رواية “حزب الله”… “علي الطاهر” أكبر من لبنان؟

ابراهيم حيدر*

تتحكّم “علي الطاهر” بعملية التفاوض، وتُشكّلُ عنوانًا رئيسيًا في السباق بين المسار الديبلوماسي الذي يحاول إنتاج ضمانات ترافق الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية وترتيباتها، وبين المسار العسكري الذي يتقدّم ميدانيًا، في ضوء ما تنقله أجواء سياسية من أنَّ إسرائيل تريد الانقضاض على التلة، إذ هي اليوم ترفض المشاركة في جولة روما الثامنة مشترطة تسليم “علي الطاهر” للجيش اللبناني ونزع سلاح “حزب الله”، فيما إيران تتحرّك وتضغط لتكون الطرف المقرّر في المسارَين، مع التلميحات المتتالية لمسؤولين فيها من أنَّ جبهة الجنوب و”علي الطاهر” مرتبطة مباشرة بحساباتها.

تبدو الأمور ذاهبة إلى التصعيد مع انسداد التفاوض على المسار اللبناني، وانتهاء مدة الستين يومًا لوقف إطلاق النار بين أميركا وإيران، فإذا صحّت الأنباء المتداولة عن أنَّ الحرس الثوري الإيراني قرر الهجوم لفك الحصار، وأنَّ إيران زادت إنتاج الصواريخ والمسيّرات خلال الهدنة وتعمل على تحريك وكلائها في المنطقة، فإنَّ جنوب لبنان يصبح جُزءًا من الحسابات الإيرانية، تدير معركته مباشرة عبر إلحاق المسار اللبناني بأجندتها، من دون أن يعني ذلك الحرب لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي.

هنا تكمن أهمية “علي الطاهر” اليوم ليس بمساحتها ولا بحدود جغرافيتها كتلال مشرفة، إنما أكبر من ذلك وسط الصراع الإقليمي الذي يندرج فيه “حزب الله” وراء مرجعيته الإيرانية، فيما تسعى إسرائيل إلى ضرب الحزب جنوبًا، والضغط على لبنان، ولذا قد تسبق التطورات الإقليمية كل الترتيبات التي يجري العمل عليها لإطلاق جولة روما، ليتحوّل الجنوب ساحة مواجهة إيرانية-إسرائيلية أكبر من لبنان.

وفي ظلِّ الخطر الحقيقي على البلد من تحوّله إلى ساحة، يُركّز “حزب الله” في خطابه على مهاجمة الدولة و”اتفاق الإطار” الذي يتحمّل مسؤولية دفع السلطة اللبنانية نحو المفاوضات المباشرة، ولا يترك أي نافذة لتواصل يسمح ببلورة موقف وطني لبناني جامع لمواجهة الأخطار المُحدِقة بلبنان، ولا يمنح الدولة أي مساعدة أو تسهيل لمهمتها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بما في ذلك “علي الطاهر”، لا بل يندفع أكثر نحو التشدّد ويستخدم مراجع وهمية كما فعل أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في استحضار نص لمفكِّر يهودي وهمي، لا تمت بصلة إلى المعارف الموثوقة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مخاطبة بيئته بكلامٍ خارج الواقع، لكنه يؤكد أنَّ خطاب الحزب قائمٌ على أوهام، يجهل معرفة عدوه الذي يقاتله ولا يحدد نقاط ضعفه، بل يدّعي هزيمته وإعلان النصر.

يستحضر “حزب الله” كل أساليب الدعاية والفبركات، ضد الدولة، ويتجاوز ما لحق ببيئته والبلد من خسائر وكوارث واحتلال لـ650 كلم2 من الجنوب، لذا يصبح السؤال مشروعًا عمّا إذا كان الحزب هو الذي يقرر شؤونه بنفسه، أم أنَّ كلَّ بُنيته تُدار من إيران ومن الحرس الثوري تحديدًا، فإذا قرر خوض معركة “علي الطاهر” في مواجهة إسرائيل، يقاتل باسم إيران في توظيف مواجهتها لأميركا وإسرائيل.

تحوّلت “علي الطاهر” إلى موقع مختلف في الحسابات الإسرائيلية، ووفق تقارير تنشرها وسائل إعلام عبرية، فإنها تريد السيطرة على التلة لما تعتبره أنه منظومة دفاعية لـ”حزب الله”، وهي تمنحها حرية حركة أوسع بريًا للسيطرة على مواقع وتلال يتمركز فيها الحزب، بما يعني أنها تسعى إلى فرض وقائع قبل اتساع الحرب الإيرانية-الأميركية.

هل يدرك “حزب الله” الخطر على بيئته وعلى لبنان، كي يبادر إلى التعامل مع الدولة كمرجعية في مواجهة إصرار إسرائيل على توسيع حربها وقضم مزيد من الأراضي، واستخدام ما تسميه انجازاتها العسكرية لفرض شروط إضافية على لبنان، حتى إذا سلّم الحزب للدولة، يمنح المفاوض اللبناني أوراقًا في مواجهة إسرائيل، فإذا لم يعد إلى التفكير بالمصلحة اللبنانية ويتصرّف ويبني سياساته على أساسها بعيدًا من الأوهام، ومنها تحديد مصير “علي الطاهر” سيكون البلد أمام مشهد كارثي مفتوح على المجهول.

  • الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومُحلِّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى