مثل هذه الإصلاحات على معالجة الاختلالات في الميزانيات العمومية، وتحسين الإدارة، وإدخال رأس المال والخبرات. لكن الفرضية التي تقف وراء جانب من هذا التوجُّه — وهي أن قطاعًا مصرفيًا أكثر اعتمادًا على الملكية الخاصة والمنافسة سيؤدي تلقائيًا إلى توسيع نطاق الحصول على الائتمان وتحسين تخصيصه — ليست جديدة في التجربة السورية.

فعندما سمحت سوريا بإنشاء المصارف الخاصة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، رأى كلٌّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أنَّ زيادة المنافسة يمكن أن تحسّن تخصيص الائتمان وتحدُّ من التدخّل السياسي في القرارات المصرفية.

لكن التجربة التي سبقت الحرب أظهرت حدود هذه الفرضية. فبحلول عام 2006، كانت المصارف الخاصة قد نجحت في جذب نحو ربع ودائع القطاع الخاص، لكنها لم تقدم سوى 14% من الائتمان الممنوح له. بل إنَّ غالبية القروض التي قدمتها تلك المصارف اتجهت إلى القطاع العام. وفي الوقت نفسه، ساهم وجود نخب تجارية ذات صلات سياسية بين المساهمين، إلى جانب تفضيل المصارف للقروض القصيرة الأجل والمضمونة بضمانات عينية، في إبقاء الاستثمارات الإنتاجية المتوسطة والطويلة الأجل محرومة إلى حد كبير من التمويل، فيما ظلت الشركات الصغيرة والمتوسطة من دون برامج إقراض مخصصة لها.

ولم يتغير هذا النمط بصورة جوهرية في السنوات اللاحقة. فبحلول عام 2020، لم تحصل الشركات الصغيرة والمتوسطة — التي تمثل أكثر من 99% من الشركات السورية — سوى على 4% من القروض التي قدمتها المؤسسات المالية في البلاد. وبدلًا من التمويل المصرفي، اعتمد نحو 90% منها على الشبكات العائلية أو المقرضين غير الرسميين. وبذلك، بقيت شرائح واسعة من الاقتصاد خارج دائرة التمويل الرسمي، من المزارعين والشركات الناشئة إلى صغار المصنّعين والمؤسسات الواقعة خارج نطاق الشبكات التجارية القائمة.

من المؤكد أن تحسين الحوكمة والحد من الإقراض القائم على المحسوبية السياسية يمكن أن يعالجا جانبًا من المشكلة. لكن اختزال ضعف وصول الشركات إلى الائتمان في الفساد وحده يغفل عقبات أكثر بنيوية.

فكثيرٌ من الشركات السورية الصغيرة والمتوسطة يفتقر إلى حسابات مالية مُدَقَّقة، أو سجل ائتماني موثوق، أو ضمانات يمكن للمصارف قبولها بسهولة. وقبل الحرب، كان بعضها يحتفظ بأكثر من سجل محاسبي بهدف التهرُّب من الضرائب، في ظل نظام ضريبي كان يُنظَر إليه على نطاق واسع على أنه تعسّفي وغير متكافئ في تطبيقه. والنتيجة هي أنَّ المصرف الذي يحاول اليوم تقييم قدرة مثل هذه الشركات على السداد يواجه نقصًا كبيرًا في المعلومات التي يحتاج إليها لاتخاذ قرار ائتماني سليم.

ومن وجهة نظر كل مصرف على حدة، قد يكون الامتناع عن إقراض هذه الشركات قرارًا عقلانيًا. فتقييم مقترض يفتقر إلى السجلات والوثائق الكافية أكثر تكلفة، كما ينطوي على مخاطر أعلى. والأهم أنَّ المصرف الذي يتحمّل هذه التكلفة لا يستفيد وحده من العائد الأوسع الذي يتحقق عندما يجري تحديد المقترضين الجديرين بالائتمان، وبناء سجلاتهم الائتمانية، وإدخالهم تدريجيًا في النظام المالي الرسمي.

وهنا تظهر الفجوة بين العائد التجاري والعائد الاقتصادي الأوسع.

فالإقراض لشركة صغيرة قد لا يكون جذابًا بما يكفي لمصرف تجاري إذا قيس بالعائد والمخاطر المباشرة وحدهما. لكن استمرار هذه الشركة أو توسعها قد يوفر وظائف، ويعيد إنتاج سلع أساسية، ويولّد دخلًا محليًا، ويساهم في إعادة النشاط الاقتصادي إلى منطقة بقيت لسنوات خارج دائرة الاستثمار. وهذه المنافع لا تظهر كلها في ميزانية المصرف الذي منح القرض.

الأمر نفسه ينطبق على المناطق المحرومة من الخدمات المالية. ففتح قنوات ائتمان فيها قد لا يحقق أعلى عائد تجاري في المدى القصير، لكنه قد يساهم في إعادة دمجها في الاقتصاد الرسمي وتوسيع النشاط الإنتاجي فيها. وهنا تحديدًا يصبح تخصيص الائتمان جزءًا من عملية إعادة الإعمار الاقتصادي، وليس مجرد قرار مصرفي.

من هذا المنطلق، فإنَّ الاعتماد على المصارف الخاصة والأجنبية وحدها قد يترك سوريا أمام فجوة تمويلية في الأنشطة التي تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية مرتفعة، لكنها لا تقدم في الوقت نفسه مستوى العائد والمخاطر الذي تبحث عنه المصارف التجارية.

ولا يعني ذلك أنَّ على المصارف أن تموّل مشاريع غير قابلة للحياة، أو أن يُعاد استخدام الائتمان الموجّه كأداة للمحاباة السياسية. فذلك سيعيد إنتاج جانب من المشكلات التي يفترض بالإصلاح أن يعالجها.

لكن الوصول إلى الشركات الأصغر حجمًا والمزارعين والمشروعات الإنتاجية والمناطق التي تعاني نقصًا في الخدمات المالية سيتطلب، في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد، وجود مؤسسات قادرة على العمل بآفاق زمنية أطول، وقبول عوائد أقل، وتحمُّل أنواع من المخاطر قد لا تجد المصارف التجارية مبرِّرًا لتحمُّلها.

وهنا تحديدًا تبدأ الحجة الاقتصادية لمصلحة الإقراض المُوَجَّه.

دورٌ جديد للمصارف المُتخصِّصة في سوريا

تمتلك سوريا، في هذا المجال، ميزة لا تبدأ من الصفر: وجود مؤسسات مصرفية أُنشئت أصلًا لأداء وظائف ائتمانية متخصصة. فبعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، وسّعت الحكومة وأعادت تنظيم عدد من المصارف الحكومية التي خُصِّصت لتمويل قطاعات بعينها، من الزراعة والصناعة إلى العقارات والتجارة وغيرها. وكان الهدف، في جانب منه، معالجة اختلالات نظام ائتماني خاص مال تاريخيًا إلى خدمة كبار ملاك الأراضي، فيما ترك شرائح واسعة من سكان الريف تحت رحمة مقرضين يفرضون شروطًا مجحفة.

ويقدم المصرف الزراعي التعاوني مثالًا واضحًا على الفكرة والحدود التي واجهتها في آن واحد. فقد أُنيط به توجيه الائتمان مباشرة إلى المزارعين المهمَّشين، في إطار حزمة أوسع من الإصلاحات الزراعية هدفت إلى إضعاف نفوذ الوسطاء في الريف وتوسيع قدرة المزارعين على الوصول إلى رأس المال.

لكن النتائج لم تكن متكافئة. فمتطلبات الضمانات التي فرضها المصرف أفادت المزارعين الأكثر ثراءً بدرجة أكبر، فيما ظل كثير من صغار المزارعين يعتمدون على المقرضين من القطاع الخاص، رغم أسعار الفائدة المرتفعة التي كانوا يفرضونها. وفي دراسته للاقتصاد السياسي السوري في عهد حافظ الأسد، خلص الباحث الألماني فولكر بيرتس إلى أنَّ حزمة الإصلاحات الأوسع كانت “مفيدة عمومًا للطبقة الوسطى الريفية، وبدرجة أقل للطبقات الدنيا”.

ومع مرور الوقت، بدأت الوظيفة التنموية للإقراض تتراجع أمام الاعتبارات السياسية والقرارات التقديرية. ويشير خبير الاقتصاد السياسي السوري بسام حداد إلى أنه بحلول تسعينيات القرن الماضي، أصبح من الصعب العثور على قواعد واضحة تُطبَّق بصورة منتظمة عند النظر في طلبات القروض. وبسبب خضوع المصرف المركزي والمصارف المتخصصة للسلطة التنفيذية، كان بإمكان الوزراء ورئيس الوزراء التأثير في قرارات الإقراض من خلال قرارات إدارية. ومع ذلك، تدفقت الأموال والائتمانات بصورة متزايدة إلى نخب تجارية “بشروط ميسَّرة ومن دون ضمانات أو رهونات”.

وهذه التجربة التاريخية مهمة اليوم لسببين متلازمين: فهي تُظهِرُ الحاجة التي أُنشئت المصارف المتخصصة أصلًا لمعالجتها، وفي الوقت نفسه تكشف المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تخضع قراراتها الائتمانية للاعتبارات السياسية بدل المعايير المهنية.

ورُغمَ هذه الحصيلة المتفاوتة، تظل المصارف المملوكة للدولة الأكبر في سوريا، فيما اتخذت وزارة المالية خطوات أولية لاستعادة قدرتها على الإقراض. فبموجب المرسوم الرئاسي رقم 70 الصادر في آذار (مارس) 2026، أصبح في إمكان المقترضين الذين يسوّون التزاماتهم المتعثرة لدى المصارف العامة الحصول على إعفاءات كاملة أو جزئية من الفوائد المتراكمة والغرامات. ولا يشكل المرسوم إعادة رسملة للمصارف، لكنه يمثل خطوة أولى نحو معالجة الحجم الكبير من القروض المتعثرة الذي يثقل ميزانياتها العمومية ويقيّد قدرتها على استئناف الإقراض.

وإذا استعادت هذه المصارف قدرتها على منح الائتمان، فقد تؤدي وظيفة لا يُرجح أن تقوم بها المصارف التجارية وحدها، من خلال المساهمة في سد بعض فجوات التمويل التي تناولناها سابقًا. لكن دورها المحتمل لا يقتصر على توفير الأموال.

فمن خلال عمليات الإقراض نفسها، يمكن لهذه المؤسسات أن تساعد على معالجة مشكلة أخرى يعانيها الاقتصاد السوري: النقص الحاد في المعلومات.

وتشير دراسات حديثة حول بنوك التنمية إلى أنَّ هذه المؤسسات “تتعلّم من خلال الإقراض”. فحين تفحص أوضاع المقترضين وتتعامل مباشرة مع الشركات، لا تجمع معلومات عن قدرتهم على السداد فحسب، بل تكتسب أيضًا معرفة بالسوق وبالعقبات التي تواجه الاستثمار، بما في ذلك أوجه القصور في السياسات والإجراءات الحكومية. وفي بلدٍ تعاني فيه الجهات المعنية بصنع السياسات نقصًا كبيرًا في المعلومات الاقتصادية الموثوقة، يمكن لهذه المعرفة المتراكمة أن تساهم بدورها في تحسين تصميم سياسات التنمية وتنفيذها.

وهنا تظهر وظيفة محتملة للمصارف المتخصّصة تتجاوز مجرّد توجيه القروض. فهي تستطيع، إذا عملت بصورة مهنية، أن تصبح إحدى المؤسسات التي تساعد على إعادة بناء المعرفة بالاقتصاد السوري نفسه: أي الشركات القادرة على النمو، والقطاعات التي تواجه اختناقات تمويلية، والمناطق التي تعاني نقصًا في الائتمان، والعوائق الحكومية التي تمنع الاستثمار المنتج.

لكن هذه المزايا ليست تلقائية. فهي تعتمد، أولًا وأخيرًا، على قدرة المصارف العامة على اتخاذ قرارات ائتمانية سليمة.

وهذه هي النقطة التي تفرض فيها التجربة السورية أكبر قدر من الحذر.

فالمصارف الحكومية، بحكم علاقتها بالدولة، أكثر عرضة من المصارف الخاصة للتأثير السياسي في قرارات الإقراض، والتاريخ السوري يوضّح حجم هذا الخطر. وحتى عندما تكون برامج الإقراض موجَّهة إلى أهدافٍ تنموية مشروعة، فإنها قد تواجه صعوبة في التمييز بين الشركات الصغيرة والمتوسطة القادرة على الإنتاج والنمو، وتلك التي لا تمتلك مقومات الاستمرار.

صحيح أنَّ بنوك التنمية لا يُفتَرَض أن تعمل بالمنطق نفسه الذي يحكم المصارف التجارية، ولا أن يكون تعظيم الأرباح هدفها الوحيد. فهي أُنشئت أساسًا لتمويل أنشطة قد تكون عوائدها الاقتصادية والاجتماعية أوسع من عوائدها المالية المباشرة. لكن ذلك لا يعني أنَّ الخسائر المستمرّة يمكن تجاهلها. فإذا تحوّلت الخسائر إلى سمة دائمة، فإنها ستحدُّ في نهاية المطاف من قدرة هذه المؤسسات على الإقراض، وتثير سؤالًا مشروعًا حول ما إذا كان التمويل الذي تقدّمه يذهب فعلًا إلى نشاطٍ إنتاجي، أم أنه أصبح وسيلة لإبقاء مؤسسات غير قابلة للاستمرار على قيد الحياة.

لهذا، فإنَّ إعادة إحياء المصارف المتخصصة في سوريا لا ينبغي أن تعني إعادة إنتاج النموذج الذي كان قائمًا في الماضي. المطلوب هو الاستفادة من الوظيفة التي أُنشئت هذه المؤسسات من أجلها، مع معالجة أوجه الخلل التي أضعفتها وحوّلت الائتمان، في مراحل سابقة، من أداة للتنمية إلى أداة يمكن إخضاعها للنفوذ السياسي.

وهذا يتطلب الجمع بين ثلاثة عناصر لا يغني أحدها عن الآخر: تفويضات تنموية واضحة تحدد أين ولماذا تتدخل هذه المصارف، وحوكمة شفافة تحمي قراراتها من المحسوبية والتدخل السياسي، وتقييم ائتماني مهني يضمن توجيه الأموال إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

بهذه الشروط، يمكن للمصارف المتخصّصة أن تؤدي دورًا جديدًا في سوريا: لا أن تحل محل المصارف الخاصة والأجنبية، ولا أن تعيد نموذج الإقراض الحكومي القديم، بل أن تسدَّ الفجوة بين ما يستطيع التمويل التجاري تمويله وما تحتاج إليه عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري.

كيف يمكن أن تعمل آلية الإقراض المتخصص

يمكن لسوريا أن تبدأ ببرامج إقراض محدودة وموجّهة إلى القطاعات التي يُرجح أن يظل حضور المصارف التجارية فيها ضعيفًا. وانسجامًا مع دوره التاريخي، يستطيع المصرف الزراعي التعاوني تمويل المدخلات الموسمية ومشاريع الري والتخزين، فيما يمكن للمصرف الصناعي دعم شراء الآلات وتوفير رأس المال العامل لصغار المصنّعين. ومن شأن البدء ببرامج تجريبية محدودة أن يتيح اختبار معايير جديدة لتقييم الجدارة الائتمانية وضبط الخسائر المحتملة قبل توسيع نطاق الإقراض.

وسيتطلب ذلك اعتماد معايير أكثر ملاءمة للمقترضين الذين يفتقرون إلى الضمانات التقليدية أو السجلات الائتمانية الكافية. ويمكن، على سبيل المثال، الاستناد إلى مؤشرات بديلة، من سجلات الإنتاج إلى ملكية المعدات، مع تكييف جداول السداد مع المواسم الزراعية ودورات الاستثمار بدل تطبيق شروط موحدة على مختلف أنواع المقترضين.

ويمكن للشركاء الدوليين، إذا رغبوا في ذلك، المساهمة في تقليص المخاطر المالية لهذا النهج. وإذا لم تكن مثل هذه المناقشات جارية بالفعل، فمن المفيد أن تنظر صناديق التنمية العربية والمؤسسات المالية الدولية في دعم برامج لضمان الائتمان، تتحمل بموجبها وكالات التنمية جزءًا من مخاطر التمويل الموجّه إلى الشركات الصغيرة.

لكن توسيع دور المصارف المتخصصة يجب أن يترافق مع ضمانات تحول دون العودة إلى الإقراض القائم على الاعتبارات السياسية الذي عرفته سوريا في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي. وفي هذا السياق، يمثل “مشروع تحديث القطاع المالي” الذي أعلن عنه البنك الدولي أخيرًا، باستثمار قدره 100 مليون دولار يشمل مراجعة جودة الأصول، والرقابة القائمة على المخاطر، وتكنولوجيا الرقابة، خطوة أولى مهمة نحو بناء صورة أكثر دقة وشفافية عن أوضاع القطاع المصرفي.

وينبغي أن تتحوَّل هذه المعلومات بدورها إلى أداةٍ للمساءلة. فمن خلال “لجنة القوانين المالية”، يستطيع مجلس الشعب طلب البيانات ومساءلة المسؤولين ونشر تقييمات سنوية لأنماط الإقراض في كل مصرف. فالشفافية بشأن توزيع الائتمان، والكشف عن حالات المحاباة أو الإخفاق في تحقيق الأهداف القطاعية والمناطقية، يمكن أن يوفرا قدرًا أكبر من الرقابة العامة على قرارات المصارف ووزاراتها المعنية.

ومع بدء إعادة اندماج سوريا في النظام المالي الدولي، تتوافر أمام صنّاع السياسات فرصة لإعادة بناء نظام مصرفي أكثر شمولًا، مستفيدين من المؤسسات القائمة ومن الدعم الخارجي المحتمل. لكن النتيجة ستتوقف على الخيارات التي ستُتخذ الآن.

فالمطلوب ليس استعادة نموذج الستينيات كما كان، ولا الاكتفاء بخصخصة القطاع على افتراض أنَّ المنافسة ستعالج وحدها فجوات الائتمان. التحدّي هو استعادة الوظيفة التنموية التي أُنشئت من أجلها المصارف المتخصصة، مع بناء الحوكمة والرقابة المهنية التي افتقدتها لاحقًا.

وبذلك، سيكون أمام سوريا خيار واضح: إما توظيف هذه المؤسسات لتوسيع الوصول إلى التمويل ودعم إعادة بناء الاقتصاد، وإما السماح بعودة أنماط الإقراض الضيقة التي طبعت مراحل سابقة من تاريخها المالي.

  • هادون بارث هو مدير “شبكة الدراسات التشريعية السورية” (Network for Syrian Legislative Studies) وباحث مستقل متخصص في الاقتصاد السياسي لسوريا وإعادة إعمارها بعد الحرب.
  • كُتِب المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى