المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية: بَعدَ التعثُّر… ما العمل؟
الدكتور ناصيف حتي*
لم تكن حصيلة الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، التي عُقدت برعاية الولايات المتحدة في روما بين 4 و6 آب (أغسطس)، مفاجئة لكثيرٍ من المراقبين والمتابعين. فبينما اختار البعض وصفها، بلغةٍ ديبلوماسية، بأنها جولة “متعثّرة”، كان آخرون أكثر وضوحًا في استنتاجهم: المفاوضات لم تُحقّق تقدُّمًا ملموسًا، ولو محدودًا، في المسار التفاوضي.
ولا يقتصر هذا التقييم على المعترضين على مبدَإِ التفاوض المباشر مع إسرائيل. فكثيرون ممن يؤيدون هذه الصيغة يشاركون الرأي نفسه، وإن كانت لديهم تحفّظات تتصل بطريقة إدارة المفاوضات وبعض عناصرها الأساسية. وفي مقدم هذه العناصر ضرورة تحديد المرجعية التفاوضية بوضوح، ووضع خريطة طريق يلتزم بها الطرفان، إلى جانب جدول زمني للمفاوضات، ولو اتسم بشيء من المرونة.
فالهدف هو ألّا يبقى المسار التفاوضي مفتوحًا زمنيًا إلى ما لا نهاية، وخاضعًا في الوقت نفسه لما تحاول إسرائيل فرضه على الأرض، بما يخدم رؤيتها الخاصة للمفاوضات وأهدافها.
وتزداد المشكلة وضوحًا عند النظر إلى الطريقة التي “تواكب” بها إسرائيل المفاوضات ميدانيًا. فالحرب لا تزال مفتوحة زمنيًا، وتتوسّع مكانيًا بصورةٍ تدريجية، فيما يتواصل التصعيد على الأرض بصورةٍ شبه يومية. وفي ظلِّ هذا الواقع، يتّسم السلوك الإسرائيلي بالتعنّت وتقطيع الوقت والهروب إلى الأمام، بالتوازي مع محاولة فرض ترتيب الأولويات التفاوضية، بحيث تبدو إسرائيل وكأنها تريد أن تحدد، عمليًا ومن جانبٍ واحد، ما الذي ينبغي أن يكون مطروحًا على طاولة المفاوضات ومتى.
ومن أبرز السمات التي باتت تطبع إدارة إسرائيل للمفاوضات رفضها اتخاذ خطوات عملية مطلوبة منها، من شأنها أن تُحدِثَ تغييرًا على الأرض وتساعد على كسر الجمود السياسي الذي يُثقِلُ المسار التفاوضي، وهو لا يزال في بداياته. ويأتي في مقدم هذه الخطوات وقف إطلاق النار، بوصفه شرطًا ضروريًا وواقعيًا لإضفاء المصداقية على المفاوضات ومنحها الزخم المطلوب، وهو مطلب يكرره الجانب اللبناني باستمرار. ويندرج في السياق نفسه البحث في خطوات ميدانية عملية، من بينها ما طُرح بشأن “المناطق التجريبية”، بما يتيح اختبار إمكان الانتقال من التفاوض النظري إلى إجراءات ملموسة على الأرض.
لكن ما تفعله إسرائيل ميدانيًا يسير، حتى الآن، في اتجاهٍ معاكس. فهي تعمل بصورةٍ علنية على إحداث تغييرات في الجغرافيا اللبنانية، من بينها ما يمكن وصفه بـ”تجويف الأرض”، بما قد يفضي لاحقًا إلى تغييرات ديموغرافية في المناطق التي تنظر إليها إسرائيل باعتبارها جزءًا من حزامٍ أمني داخل الأراضي اللبنانية. وهو حزامٌ يبدو قابلًا للاتساع تدريجيًا، بما يخدم الأهداف “التغييرية” التي تنطلق منها العقيدة الأمنية الإسرائيلية المهيمنة، والتي تحظى بقدر واسع من الإجماع بين القوى السياسية الفاعلة في إسرائيل، على الرغم من تنافسها الحاد على السلطة.
وتسعى هذه العقيدة إلى ترجمة نفسها ميدانيًا عبر فرض وقائع جديدة يُرادُ لها أن تشكّلَ أساسًا لمرحلة ما بعد الحرب، أو ما يسمى “اليوم التالي”. والمشكلة أنَّ هذا اليوم التالي يُراد له، وفق الرؤية الإسرائيلية، أن يأتي بعد انتهاء الحرب بالشروط التي تحددها إسرائيل نفسها. وهذا ما تكاد تؤكده يوميًا تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، التي تربط إنهاء العمليات العسكرية بتحقيق الأهداف التي وضعتها إسرائيل للحرب.
من هنا يبرز التساؤل حول موعد الجولة الثامنة من المفاوضات، وما إذا كانت ستُعقد قريبًا أم تؤجَّل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. غير أنَّ السؤال الأهم لا يتعلق بالموعد وحده. فكثيرون يرون أنَّ عقد جولة ثامنة في ظلِّ المعطيات والشروط الحالية قد لا يؤدي إلّا إلى تكرار ما شهدته الجولة السابعة، ما لم يحدث تغيير فعلي في البيئة السياسية والميدانية المحيطة بالمفاوضات.
صحيح أنَّ حكومة بنيامين نتنياهو تخوض معركتها الانتخابية فيما الحرب على لبنان مستمرة، وأنَّ الحسابات الداخلية الإسرائيلية تتداخل، بطبيعة الحال، مع إدارة هذه الحرب. لكن المشهد لا يقتصر على الجبهة اللبنانية. فحكومة تل أبيب تخوض، بصيغ وظروف مختلفة، مواجهتين أخريين في قطاع غزة والضفة الغربية، بما يجعل الحروب والجبهات المفتوحة جزءًا من البيئة السياسية والأمنية التي تجرى في ظلها الانتخابات الإسرائيلية.
ولكن، من المنظور الواقعي، ينبغي التذكير بأنَّ نتائج الانتخابات الإسرائيلية، حتى لو أفضت إلى ائتلافٍ حكومي جديد يضعف بنيامين نتنياهو أو يخرجه من السلطة، لن تؤدّي بالضرورة إلى سياسة مختلفة عن تلك التي تتبعها الحكومة الحالية. وحتى إذا تراجعت قوة نتنياهو لمصلحة قوى أخرى، بعضها مشارك أصلًا في الحكومة، فمن المرجح أن تبقى السياسة الإسرائيلية في جوهرها على حالها، وهو ما تؤكده المؤشرات السياسية القائمة في إسرائيل.
لذلك، لا تكمن المسألة في عقد الجولة الثامنة قبل الانتخابات أو تأجيلها إلى ما بعدها، بل في توفير الشروط التي تجعلها منتجة وفعالة. وفي مقدم هذه الشروط وقف إسرائيل إطلاق النار كليًا، والمضي في مسارٍ يقوم على انسحابٍ تدريجي فعلي، مقابل سيطرة كاملة للجيش اللبناني على الأراضي المحررة، بدءًا من جنوب الليطاني وصولًا إلى الحدود الدولية للبنان.
وعندما يبدأ التفاوض حول هذه الحدود، فإنه لا يمكن أن يجري في فراغ كما تحاول إسرائيل أن تطرحه، بل على أساس إعمال اتفاقية الهدنة كمرجعية أساسية للمفاوضات، وصولًا إلى تثبيت الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وهي الحدود اللبنانية المعترف بها دوليًا.
ليس ذلك بالأمر السهل في ضوء المواقف والسياسات الإسرائيلية المعروفة، لكنه ليس مستحيلًا، طالما أنه السبيل الواقعي لإنجاح المفاوضات و”العودة كليًا إلى الدولة”. وهنا تحديدًا يفترض أن يبرز دور “الطرف الثالث”، أي الولايات المتحدة أساسًا، بدعمٍ من القوى الدولية المعنية بإنجاح المفاوضات.
والدفع في هذا الاتجاه وتعزيز الموقف اللبناني يفترضان حوارًا هادفًا وعمليًا داخل “البيت اللبناني”، أيًّا تكن صيغة هذا الحوار، حول المقترحات الكفيلة بتعزيز الاستراتيجية التفاوضية للسلطة اللبنانية في مواجهة التحديات الكبيرة. والمطلوب استخلاص الدروس من الجولات السابقة والبحث في مقترحات عملية توفّر دعمًا فعليًا للموقف اللبناني في المفاوضات.
والنجاح في هذا التحدي الوطني، رُغمَ العوائق المتعددة، يشكّلُ شرطًا ضروريًا لدعم مسارٍ تفاوضي يهدف إلى الوقف الكامل للحرب الإسرائيلية المستمرة، وانسحاب إسرائيل كليًا من الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية المعترف بها.
وهو مسارٌ يفضي إلى إمساك الدولة الكامل والفعلي بمسؤولياتها وتأكيد دورها وحدها، رُغمَ التحديات الكبيرة، في جميع قضايا الأمن الوطني، وفي مقدمها ممارسة سيادتها الكاملة وتحمّل مسؤولياتها الأمنية، بالمفهوم الشامل للأمن، على جميع الأراضي اللبنانية.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.



