محمد علي جناح بعد 150 عامًا: حين تُصبحُ دولةُ القانون أساسًا للقوّة
الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*
في الذكرى المئة والخمسين لولادة محمد علي جناح، مؤسس باكستان وأحد أبرز رجال السياسة في جنوب آسيا خلال القرن العشرين، لا تبدو العودة إلى إرثه مجرّد استحضارٍ لشخصيةٍ تاريخية ارتبط اسمها بقيام دولة. ففي عالم تتسع فيه رقعة الحروب، وتتراجع فيه قدرة الديبلوماسية الوقائية، وتزداد داخله الانقسامات السياسية والمجتمعية، تستعيد بعض أفكار جناح راهنيتها، وخصوصًا ما يتّصل بالعلاقة بين القانون والقوة، وبين تماسُك الدولة في الداخل وقدرتها على انتهاج سياسة متوازنة في الخارج.
لم يكن جناح مفكّرًا سياسيًا بالمعنى الأكاديمي التقليدي بقدر ما كان رجل قانون وسياسة خَبِر المؤسسات والتفاوض والصراع الدستوري. ولذلك يصعب اختزال تجربته في شعاراتٍ مثالية عن السلام أو العدالة. الأهم في إرثه ربما هو ذلك السعي إلى الجمع بين المبادئ والواقعية: دولة قوية، لكن محكومة بالقانون؛ ومؤسسات قادرة، لكن لا تستمد شرعيتها من القوة وحدها؛ وسياسة خارجية تحمي المصالح الوطنية من دون أن تجعل الصدام غاية في ذاته.
بهذا المعنى، يمكن الحديث عن نوعٍ من “الواقعية الأخلاقية” في تجربة جناح: إدراكٌ لموازين القوّة من دون التسليم بأنَّ القوة وحدها تصنع الشرعية، وتُمسِكُ بالقانون من دون افتراض أنَّ القانون يستطيع حماية نفسه في غياب دولة قادرة على إنفاذه.
تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة بالنسبة إلى باكستان المعاصرة. فالدولة تقع عند تقاطع مجموعة شديدة التعقيد من دوائر الأمن والمصالح: جنوب آسيا وآسيا الوسطى والصين وأفغانستان والشرق الأوسط والمحيط الهندي. وهي، في الوقت نفسه، قوة نووية وبلد كبير السكان يواجه تحدّيات اقتصادية وسياسية وأمنية داخلية.
في مثل هذا الموقع، يصبح التوازن أكثر أهمية من الاستقطاب. وتستطيع إسلام آباد أن تستفيد من إرث جناح ليس عبر تحويله إلى مرجعية جامدة، وإنما باستعادة أحد أهم دروس تجربته: أنَّ قوة السياسة الخارجية تبدأ من صلابة الدولة في الداخل.
فالدولة التي تعاني ضعف المؤسسات أو الانقسام المجتمعي أو اضطراب العلاقة بين السلطات تجد صعوبة في بناء نفوذ خارجي مستدام، مهما بلغت قدراتها العسكرية. وفي المقابل، يمنح الاستقرار الدستوري، وحياد المؤسسات، وسيادة القانون، الدولة قدرة أكبر على المناورة والتفاوض وحماية مصالحها.
من هنا يمكن قراءة العبارة المنسوبة إلى الرؤية السياسية لجناح، “السلام في الداخل والسلام في الخارج”، باعتبارها أكثر من دعوة أخلاقية. إنها معادلة سياسية تربط الأمن الخارجي بالاستقرار الداخلي، وترى أنَّ الاثنين لا ينفصلان.
وتبدو هذه المعادلة أكثر أهمية في مرحلة عاد فيها منطق القوة العسكرية إلى صدارة العلاقات الدولية. فالحروب الجارية، وسباقات التسلح، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، كلها أعادت الاعتبار إلى الردع باعتباره عنصرًا أساسيًا في حسابات الدول.
وباكستان ليست خارج هذا المنطق. فهي دولة نووية، وتمتلك مؤسسة عسكرية كبيرة، وتعيش منذ عقود ضمن بيئة أمنية صعبة، ولا سيما في علاقتها التاريخية المتوترة مع الهند.
لكن امتلاك القوة شيء، وتحديد وظيفتها السياسية شيء آخر.
وهنا تكمن إحدى الأفكار التي يمكن استعادتها من إرث جناح: القوة الأكثر فاعلية ليست بالضرورة القوة الأكثر استخدامًا. فقد تكون القيمة الكبرى للقدرة العسكرية في منع الحرب، ورفع كلفة الاعتداء، ومنح الديبلوماسية مساحة للعمل.
فالردع، في أفضل حالاته، لا يلغي السياسة، وإنما يحمي المساحة التي تستطيع السياسة أن تتحرك داخلها.
وهذه مسألة تتجاوز باكستان إلى النظام الدولي بأسره. عندما تصبح القوة العسكرية بديلًا من الديبلوماسية، تدخل الدول في دائرة يصعب الخروج منها: الخوف يولّد التسلح، والتسلح يولّد مزيدًا من الخوف، فيما تضيق المساحة المتاحة للتسويات.
أما عندما تكون القوة محكومة بهدفٍ سياسي واضح، فإنها تتحوّل من وسيلة للهيمنة إلى أداة لحماية السيادة ودعم التفاوض.
يمنح موقع باكستان، نظريًا، فرصةً للاضطلاع بأدوارٍ تتجاوز حدود جنوب آسيا. فعلاقاتها الوثيقة مع الصين لا تمنعها من الاحتفاظ بقنوات مهمة مع الولايات المتحدة والغرب، فيما ترتبط بعلاقات تاريخية واسعة مع دول الخليج والعالم الإسلامي، وتملك في الوقت نفسه خبرة طويلة في التعامل مع أفغانستان وتعقيدات آسيا الوسطى.
هذه الشبكة لا تجعل باكستان وسيطًا تلقائيًا في الأزمات الدولية، لكنها تمنحها رأسمالًا ديبلوماسيًا يمكن استخدامه إذا اقترن بسياسة خارجية متوازنة ومؤسسات داخلية مستقرة.
وهنا أيضًا يصبح إرث جناح مفيدًا.
فبدلًا من النظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها اختيارًا دائمًا بين محاور متنافسة، تستطيع الدول الواقعة عند تقاطع المصالح الكبرى أن تجعل من التوازن نفسه مصدرًا للنفوذ. والوسيط المؤثر ليس الدولة التي لا تمتلك مصالح، فهذا أمر غير موجود في السياسة الدولية، وإنما الدولة القادرة على حماية مصالحها مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف متعارضة.
بالنسبة إلى باكستان، قد يكون هذا الدور أكثر فائدة من محاولة إثبات مكانتها من خلال الانخراط في استقطابات لا تستطيع التحكُّم في نتائجها.
لكن الاحتفاء بجناح يفقد كثيرًا من قيمته إذا اقتصر على استعادة أقواله وصوره في المناسبات الوطنية.
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يبقى من مشروعه عندما تنتقل الدولة من لحظة التأسيس إلى تحديات الحكم؟
هنا يعود الدستور إلى الواجهة.
فالتحدي الذي تواجهه الدول المتعددة عرقيًا ومذهبيًا ولغويًا ليس فقط في إنشاء المؤسسات، بل في جعل المواطنين يثقون بأنَّ هذه المؤسسات لا تعمل لمصلحة جماعة ضد أخرى. ومن دون هذه الثقة، يصبح الانتماء إلى الطائفة أو العرق أو الإقليم أحيانًا أقوى من الانتماء إلى الدولة.
كان هذا التحدي حاضرًا في المشروع الباكستاني منذ بدايته، ولا يزال مطروحًا بأشكالٍ مختلفة حتى اليوم.
ولذلك فإنَّ أهمَّ ما يمكن استعادته من جناح ليس الحنين إلى لحظة تأسيسية، بل فكرة المواطنة التي تحميها المؤسسات.
الدولة القوية ليست تلك التي تفرض وحدتها بالقوة وحدها، وإنما التي تجعل الجماعات المختلفة ترى مصلحتها في بقائها. والقانون لا يؤدّي هذه الوظيفة عندما يكون نصًّا دستوريًا فقط، بل عندما يقتنع المواطن بأنَّ الدولة ستُطبّقه عليه وعلى خصمه بالمعيار نفسه.
بعد 150 عامًا على ولادة محمد علي جناح، ربما تكون القيمة الأهم لإرثه في الأسئلة التي يطرحها أكثر مما هي في الإجابات الجاهزة التي يمكن نسبها إليه.
كيف تستطيع الدولة أن تكون قوية من دون أن تصبح القوة بديلًا من القانون؟
كيف تحمي هويتها من دون أن تحوّل الاختلاف الداخلي إلى تهديد؟
كيف تمتلك الردع من دون أن تصبح أسيرة لمنطق المواجهة؟
وكيف تحافظ على مصالحها وسط الاستقطاب الدولي من دون أن تفقد قدرتها على الحوار مع الأطراف المختلفة؟
هذه الأسئلة ليست باكستانية فقط.
إنها جزءٌ من أزمة أوسع يعيشها النظام الدولي في زمن تزداد فيه القدرات العسكرية بينما تتراجع الثقة بالمؤسسات والقواعد التي يفترض أن تضبط استخدامها.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى إرث جناح باعتباره وصفة جاهزة لعالم مختلف جذريًا عن العالم الذي عاش فيه. الأجدى التعامل معه بوصفه تذكيرًا بمبدَإٍ أكثر بساطة واستدامة: أنَّ القوة تحتاج إلى القانون كي تكتسب الشرعية، وأنَّ القانون يحتاج إلى مؤسسات قادرة كي لا يبقى مجرّد نص، وأنَّ السلام الخارجي يصبح أكثر هشاشة عندما تفقد الدولة توازنها في الداخل.
لذلك ربما لا يكون أفضل تكريم لجناح بعد قرن ونصف من ولادته هو تكرار شعاراته، بل إعادة طرح السؤال الذي رافق مشروعه السياسي كله: كيف تُبنى دولة قوية بما يكفي لحماية نفسها، وعادلة بما يكفي كي يثق مواطنوها بها، وحكيمة بما يكفي كي تعرف متى تستخدم قوتها ومتى تترك للديبلوماسية أن تعمل؟
في عالمٍ يزداد فيه صوت السلاح ارتفاعًا، قد تكون الإجابة عن هذا السؤال أكثر راهنية من أيِّ وقتٍ مضى.
- الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي هي أستاذة جامعية وباحثة سياسية لبنانية.



