بركان “علي الطاهر”… أيُّ جدوى لاستراتيجيّة أنفاق “حزب الله”؟

ابراهيم حيدر*

تعثّر التفاوض بين لبنان وإسرائيل، فيما يسعى الأميركيون عبر الضغوط لاستئناف الجلسات في روما مطلع أيلول (سبتمبر) المقبل، وهو ما أكدته الخارجية الأميركية التي تجري اتصالات لخفض السقوف ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية والتفجيرات، وتسهيل البحث في انسحاب إسرائيل من مناطق تجريبية محتلّة في الجنوب اللبناني.

تغيّر المشهد بعد الجولة السابعة للمفاوضات في روما، والتي شهدت توتّرًا بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، إذ أنَّ الآلية التي تسير على أساسها المفاوضات لم تعد مجدية، في ظل المراوحة القائمة والتعجيز الإسرائيلي للمطالب اللبنانية، وغض النظر الأميركي المتوافق مع عدد من الشروط الإسرائيلية، بما يعني حرف التفاوض عن صيغته الأساسية، أي الانسحاب الإسرائيلي واستعادة الدولة لسيادتها كقوة شرعية وحيدة وحصر السلاح بيدها.

المفارقة أنَّ المفاوضات لم تعد تأتي على اتفاق الهدنة 1949، أو على الأقل تعديله بما يتوافق مع الواقع الراهن، ولا حتى إشارة إلى القرارات الدولية ومن بينها القرار 1701، إذ تغيّرت المعادلات القائمة وقواعد الاشتباك، بعد حربي 2024 و2026 على جبهة لبنان. وها نحن اليوم أمام تفاوض حول المناطق التجريبية التي ما إن تنسحب إسرائيل من منطقة حتى تعود لتفرض وقائع أمنية جديدة، فترفض الانسحاب من مناطق محتلة، لا بل تُوسِّع خط الاحتلال الاصفر في القطاعَين الغربي والأوسط، بعدما ثبتت احتلالها للقطاع الشرقي حتى الخيام وحيّدت مناطق العرقوب وفصلت البقاع عن الجنوب.

يتبين أنَّ إسرائيل تفاوض بأحزمة نارية وتضغط على الدولة اللبنانية برضا أميركي، وكأنها تتحضّر لعملية عسكرية مقبلة في تلّة “علي الطاهر” ضد “حزب الله”. فالأمور يمكن أن تتدحرج ميدانيًا في الجنوب بتوسيع العمليات الإسرائيلية، ويمكن أن يقدم “حزب الله” على تنفيذ عمليات هجومية ضد الجيش الإسرائيلي في حال قرر التوغل نحو المنشأة تحت الأرض.

ليست “علي الطاهر” عنوانًا مطروحًا في جلسات التفاوض بين لبنان وإسرائيل، لكنها نقطة متفجّرة لها امتدادات في الداخل الإسرائيلي، ولها رمزية خاصة لـ”حزب الله”، وإن كان يتحدث عن أنَّ سقوط المنشأة لا يعني انتهاء قدراته العسكرية، فإنَّ ما طرحه لبنان من مناطق تجريبية تنسحب منها إسرائيل إن من بنت جبيل أو الخيام، أو حتى مناطق محتلة على تماس الخط الأصفر إن كانت حداثا أو المنصوري، ووجِهَ برفضٍ إسرائيلي حرف التفاوض عن مساره إلى ملفات أخرى، وهو ما أدّى إلى توتر في جلسة روما الأخيرة لكن الإصرار الأميركي على استمرار التفاوض حسم الأمور وأبقى على مساره قائمًا.

وإذا كانت الشروط الإسرائيلية يرتفع سقفها في كل جولة مفاوضات، ومنها ليس مصادرة سلاح “حزب الله” فحسب، بل طلب إتلافه عند العثور عليه، وهو ما رفضه الوفد العسكري اللبناني الذي يطرح الاحتفاظ بالأسلحة والاستفادة منها، يرفض “حزب الله” كل الصيغ المطروحة لبنانيًا لحصر السلاح، بما فيها تسلم مواقع للحزب، بينها تلة “علي الطاهر” التي يحكى أنها تضم عشرات المقاتلين بينهم عناصر من الحرس الثوري الإيراني، إذ يرفض الحزب خروج مقاتليه بعد فتح ممر آمن، وتسليمها للجيش.

وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى فرض وقائع أمنية في كل المناطق التجريبية إلّا أنَّ تلة “علي الطاهر” لها رمزية مختلفة تتعلق بـ”حزب الله” وهي تريد تسجيل إنجاز في ضرب بنيته وإسقاط استراتيجيته العسكرية التي اعتمدها في حفر الأنفاق، لذا يبدو بركان التلة أبعد من السلاح، واحتلالها أو تفجيرها بالنسبة إلى الاحتلال الإسرائيلي يسقط درعًا استراتيجيًا اعتمده الحزب في إطار معادلته التي رفعها سابقًا لـ”توازن الردع”، وامتدادًا لتفجيرات القرى والأنفاق والمنازل في الجنوب، وهو ما يطرح على الحزب مسؤولية الخروج من النفق ومواجهة المأزق بالاتفاق على صيغة مع الدولة حرصًا على بيئته وحماية لبنان.

  • الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومُحلل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
  • يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى